الأحد، 12 يوليو 2026

تكلم حتى أراك بقلم الراقية

 تكلم حتى أراك... وأعرفك

بقلم د٠ عزه حمدى سند 

حين يصبح الحوار مرآةً للعقل والقلب

هناك وجوهٌ قد تُخفي ما في داخلها، وابتساماتٌ قد لا تُعبِّر عن حقيقة أصحابها، لكن الكلمات تظل من أكثر النوافذ قدرةً على كشف الإنسان. فمن خلال حديثه، وطريقة اختياره لألفاظه، وأسلوبه في الحوار، تتشكل أمامنا ملامح شخصيته، ويظهر جانبٌ من عالمه الداخلي.

ولهذا شاع القول: "تكلم حتى أراك وأعرفك." فالكلام لا ينقل الأفكار فحسب، بل يحمل في طياته منظومةً كاملة من القيم، والثقافة، والمشاعر، وطريقة النظر إلى الحياة.

فالإنسان المتزن لا يحتاج إلى رفع صوته ليقنع، ولا إلى التقليل من الآخرين ليُثبت نفسه. أما من امتلأ قلبه احترامًا، انعكس ذلك في كلماته، ومن سكنه الغضب أو الكِبر أو التعصب، ظهرت آثاره في أسلوبه وإن حاول إخفاءها.

وليس المقصود أن نحكم على الناس من كلمة عابرة، أو من موقف واحد، فلكل إنسان ظروفه التي قد تؤثر في حديثه، ولكن مع تكرار الحوار تتكشف الطباع، ويصبح اللسان مرآةً لما استقر في القلب والعقل.

إن الحوار ليس منافسةً لإثبات من الأقوى، وإنما هو مساحة للفهم والتقارب، واختبارٌ حقيقي لأخلاق الإنسان. ففي لحظات الاتفاق يبدو الجميع متشابهين، أما عند الاختلاف، فتظهر معادن الرجال والنساء، ويتجلى احترام الرأي الآخر، أو يغيب.

وقد أرشدنا الإسلام إلى قيمة الكلمة، فقال النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.» فجعل للكلمة مسؤولية، وللصمت حكمة، لأن اللسان قد يبني جسورًا من المودة، وقد يهدمها في لحظات.

ولعل أجمل ما يكشفه الحوار ليس مقدار العلم وحده، بل مقدار التواضع. فالعاقل لا يرى في الاختلاف تهديدًا، بل فرصةً للتعلم، ولا يجعل من رأيه حقيقةً مطلقة، بل يترك دائمًا مساحةً لاحتمال أن يتعلم من غيره.

إن الإنسان قد ينجح في اختيار ثيابه بعناية، وقد يتقن رسم صورة جميلة عن نفسه، لكن الكلمات الصادقة، مع مرور الوقت، ترسم الصورة الحقيقية التي لا تستطيع الأقنعة أن تخفيها طويلًا.

لذلك، قبل أن نتحدث، لنسأل أنفسنا: ماذا ستقول كلماتنا عنا؟ هل ستشهد لنا بالحكمة، أم بالعجلة؟ بالرحمة، أم بالقسوة؟ بالاحترام، أم بالتعالي؟

فالكلمة ليست صوتًا يمر، بل أثرٌ يبقى. ومن أراد أن يُرى على حقيقته، فليحسن حديثه، وليجعل لسانه ترجمانًا لقلبٍ كريم، وعقلٍ راجح، ونفسٍ تعرف أن أجمل ما في الإنسان ليس ما يقوله عن نفسه، بل ما تكشفه كلماته للناس.

د. عزة حمدي سند

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .