ذوارق النَّجاة
***************
ثَمَّةَ أرواحٌ نَقِيَّةْ..
تأتي كفجرٍ خائفٍ يخشى ارتباكاتِ المَدَى
تَنسابُ في صَمتِ المَساءِ زَوارقاً نُورِيَّةْ
تَذوبُ في صَخبِ العُبابِ العَاتِي
لكنَّها سِرُّ الوُجُودِ..
وَثَبَاتُ هذا الكَوْنِ لولا نُبلها..
لَسَقَطَ سَقفُ بِيُوتِنا وَانفَطَرَ في الرُّوح الصَّدَى
هِيَ هكذا..
تَأتي وَتَحمِلُ في الأَكُفِّ أَمَانَنَا
وَتَصُدُّ عَنَّا المِعوَلَا..
قَبلَ الغُبَارِ وَقَبلَ أَن يَمَسَّ الشَّقَاءُ جِدَارَنَا
******************************
أَرتقِي نَحو المَدَى خَطواً فَخَطوَا
أَلْمَسُ الصَّفوَ الطَّهُور
فَتَمُدُّ لِي كَفّاً مِنَ الغَيم النَّدِيِّ..
وَتَمْسَحُ الوَجَعَ المرير
وَإِذَا استَبَدَّ العَاصِفُ المَجنُونُ في قَلبي
وَأَطبَقَ عَتمَةً فَوقَ المَسِيرْ..
هَمَسَت لِروحي في نَقَاءِ لُغَاتِهَا
لَستِ امرَأَةً وَحِيدَة..
نَحْنُ السَّلَامُ و بَرُّكِ المَأمُولُ
والرُّوحُ الجَدِيدَة
*********************
مَا أَبلَغَ الصَّمتَ الحَنُون
يَطوي بِجَوْفِهِ أَلْفَ مَعنىً لَا يُقَال
تِلكَ الزَّوَارِقُ تَعرفُ المَخبوءَ فِيَّ..
تَعرِفُنِي أَكثرَ مِنْ ظُنُونِي وَالخَيَال
كَأَنَّهَا خُلِقَت لِتَمنحَنِي اليَقِينَ لِكَي أرَى
أَنَّ النَّجَاةَ لَيسَت بِأَن أدرِي إِلَى أَيْنَ المَسَار..
بَل أَن أعِيشَ بِمَن مَعِي..
حِينَ المَنَافِي تَسْتَدِيرُّ وَ تَلتَقِي كُلُّ الطُّرُقْ
مَن ذَا الذِي يَبقَى مَعِي..
حِينَ الزِّحَامُ يَسِيلُ فِي هَذَا الشَّفَق
***************************
وَإِذَا ارتَطَمتُ بِقَسوَةِ الدُّنيا..
تَأَلَّمَت تِلكَ الزَّوَارِقُ لِي وَهَزَّتهَا الجِرَاح
لَكِنَّهَا لَا تَنحَنِي لِعَوَاصِفٍ أَوْ تَستَكِين
تَكسِرُ حِدَّةَ الضَّرَبَاتِ بَأسَاً..
تُعِيدُ تَدوير الأَنِين
و تُعِيدُ تَدوِيرَ المَخَاوِفِ في دَمِي..
لِيَصِيرَ خَوفِي جَدوَلَاً مِن نُور
وَأَمَانَاً كَالنَّهَار
وَتَقُولُ لِي فِي وَقَارٍ ثَابِتٍ
المَوتُ يَخشَى أَنْ يَمَسَّ الرُّوحَ..
إن عَرفَت كَيفَ تَستَنِدُ إِلَى الرِّقَّةِ
وَتَحفَظُ لِلأَحِبَّةِ كُلَّ سِر
الرِّقَّةُ الكُبرى هِيَ الحِصنُ الأَخِير
************************
الرِّيحُ تَعوِي في المَدَى..
وَالمَوجُ يَسْمُو كَالجِبَالِ مِنَ النَّدَم
لَكِنَّ هَذِي الفُلْكَ تَرفُضُ أَنْ تَهُونَ وَأَن تَكِل
تَتَأَرجَحُ العَبَرَاتُ فِيهَا.. لِتُعَلِّمَ الصَّبرَ الجَمِيل
كَيفَ أَمشِي فَوقَ طُوفَانِ الحَيَاةِ بِلَا وَجَل
وَأَفتَحُ العَينَينِ فِي صَخَبِ الدُّنَا.. وَأَنَا أَعِي
أَنَّ هُنَالِكَ مَن سَيَحمِلُنِي وَيَمسَحُ أَدمُعِي..
إِن خَذَلَتني خُطوَتِي أَو أَتعَبَ الرِّحلَاتِ.. قَدَم
************************
وَفِي نِهَايَاتِ الطَّرِيق..
حِينَ يَسكُنُ هَذَا البَحر وَيَسمَعُ زَفرَتِي
أَدرَكْتُ فَلسَفَةَ النَّجَاةِ العَظِيمَة
مَا كَانَتِ النَّجَاةُ يَوْمَاً خُطَّةً لِلعبُورْ..
كَانَت فقط بَشَرَاً نَقِيَّاً..
نَجِدُ الطَّمَأْنِينَةَ فِي جِوَارِهِم
بَشَرَاً يُمسِكُونَ بِخُيُوطِ العُمرِ
وَيَهَبُونَنَا مَسَاحَةً لِلحلمِ.. وَالبَقَاء
بِكُلِّ رِقَّةٍ وَبِكُلِّ بَأْسٍ شَدِيد
عَلَّمَتني تِلكَ الزَّوَارِقُ أَنَّ أَعظَمَ مَا يَكُون..
أَنْ تَجِدِ فِي العَالَمِ مَنْ يَفهَمُك..
وَيَقِفُ كَالطَّودِ العَظِيمِ بِجَانِبِك..
حِينَ العَوَالِمُ كُلُّهَا.. تَأْبَى أَن تَفعل
بقلم :حنان أحمد الصادق الجوهري