قصة قصيرة في محرابِ الحقيقة: حوارٌ بين المُهندس والشاعرة
جلستُ في مكتبي، وقد غلفتني سكونُ ليلةٍ لم تُبقِ من العالم إلا ضوءَ حاسوبي الخافت، وأوراقي التي اختلطت فيها رُموزُ النيتروسوفيك بمسودة روايتي الجديدة. وفجأة.. وكأنَّ مرآةً قد انشطرت في روحي، بدأت أسمع صوتين يتبادلان الحوار.
صوتُ المهندس فيَّ ذاك الذي يقدس البرهان يقول: يا أحمد، الأرقامُ لا تكذب، هي لغة الكون الصادقة. ألا تكتفي بصرامة المعادلات؟ لماذا تُتعبُ نفسك في البحث عن استعارةٍ لشاعرٍ غابر، أو في حبكة روايةٍ لن تغير من قوانين الفيزياء شيئاً؟
ابتسمتُ، ثم جاء صوتُ الشاعرة في أعماقي تلك التي ترفض إلا أن تجعل للكون قلباً يجيب: يا أخي، إنَّ ما تسميه أنت 'صرامةً'، هو في جوهره قيدٌ يمنعُ الأرقامَ من الطيران. ألا ترى أنَّ (X) المجهولة في معادلاتك، هي ذاتها (الحيرة) التي نبحث عنها في أرواحنا؟
نظرتُ إلى شاشة الحاسب، إلى الخوارزمية التي كنتُ أُصممها لحلِّ معضلةٍ معقدة، فقلتُ لهما: هوناً عليكما.. ألا تدركان أنكما وجهان لعملةٍ واحدة؟ إنَّ مرايا اليقين التي أكتبها، ليست إلا محاولةً لدمجكما معاً.
توقفَ الصراعُ في داخلي، وأكملتُ:
يا صديقي المهندس، أنت تُعلمني أنَّ الجمالَ يبدأ حين تُوضع كل قطعةٍ في مكانها الصحيح، تماماً كما أفعل في هندسةِ الجملةِ الأدبية. ويا أيتها الشاعرة، أنتِ تُعلميني أنَّ البرهانَ الرياضيَّ يظلُّ بارداً، ما لم يلمس وجداناً بشرياً، وما لم تكن خلف كل نظريةٍ حكايةٌ تستحقُّ أن تُروى.
في تلك اللحظة، رأيتُ الكودَ البرمجيَّ يترجمُ مشاعري إلى مساراتٍ منطقية، ورأيتُ الكلماتِ تنسابُ كأنها معادلةٌ متزنة، لا انحرافَ فيها، ولا حشو، ولا اضطراب. اكتشفتُ أنَّ حياتي ليست انقساماً، بل هي تكاملٌ رياضيٌّ حيّ.
فبصفتي أستاذاً في الرياضيات، أدركتُ أنَّ الأدبَ هو المتغير التخيلي الذي يجعل حياتنا قابلةً للحل. وبصفتي كاتباً، أدركتُ أنَّ الرياضيات هي الهيكل العظمي الذي يحمي الكلمة من التلاشي في فوضى الغموض.
أغلقتُ حاسوبي، ونظرتُ إلى النافذة، حيث القمرُ يرقصُ وفق قانونِ الجاذبية، فيُشعرنا بالجمال.. هل رأيتم؟ حتى الكون يمارسُ هذا التكامل! إنه يطبقُ الرياضيات ليحافظ على بقائه، والأدب ليمنحنا الدهشة في كل ليلة.
يا أنتم.. يا من تقرأون أفكاري الآن: أليس في أعماقكم هذا التناغم؟ ألا توجد في حياتكم معادلةٌ صعبة، تبحثون عن كلمةٍ أدبيةٍ تفتحُ مغاليقها؟
نحن لا نختار بين العقل والقلب، بل نختار أن نعيش بهما معاً.. فبغير المنطق تضيعُ الحقائق، وبغير الجمال.. لا تستحقُّ الحقائقُ أن تُعرف.
أ.د. أحمد عبد الخالق سلامة
أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب
كاتبٌ يرى أنّ الكلمة يمكن أن تكون معادلة، وأن المعادلة قد تكون أجمل حين تُكتب بروح شاعر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .