الأربعاء، 8 يوليو 2026

أزاهير العرب بقلم الراقي حسين عبدالله الراشد

 أزاهير العرب


رحلة بين القيم التي صنعت الحضارة


زهرة الحكمة


في رحاب واحة الأدب والأشعار الراقية، نواصل رحلتنا بين أزاهير العرب، لا لنقطف زهرة، بل لنكتشف القيمة التي صنعت الإنسان، فصنعت الحضارة.


ليست الأمم العظيمة بما شيدت من عمران، ولا بما بسطت من سلطان، فذلك كله قد يطويه الزمن. أما ما يبقى حقا، فهو ما تغرسه في عقول أبنائها وضمائرهم. ولهذا كانت الحكمة أعظم ميراث تتناقله الحضارات، لأنها لا تبني الجدران، بل تبني الإنسان، وإذا استقام الإنسان، استقام ما يبنيه بعد ذلك.


وقد وعى العرب هذه الحقيقة مبكرا، فلم يجعلوا الحكمة زينة للأقوال، بل روحا للحياة، تهذب الأخلاق، وترشد العلم، وتقيم العدل، وتمنح الكلمة وزنها. وكانت قيمة الحكيم عندهم تقاس ببصيرته، لا بكثرة قوله، لذلك بقيت الحكمة من أنقى ما أورثه العرب للأجيال.


ولعل هذا ما أعادني مرة أخرى إلى البستان...


لكنني هذه المرة لم أعد أبحث عن أجمل زهرة، ولا عن أزكاها عطرا، بل عن الزهرة التي إن عرفتها، فهمت سر جميع الأزهار.


كان البستان غارقا في سكون مهيب، حتى خيل إلي أن الصمت نفسه صار لغة. ومع أول خطوة أدركت أن الطريق إلى الحكمة لا يبدأ بالعثور عليها، بل بالتخلي عن وهم امتلاكها.


وفي عمق البستان بدأت الرحلة.


كان أول من استقبلني لقمان. لم يحدثني عن كثرة المعرفة، بل عن صدق الكلمة، وأن الحكمة لا تقاس بطول الحديث، وإنما بما يتركه من أثر في النفس. ترك في روحي كلمة... ومضى.


ثم أقبل الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، بوقاره المعروف، فعلمت أن العقل لا يكتمل إلا بالعدل، وأن أقوى الناس ليس من غلب غيره، بل من غلب نفسه. وأودع في عقلي ميزانا لا يختل... ومضى.


ومضيت، فإذا بالإمام الشافعي يستقبلني بابتسامته الهادئة. أدركت معه أن العلم إذا فارقه الأدب صار جدلا، وأن الحكمة الحقة تجعل صاحبها أكثر تواضعا كلما ازداد علما. ترك في قلبي أدبا... ومضى.


وفي نهاية الطريق، وقفت أمام ابن خلدون، لا بوصفه مؤرخا فحسب، بل بصيرا بسنن العمران. علمني أن الحضارات لا تنهض بكثرة ما تملك، بل بسلامة الفكرة التي تقودها، ولا تسقط يوم تضعف قوتها، بل يوم تتخلى عن قيمها. وأشعل في بصيرتي سراجا لا ينطفئ... ومضى.


ثم وقفت أمام زهرة الحكمة.


لم تكن أكثر الأزهار لونا، ولا أشدها عطرا، لكنها كانت أكثرها حضورا. وهناك أدركت أن الحكمة ليست زهرة نتأملها، بل نور نهتدي به، وليست جوابا جاهزا، بل طريقة في رؤية الحياة، تجعل الإنسان يحسن الاختيار قبل أن يحسن الوصول.


هممت أن أغادر البستان، فالتفت خلفي للمرة الأخيرة.


لم أقطف زهرة...


لأن الأزهار يبهت لونها إذا فارقت جذورها.


لكنني حملت الحكمة.


والحكمة لا تحمل في اليد، بل تحمل في طريقة التفكير، وفي ميزان الحكم، وفي صدق العمل.


وحين غادرت البستان، أدركت أن العرب لم يورثوا الإنسانية كنوزا من الذهب، بقدر ما ورثوها كنوزا من الفكر، وأن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس ما يبنيه بيديه، بل ما يغرسه في العقول والقلوب.


لهذا لم تكن الحكمة أول أزاهير العرب...


بل كانت الجذر الذي ما إن صلح... حتى أزهرت من حوله سائر القيم.


قطرة من الرحيق


> الحكمة ليست فيما تعرفه... بل فيما تصبحه.


د. حسين عبدالله الراشد


جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة © د. حسين عبدالله الراشد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .