( للأخلاق ثمن )
للأخلاق ثمن بل وثمن باهظ جداً ، حين تبدأ بتعديل نفسك لتناسب كل عين . ستفقد ملامحك تدريجياً ، حتى تصبح نسخة باهتة ترضي الجميع ولا تشبهك .
والأسوأ أنك ستتعب لأن هذا العمل لا نهاية له . فكلما أرضيت فئة خالفت أخرى ، وكلما اقتربت من صورة ابتعدت عن ذاتك . الحياة لا تُعاش لتحسين الصورة بل لتعميق الجوهر .
أن تكون صادقاً مع نفسك ، هذا أثمن بكثير من أن تبدو مثالياً في عيون الآخرين . أن تنام مرتاح الضمير خير من أن تنام مُرهقاً من تمثيل دور لا يشبهك .
دعهم يرونك كما يشاؤون ، فهم في النهاية لا يرونك كما أنت ، بل كما هم . وحده من يحبك (وهم قلة ) بصدق سيحاول أن يفهمك لا أن يحكم عليك .
وحده من يعرفك بعمق (وهم قلة ) سيدرك أنك لست صورة ثابتة ، بل إنسان يتغير ، يخطئ ، يصيب ، ويبحث عن نفسه في كل مرة .
لا تُهدر عمرك في تجميل الانطباعات بل ابنِ نفسك كما تريد أن تكون ، لا كما يريدون أن يروك . حينها لن تحتاج إلى الدفاع عن صورتك ، لأنك ببساطة ستكون أنت . أنت لست واحداً في أعين الجميع ولن تكون .
في نظر من لا يعرفك أنت إنسان عادي ، بلا ملامح واضحة . وفي نظر من يكرهك مغرور ، وربما متكبّر لأنك لم تكن كما أراد . وفي نظر من يعرفك جيد ، مفهوم إلى حد ما قابل للأخذ والرد .
أما في نظر من يحبك (وهم قلة) فأنت استثناء لا تُقاس و لا تُقارن بل تُرى بقلب لا بعين .فأي هذه الصور ستحاول إرضاءها ؟
المأزق الحقيقي ليس في نظرة الناس ، بل في استسلامك لها .
أنا كما أنا انسان أخطئ وأُصيب وأُحاول وأتعب وأصمت حين لا أجد ما يقال . لم يعد يهمني كيف يراني الآخرون بقدر ما يهمني ألا أخسر نفسي وأنا أحاول إرضاءهم .
فالصورة التي تتغير مع كل عين ليست صورة حقيقية بل قناعاً مؤقناً سرعان ما يسقط عند أول تعب . تعلمت أن أتركهم يرونني كما يشاؤون فكل منهم لا يرى وجهي بل يرى انعكاسه فيَّ .
وأنا ؟ لم أعد أبحث عن نظرة تُنصفني بل عن سلام لا يخذلني حين أكون أنا . أمثال هؤلاء الذين لا يروننا إلا من خلال ذواتهم المريضة لن يجمعنا معهم إلا موت . ذلك أن للأخلاق ثمن بل وثمن باهظ وجداً .
✍️ بقلمي: عمر أحمد العلوش