الجمعة، 17 يوليو 2026

عتبة الضوء والغموض بقلم الراقية أميرة محمد

 عتبة الضوء والغموض

في المدى الفاصل بين الحقيقة والخيال، تنبت الكلمات كما تنبت الأشجار في عتمة الروح. هذه القصيدة ليست مجرد وصفٍ لخطوط لوحة فنية، بل هي سياحةٌ عميقة في الفلسفة السريالية التي تذيب الحدود بين جسد الإنسان وجسد الأرض. هنا، يتحول الظهر إلى امتدادٍ لغابة موحشة، ويصبح الممر المرسوم خطاً جغرافياً يعبر بنبضنا نحو المجهول. نفتح بوابات هذا النص لنستمع إلى صمت المرأة الغامضة، ونرقب قمرين يتقاسمان حراسة النور؛ أحدهما في كبد السماء، والآخر في عمق الجسد، بينما يقف طائرٌ صغير على الكتف كآخر شاهدٍ على السلام وسط غابة من الظلال.

 مَلْحَمَةُ الظِّلِّ وَالقَمَرَيْن 

لَيلٌ يَصُبُّ عَلَى المَدَى أَسْرَارَا ... وَيَحِيكُ مِنْ صَمْتِ الدُّجَى دِثَارَا

قَمَرٌ تُسَافِرُ فِي سَنَاهُ قَوَافِلٌ ... رَفَعَ الضِّيَاءَ عَلَى الطَّرِيقِ مَنَارَا

مُتَفَرِّدٌ فِي الأُفْقِ يَبْسُطُ نُورَهُ ... حَتَّى أَعَادَ لَيَالِيَنَا نَهَارَا

وَتَقِفُ تِلْكَ الغَادَةُ العَذْرَاءُ فِي ... مِحْرَابِ كَوْنٍ يَحْبِسُ الأَنْفَارَا

تَرْنُو إِلَى الأُفُقِ البَعِيدِ وَعَيْنُهَا ... تَطْوِي مَسَافَاتِ السِّنِينَ دِهَارَا

رَنَتْ بَعِيداً لِلْغُمُوضِ وَلَمْ تَسَلْ ... عَنْ غَابَةٍ شَرَعَتْ لَهَا الأَسْوَارَا

مَا ذَاكَ نَقْشٌ فِي مَعَابِرِ ظَهْرِهَا ... بَلْ ذَاكَ عُمْقُ الأَرْضِ حِينَ اسْتَارَا

تَمْشِي الشُّجُونُ عَلَى مَعَابِرِ جِيدِهَا ... غَابَاتِ حُزْنٍ تَبْعَثُ الأَشْجَارَا

فِي كُلِّ غُصْنٍ قِصَّةٌ مَكْتُوبَةٌ ... عَنْ غَائِبٍ لَمْ يَبْلُغِ الدِّيَارَا

أَشْجَارُهَا غُرِسَتْ بِأَدْمُعِ مَنْ مَضَوْا ... وَتَشَرَّبَتْ مِنْ صَبْرِنَا أَنْهَارَا

وَالدَّرْبُ يَبْدَأُ مِنْ مَنَابِتِ خَصْرِهَا ... نَحْوَ المَدَى لَا يَعْرِفُ الإِقْصَارَا

مَسْرَىً تَوَغَّلَ فِي الحَنَايَا رَسْمُهُ ... حَتَّى تَعَدَّى الحَدَّ وَالمِقْدَارَا

تَقِفُ الرِّيَاحُ أَمَامَ صَمْتِكِ خُشَّعَاً ... وَتَخَافُ أَنْ تَسْتَفِزَّ الأَسْتَارَا

مَا هَزَّ كِتْفَكِ نَفْحَةٌ مِنْ مَاضِيٍ ... بَلْ زَادَكِ الإِطْرَاقُ فِيكِ فَخَارَا

