أحكي يا شهرا زاد 1
احكي يا شهرزاد
عن مدن النسيان
قَالَتْ شَهْرَزادُ:
يَا مَلِكِيَ السَّعِيد…
دَعْنِي أَحْكِي…
فَإِنَّ الحِكَايَاتِ
إِذَا سَكَتَتْ… مَاتَ القَلْبْ.
سَأَحْكِي لَكَ
عَنْ مُدُنٍ
تَقَعُ فِي أَقَاصِي الرُّوح…
لَا تَرَاهَا العُيُونْ،
وَلَا تَبْلُغُهَا الخُطَى…
مُدُنٌ
تُسَمَّى: مُدُنَ النِّسْيَان…
فِي تِلْكَ المُدُنِ
يَا مَلِكِي…
يَتَعَلَّمُ النَّاسُ
كَيْفَ يُطْفِئُونَ الذِّكْرَى
بِقُبْلَةِ صَمْتٍ…
وَبِدَمْعَةٍ
لَا تَسْقُطْ…
هُنَاكَ
تَمْشِي الشَّوَارِعُ بِلا أَسْمَاءْ،
وَتَتَعَلَّقُ الأَحْلَامُ
عَلَى مَسَامِيرِ اللَّيْلْ،
كَمَا تُعَلَّقُ الثِّيَابُ
فِي بَيْتٍ مَهْجُورْ…
يَا مَلِكِي…
إِنَّهَا مُدُنٌ
تَخَافُ مِن الضَّوْءِ،
وَتَخْجَلُ مِن السُّؤَالْ،
فَإِذَا قُلْتَ: مَنْ أَنْتَ؟
أَجَابَكَ الهَوَاءْ…
وَإِذَا سَأَلْتَ: أَيْنَ الطَّرِيق؟
تَقَدَّمَتْ الرِّيحُ
وَقَالَتْ:
كُلُّ الطُّرُقِ هُنَا
تُؤَدِّي إِلَى نَفْسِهَا…
ثُمَّ تَضْحَكُ…
وَتَمْضِي.
وَأَمَّا أَوْطَانُ التَّائِهِين…
فَهِيَ لَا تُبْنَى مِن حَجَرٍ،
وَلَا تُرْفَعُ فِيهَا الأَعْلَامْ…
إِنَّهَا تُبْنَى
مِن زَفْرَةٍ،
مِن تَنَهُّدٍ،
مِن دَمْعَةٍ تَتَأَخَّرُ عَنِ السُّقُوطْ…
فِي وَطَنِ التَّائِهِينَ
يَا مَلِكِي…
يُصْبِحُ الحُبُّ مِزْمَارًا
يَعْزِفُ وَحْدَهُ…
وَيُصْبِحُ القَلْبُ
قَارِبًا
تَكْسِرُهُ الأَمْوَاجُ
ثُمَّ تَحْمِلُهُ…
وَيُصْبِحُ النَّاسُ
يَمْشُونَ
وَفِي صُدُورِهِم خَرِيطَةٌ
مُمَزَّقَةْ…
يَا مَلِكِي…
لَقَدْ رَأَيْتُ التَّائِهِينَ
يَضَعُونَ أَسْمَاءَهُمْ
فِي جُيُوبِهِم
كَمَا يُخَبِّئُ الطِّفْلُ
حُلْمَهُ الصَّغِيرْ…
وَيَقُولُونَ:
نَحْنُ لَا نُرِيدُ وَطَنًا
يَسْأَلُنَا عَنْ جُرُوحِنَا…
نَحْنُ نُرِيدُ وَطَنًا
يَصْمُتُ مَعَنَا فَقَطْ…
وَفِي مَدِينَةِ النِّسْيَانِ
تَنَامُ الحِكَايَاتُ
تَحْتَ سِتَارِ اللَّيْلْ،
وَإِذَا أَتَى العَاشِقُونَ
تَظَاهَرَتِ الجُدْرَانُ
أَنَّهَا لَا تَعْرِفُهُمْ…
وَفِي أَوْطَانِ التَّائِهِينَ
يُصْبِحُ الحَنِينُ
شَجَرَةً فِي الصَّدْرْ…
تُؤْلِمُكَ
كُلَّمَا هَبَّتْ رِيحُ الذِّكْرَى…
يَا مَلِكِي…
قَدْ تَظُنُّ أَنَّ النِّسْيَانَ مَوْتٌ،
وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مَوْتًا…
إِنَّهُ رَحْمَةٌ
تُطْفِئُ الحَرِيقَ
قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ الرُّوحْ…
وَقَدْ تَظُنُّ أَنَّ التِّيهَ ضَيَاعٌ،
وَلَكِنَّهُ لَيْسَ ضَيَاعًا…
إِنَّهُ طَرِيقٌ
يُعَلِّمُ القَلْبَ
كَيْفَ يَمْشِي
عَلَى جَمْرِ الحَنِينْ
دُونَ أَنْ يَصْرُخْ…
وَلَقَدْ سَأَلْتُ رَجُلًا
كَانَ يَمْشِي وَحْدَهُ
كَأَنَّهُ آخِرُ البَشَرْ…
قُلْتُ:
أَيْنَ وَطَنُكَ؟
فَابْتَسَمَ…
وَقَالَ:
وَطَنِي…
صَوْتٌ يَأْتِي مِن بَعِيدْ،
يُرَبِّتُ عَلَى قَلْبِي
وَيَقُولُ:
لَا تَخَفْ…
فَأَنْتَ لَسْتَ وَحِيدًا…
ثُمَّ مَضَى…
وَتَرَكَنِي أَنَا…
شَهْرَزاد…
أَجْمَعُ بَقَايَا الحِكَايَةْ…
وَأُخَبِّئُهَا
تَحْتَ وِسَادَةِ اللَّيْلْ…
قَالَتْ :
يَا مَلِكِيَ السَّعِيد…
إِنَّنِي تَعَلَّمْتُ مِنَ اللَّيْلِ
أَنَّ البَشَرَ لَا يَضِيعُونَ فِي الطُّرُقِ…
بَلْ يَضِيعُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ…
وَتَعَلَّمْتُ
أَنَّ مَنْ فَقَدَ حَبِيبًا
لَا يَبْكِي عَلَى الغَائِبِ…
بَلْ يَبْكِي
عَلَى نَفْسِهِ
حِينَ كَانَ مَعَهُ…
وَتَعَلَّمْتُ
أَنَّ مَدِينَةَ النِّسْيَانِ
لَيْسَتْ بُعْدًا…
إِنَّهَا دَاخِلُنَا…
وَأَنَّ وَطَنَ التَّائِهِينَ
لَا يُوجَدُ عَلَى الأَرْضِ…
بَلْ فِي الرَّجْفَةِ
الَّتِي تَسْكُنُ الصَّدْرَ
حِينَ نَتَذَكَّرُ…
يَا مَلِكِي…
إِذَا أَتْعَبَكَ الطَّرِيقُ
فَلَا تَسْأَلْ: أَيْنَ النِّهَايَة؟
اِسْأَلْ قَلْبَكَ:
مَنْ أَنْتَ؟
فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ
لَمْ يَتِهْ…
وَإِنْ ضَاعَتْ خُطَاهُ
فِي أَلْفِ مَدِينَةْ…
وَإِنَّ مَنْ وَجَدَ نُورَهُ
لَا يُخِيفُهُ الظَّلَامْ…
وَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ صِدْقًا
يَبْقَى حَيًّا…
حَتَّى وَإِنْ مَاتَتِ الحِكَ
ايَاتْ…
ثُمَّ سَكَتَتْ شَهْرَزادُ…
وَأَطْفَأَتْ شَمْعَةَ اللَّيْلْ…
وَقَالَتْ بِهَمْسٍ أَخِير:
مَنْ ضَاعَ فِي الحُبِّ…
وَجَدَ اللهَ فِي الطَّرِيق.
مصطفى عبدالعزيز
بنغازي