الجمعة، 17 يوليو 2026

الجمهورية المؤجلة بقلم الراقي الأثوري محمد عبد المجيد

 **الجمهورية المؤجّلة**

**الفصل الخامس عشر: الجمهورية التي لم تولد بعد**


في نهاية كل حديث طويل عن الحرب،

لا يبقى سوى سؤال واحد، عارٍ من كل الشعارات:

ماذا بقي؟


أما في اليمن، فالسؤال أكثر وجعًا:

ماذا بقي لم تمتد إليه يد الخراب؟


مدن فقدت ملامحها،

اقتصاد تكسرت عظامه،

مؤسسات تشظّت حتى عجزت عن تذكّر صورتها الأولى،

ومجتمع نثرت الحرب خيوطه في كل اتجاه.

حتى الذاكرة لم تسلم،

فأصبحت ميدانًا تتصارع فيه الروايات،

كما تتصارع البنادق على الأرض.


ومع ذلك كله،

ثمة شيء لم تستطع الحرب أن تحسمه:

فكرة اليمن.


لا بوصفها حدودًا مرسومة على خريطة،

بل بوصفها احتمالًا ما يزال يقاوم الانطفاء،

ووعدًا مؤجلًا بأن يصبح هذا البلد وطنًا،

لا غنيمة يتنازعها المنتصرون.


هنا يتجلى المعنى الحقيقي للجمهورية المؤجّلة.


ليست مجرد حكومة غابت،

بل وطن ظل عالقًا عند لحظة الميلاد،

تتنازعه المشاريع،

وتثقله الهزائم،

وتؤجل ولادته كل حرب جديدة.


والفراغ لا يعرف البقاء فراغًا.


فحين تنسحب الدولة،

تزحف إلى مكانها سلطات الأمر الواقع،

تتمدد شبكات المصالح،

وتزدهر اقتصادات لا تعيش إلا على استمرار الانهيار.


وعندها،

تبقى الجمهورية كلمة تتردد في الخطب،

بينما تغيب عن حياة الناس.


غير أن أخطر ما تصنعه الحروب ليس سقوط الدول،

بل اعتياد الناس على سقوطها.


حين يصبح الانقسام قدرًا،

والخوف أسلوب حياة،

والمواطن تابعًا لقوة تحميه، لا لقانون يصونه.


---


ومع ذلك،

لم تمت اليمن.


ما تزال بين أبنائها روابط خفية،

ومصالح لا تستطيع الجغرافيا تمزيقها،

ولغة تجمع ما فرقته السياسة،

وذاكرة مثقلة بالجراح، لكنها تعرف طريقها إلى بيتها الأول.


ولذلك،

فالسؤال الحقيقي ليس:

كيف نعيد اليمن إلى ما كان؟

فالزمن لا يعود إلى الوراء.


السؤال الأصدق هو:

كيف نحمي ما بقي من فكرة اليمن،

قبل أن يصبح التمزق واقعًا لا يُرتق،

وقبل أن يكبر جيل لا يعرف من الوطن إلا اسمه؟


---


أما الجمهورية التي تستحق أن تولد،

فليست تلك المثالية التي تسكن الكتب،

ولا تلك التي تُستورد مع التسويات.


إنها دولة تبدأ من الإنسان.


دولة تدرك أن إنقاذ الحياة يسبق كل مشروع آخر،

وأن العدالة لا تزهر فوق أرض ما تزال تنزف.


دولة تقيس قوتها بعدد من تحميهم،

لا بعدد من تهزمهم.


ودولة ترى مستقبلها في عيون أطفالها،

لا في فوهات مدافعها.


والوصول إلى ذلك،

لا يحتاج إلى تبديل الحكام وحده،

بل إلى تبديل طريقة تفكيرنا.


أن نغادر سؤال: من يغلب من؟

إلى سؤال: كيف نعيش معًا؟


ذلك هو الانتصار الأصعب.


فالحروب قد تنتهي بتوقيع،

لكن الوطن لا يولد في بيانات النصر.


الوطن يولد،

حين يؤمن أبناؤه أن لا أحد يربح،

إذا خسر الجميع.


----


#محمد_عبدالمجيد_نعمان_الأثوري. 2026

#الجمهورية_ال

مؤجلة

#اليمن

#الفصل_الخامس_عشر

#ترميم_الإنسان

#سيكولوجية_الشعوب

#وعي_يمني

#النجاة_الجماعية

#الاستنزاف_المنهجي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .