الجمعة، 10 يوليو 2026

العتبة بقلم الراقي بهاء الشريف

 العَتَبَة


كان كلُّ شيءٍ يستعدُّ لاستقبالي.


المائدةُ تتَّسعُ لمقعدٍ آخر، والبيتُ يحتفظُ بغرفةٍ لم تُفتَح بعد، وكلمةُ «غدًا» تتكرَّر على الألسنة بثقةٍ تجعل الزمن يبدو وفيًّا لما يَعِد.


هناك… بدأتُ أتشكَّل.


لم يكن لي اسمٌ، ولا ملامحُ، ولا تاريخ.


كان يكفيني أن أكون الوعدَ الكامن بين قلبين، والمسافةَ الصامتة بين الحُلْم واكتماله.


كلما قيل: «سنفعل…»


ازددتُ اقترابًا من الحياة.


وكلما رُسمتْ للمستقبل خُطوةٌ جديدة، شعرتُ أن العالم يضيف إليَّ جزءًا آخر، كما لو أنني أُبنى من كلماتٍ لم تُقَل بعد.


ثم…


اختلَّ شيءٌ صغير.


لم تهبطِ السماء.


ولم ينطفئ النهار.


لكن خيطًا واحدًا انقطع في نسيج الوعد، وكان ذلك كافيًا لأبقى حيث أنا.


مذ ذاك…


ظلَّ كلُّ شيءٍ على حاله…


إلَّا معناه.


كانت المائدةُ تُفرش كلَّ مساء، غير أن اتساعها صار يشبه سؤالًا.


وكان البيتُ يشيخ بهدوء، وفي داخله بابٌ لا ينتظر أحدًا، لكنه لا يتعلَّم كيف يُغلَق.


وكانت كلمةُ «غدًا» تُقال كما كانت دائمًا، إلا أن صداها يعود ناقصًا، كأنها أضاعت وجهتها في الطريق.


لم أختفِ.


الأشياءُ التي لا تُولَد لا تعرف كيف تختفي.


إنها تبقى، لا في الذاكرة، بل في الفراغ الدقيق الذي تتركه داخل الأشياء المكتملة.


في الصورة التي لا ينقصها أحد، ومع ذلك لا تكتمل.


وفي الفرح الذي يبلغ تمامه، ثم يترك في القلب ارتباكًا خفيًّا، كأن أحدًا تأخَّر عن الوصول.


لهذا لا يعيش الإنسان عمرًا واحدًا.


يعيش العمر الذي مضى.


ويعيش، في صمتٍ لا يلتفت إليه، عمرًا آخر ظلَّ يتهيَّأ له، ثم توقَّف قبل أن يبدأ.


ولعلَّ أكثر ما يُشكِّلنا ليس ما حدث لنا…


بل ما كان في طريقه إلينا، ثم غيَّر طريقه.


لهذا، حين يداهمك حنينٌ لا يقود إلى ذكرى، أو تشعر بأن في قلبك فراغًا لا يحمل اسمًا، فلا تُعجِل بتفسيره.


فليس كلُّ نقصٍ أثرَ فقد.


بعضُه…


أثرُ حياةٍ كاملة…


كانت على وشك أن تبدأ.


✍🏻 بقلمي: بهاء الشريف

10 يوليو 2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .