سِفْرُ الطَّرِيق
من أسفار الرؤيا
لم يُخلق الطريقُ لكي يُوصلنا...
بل لكي يُعيدَ ترتيبَ ملامحِنا.
فالإنسانُ لا يخلعُ أميَّتَه عند الوصول،
بل يتهجَّأُ رملَه
في تلك البرزخيَّةِ العالقة
بين خطوةٍ أكلها الغياب،
وخطوةٍ ما زالت تُفتِّشُ عن رئتَيْن.
فالذي فكَّ قيدَ البابِ أولَ مرَّة،
لم يكن يعلم
أنَّه ترك الجدرانَ قائمةً في مكانها،
وهربَ من ظلِّه القديم.
وكان الإسفلتُ يقشرُ عن جلده
طينَ الذاكرة،
مسامًّا بعد مسامٍّ،
حتى تيبَّست الأقنعةُ المستعارة،
ولم يتبقَّ
سوى حدقةٍ خاليةٍ من الوهم،
لا تقرأُ إلا ما يمحوه الضباب.
أقرضَه الطريقُ
تساؤلًا جارحًا،
كلما غرزَ فيه نصلَه،
اتَّسعتِ البلادُ في عينيه.
كلُّ خطوةٍ
كانت مقبرةً لوجهٍ قديم،
وقابلةً سريَّةً تُولِّدُ في الصمت
ملامحَ لم تتورَّط فيها المرايا
من قبل.
حتى التيهُ...
لم يكن انحرافًا عن بوصلة،
بل كان الطريقَ نفسه
حين يرتدي قناعَ الغموض،
ليؤجِّل وصولَنا
حتى يكتملَ النضجُ
في مخاضِ العثرة.
كم من بابٍ
رصفَ قفلَه في وجوهنا،
فتقوَّس الطريقُ
كظهرِ أمٍّ
يحمي انكسارَنا،
وهيَّأ لنا ممرًّا سرِّيًا
تعجزُ الخرائطُ
عن كتابةِ أبجديَّته.
فالمسافةُ
لا تُقاسُ بأنفاسِ العدَّادات،
بل بكميةِ الغبارِ
الذي تحوَّل في رئتَيْك
إلى يقين.
وفي ختامِ هذا الطواف،
قد لا نجدُ المدينةَ
التي رسمنا لها خطةَ الشروق...
لكنَّنا سنلتقي حتمًا
بذلك الغريب
الذي فرَّ منَّا ذاتَ خوفٍ
ليبحثَ عنَّا.
فالغايةُ
ليست محطةً يصفرُ فيها القطار،
بل هي الثانيةُ الأولى
التي يكتشفُ فيها الطائرُ
أنَّ سماءَه الحقيقية
تبدأُ من تحتِ جناحيه.
وعندها فقط سنفهم،
أنَّ الطريقَ لم يمتدَّ يومًا فوق الطين...
بل كان ينمو
كعروقٍ نابضةٍ فينا.
وأنَّ الرحلةَ
لم تكن مطاردةً لخطِّ النهاية،
بل ترويضًا لبدايةٍ
تتوالدُ من موتِها.
عاشور مرواني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .