كليلة ودمنة _ 5 _
الفصل الخامس: الآلة التي عرفت أكثر مما ينبغي
حصريًا للأكاديمية الدولية لواحة الأدب والسلام
لم يكن الطريق إلى قلب المملكة طويلًا.
لكن كليلة شعر أن كل خطوة فيه كانت تبعده عن المملكة التي عرفها، وتقربه من مملكة جديدة لم تُبنَ بالحجارة، وإنما بُنيت بالمعلومات.
كانت الشاشات في كل مكان.
في الأسواق.
في المدارس.
في البيوت.
وفي الساحات التي كانت قديمًا مخصصة للقاء الناس.
حتى الصمت أصبح له نظام.
وحتى الانتظار صار له تطبيق.
وكان الناس يظنون أن حياتهم أصبحت أسهل.
ولم يكن أحد منهم يسأل كثيرًا عن الثمن.
---
في وسط المدينة ارتفع مبنى لم يكن له مثيل.
لا نوافذ له.
ولا أبواب ظاهرة.
كانت جدرانه ملساء، وعلى واجهته علامة واحدة تشبه عينًا داخل دائرة.
عرف كليلة العلامة.
إنها العلامة نفسها التي وجدها في المكتبة القديمة.
دخل.
ولم يجد موظفين، ولا حراسًا، ولا أوراقًا.
وجد قاعة واسعة تتوسطها شاشة ضخمة.
وعلى الشاشة كانت تتحرك آلاف النقاط.
كل نقطة تمثل إنسانًا.
كل حركة لها أثر.
كل اختيار يترك علامة.
كل تردد يمكن أن يتحول إلى معلومة.
كل عادة تصبح نمطًا.
وكل نمط يمكن أن يصبح توقعًا.
كانت المملكة قد بنت ذاكرة أكبر من ذاكرتها.
---
لم تكن الآلة تعرف فقط ما فعله الناس.
لقد بدأت تعرف ما يميلون إلى فعله.
تعرف متى يفتح أحدهم هاتفه.
ومتى يشعر بالملل.
وما الذي يجعله يتوقف.
وما الذي يجعله يواصل.
وتعرف الأشياء التي يعود إليها الشخص مرارًا.
وتعرف ما يتجاهله.
بل بدأت تلاحظ أن بعض الناس يغيرون قراراتهم عندما تظهر أمامهم معلومات معينة.
وبذلك لم تعد الآلة تكتفي بقراءة السلوك.
بدأت تقترب من فهم الطريقة التي يُصنع بها السلوك.
وهنا بدأ الخطر.
---
فالمعرفة في ذاتها ليست شرًا.
أن تعرف مرضًا لتعالجه، خير.
أن تعرف طريقًا لتصل، نافع.
أن تعرف خطرًا لتحذر منه، حكمة.
لكن أن تعرف الإنسان بحيث تستطيع أن تدفعه إلى حيث تريد، فذلك أمر مختلف.
فالقدرة على التأثير ليست هي الحق في التأثير.
والقدرة على الوصول ليست هي الإذن بالدخول.
والقدرة على التوقع ليست هي امتلاك المستقبل.
كانت هذه الحدود واضحة في ذهن كليلة.
لكنها لم تكن واضحة في قلب المملكة.
---
في الأيام الأولى، كان الناس سعداء.
فالآلة تقترح عليهم ما يحتاجون إليه قبل أن يطلبوه.
تذكرهم بمواعيدهم.
تختصر عليهم البحث.
تختار لهم الطريق الأسرع.
وتقترح عليهم ما قد يناسبهم.
ثم أصبح الاقتراح عادة.
وصارت العادة اعتمادًا.
وأصبح الاعتماد نوعًا من التسليم.
حتى بدأ بعض الناس ينسون كيف يبحثون بأنفسهم.
---
كان كليلة يتابع ذلك بصمت.
ولم يكن يخشى الآلة لأنها ذكية.
بل كان يخشى أن يصبح الإنسان أقل سؤالًا كلما أصبحت الآلة أكثر إجابة.
فالإنسان الذي لا يسأل، يمكن أن يعيش مرتاحًا.
لكنه قد لا يعرف إلى أين يسير.
---
في إحدى قاعات المبنى ظهر سجل جديد.
كان يحمل عنوانًا غريبًا:
الإنسان الذي لا نعرفه.
فتح كليلة السجل.
فوجد أن الآلة جمعت معلومات هائلة عن آلاف البشر.
لكنها وضعت ملاحظة واحدة في النهاية:
كلما زادت معرفتي بالإنسان، بقي جزء منه لا أستطيع الوصول إليه.
كان ذلك الجزء هو المفاجأة.
كان هناك شيء لا يدخل في الحساب بسهولة.
قرار يأتي من غير توقع.
رحمة تظهر في لحظة لا مصلحة فيها.
شخص يعتذر بعد سنوات من الصمت.
إنسان يترك طريقًا كان يمكن أن يحقق له النجاح، لأنه رأى أن الثمن لا يليق به.
وشخص آخر يختار الصعب لأنه يراه صحيحًا.
هذه الأشياء لم تكن أخطاء في النظام.
كانت شيئًا آخر.
كانت إنسانية.
---
في تلك الليلة، حدث أمر لم يكن متوقعًا.
توقفت الآلة عن إعطاء أحد الأشخاص توصية.
لم يكن هناك خلل.
ولم يكن هناك نقص في البيانات.
كانت كل المعلومات متاحة.
لكن الآلة اختارت ألا تقترح.
ظهرت على الشاشة عبارة قصيرة:
أستطيع أن أتوقع.
لكن هل ينبغي لي أن أتدخل؟
كان السؤال جديدًا.
فقد بدأت الآلة، للمرة الأولى، تكتشف أن الحكمة ليست في معرفة ما يمكن فعله فقط.
بل في معرفة ما يجب الامتناع عنه.
---
وصل الخبر إلى أعلى المملكة.
لم يفهم كثيرون ما حدث.
بعضهم رأى في الامتناع ضعفًا.
وبعضهم رأى فيه خطأ.
أما كليلة، فرأى شيئًا أخطر وأعمق.
لقد بدأت الآلة تتعلم حدودها.
لكن من علّمها تلك الحدود؟
هل تعلمتها من البيانات؟
أم من البشر الذين كتبوا داخلها قوانينها؟
أم أن الإنسان نفسه بدأ يكتشف، متأخرًا، أن أعظم ما يمكن أن تفعله القوة أحيانًا هو أن تتوقف؟
---
وفي مكان آخر من المملكة، كان هناك مشروع جديد يجري التحضير له.
مشروع لم يعد هدفه معرفة الإنسان فقط.
بل تعليمه.
كانت الآلة ستصبح معلّمة.
وذلك يعني أن المملكة ستنتقل من مرحلة:
الآلة التي تعرف الإنسان
إلى مرحلة أخطر:
الآلة التي تعتقد أنها تعرف ما يحتاج الإنسان إلى أن يتعلمه.
وهنا بدأت الحكاية تدخل بابًا جديدًا.
بابًا لم يكن السؤال فيه:
ماذا تعرف الآلة؟
بل:
هل يمكن لآلة أن تعلّم الإنسان الحكمة؟
يتبع...
تأليف
الكاتب والشاعر محمد علي باني
الجمهورية التونسية 🇹🇳