تَتَشَابَكُ الأَغْصَانُ فِي كُلِّ اتِّجَاهْ ... مِثْلَ السُّؤَالِ إِذَا أَرَادَ حِوَارَا

وَالدَّرْبُ فِي الظَّهْرِ الحَزِينِ مُعَبَّدٌ ... لِلسَّائِرِينَ وَمَنْ بَغَوْا إِبْصَارَا

هُوَ دَرْبُ رُوحٍ لَمْ تَجِدْ لَاحِلَّهَا ... إلَّا التَّوَعُّرَ مَسْلَكَاً وَشِعَارَا

قَمَرٌ شَبِيهٌ بِالذِي فِي أُفْقِنَا ... قَدْ حَلَّ فِي أَعْطَافِهَا وَتَارَا

مِرْآةُ نَفْسٍ فِي الجَسَدِ تَجَسَّدَتْ ... تُهْدِي الخُطَى يَا حَيْرَةً وَنِزَارَا

يَبْكِي بِأَعْمَاقِ الظَّلامِ لَهِيبُهُ ... مَنْ رَامَ مِنْ بَعْدِ النَّوَى أَنْوَارَا

يَا بَسْمَةَ الضَّوْءِ الذِي فِي صَدْرِنَا ... قَمَرَانِ حَاكَا فِي الخَفَاءِ حِصَارَا

هَذَا يُنَادِي نَحْوَ عُلْوِ سَمَائِهِ ... وَالآخَرُ المَطْبُوعُ شَعَّ جِهَارَا

تَتَعَانَقُ الأَنْوَارُ رَغْمَ فِرَاقِهَا ... لِتَصُبَّ فِي قَلْبِ المَدَى الأَسْرَارَا

عُصْفُورُ مَكْثٍ فَوْقَ كِتْفٍ نَاعِمٍ ... أَلْقَى المَوَاجِعَ كُلَّهَا وَأَثَارَا

يَشْدُو بِصَوْتٍ خَافِتٍ لَمْ يَبْتَغِ ... إلَّا الأَمَانَ وَيَعْزِفُ الأَوْتَارَا

نَادَى يَا هَذِهِ النَّقِيَّةُ هَلْ لَنَا ... أَنْ نَقْطَعَ اللَّيْلَ الطَّوِيلَ جِوَارَا؟

فَالدَّرْبُ مَهْمَا كَانَ مُعْتِمَاً فِيكِ ... يَلْقَى الضِّيَاءَ وَيَهْزِمُ الأَقْدَارَا

أَنْتِ المَلاذُ لِكُلِّ نَبْضٍ حَائِرٍ ... أَنْتِ السَّكِينَةُ إِذْ تَثُورُ بِحَارَا

رُفِعَتْ سُتُورُ الغَيْبِ حِينَ رَسَمْتِ فِي ... كَفِّ الطَّبِيعَةِ رَوْعَةً وَوَقَارَا

فَكَأَنَّكِ الكَوْنُ الفَسِيحُ بِأَسْرِهِ ... وَكَأَنَّنَا نَحْنُ الذِينَ أُسَارَا

ومع آخر نبضة في هذه الأبيات، يرسو النص بنا في موانئ الطمأنينة التي تخلقها اللوحة برغم غموضها. لقد كانت الكلمات بمثابة رحلة دافئة عبرت عتمة الغابة، لتؤكد لنا أن العزلة ليست دائماً منبعاً للوحشة، بل قد تكون محراباً يتجلى فيه الجمال في أبهى صوره. تنتهي القصيدة ويبقى المشهد حياً؛ المرأة الشامخة بصمتها، والقمران اللذان يتبادلان همس الضياء، والعصفور الذي وجد أمانه فوق كتفها. إنها دعوة شعرية رقيقة لنبحث عن السلام الداخلي وسط دروب الحياة المظلمة، ولنتذكر دائماً أن النور ينبع من أعماقنا ليضيء كل ما يحيط بنا.

بقلمي اميره محمد

سورية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .