"ظلال لا ترحل”
طاهر عرابي
دريسدن – كُتبت في 10.03.2025 | نُقّحت في 12.06.2026
⸻
يا وردًا يختبئ في حلكة الليل،
ويا عبثًا يشتبك مع تمرّدي كلما ضاق بي الطريق،
دعوني أتذكّر صلاة القمر في المعبد،
حين يختفي تاركًا صباحًا يتمدّد،
وأنا أبحث عن مخرجٍ من هذا المولِد.
نحن غرباء في هذا الكون،
نقتات من رذاذ اللسان وقت الصراخ الفارغ،
ثم نغفو جياعًا عند آخر حدود الفناء.
نصنع يقينًا من غضب،
ونطليه ببهجة المهزوم من ثقل النهار.
نخترق نجمًا نراه عفيفًا وساكنًا،
كأننا نشاركه إخفاء الذات —
وما ذاك إلا شغفٌ بالكبرياء.
منذ زمن سقراط ونحن نتحوّل،
نبحث عن الفضيلة في مواكب الغوغاء
الذاهبة إلى قاعات المؤتمرات.
نبرّر للثعلب قتل الدجاجة،
ونحارب الآفات بكيمياء العلم،
بسعادة المجهر وهو يراقب موت البراغيث.
القتل مسيرة نتقاسمها عبر الأجيال:
هذا يقتل جوعًا، وذاك طمعًا.
كلُّ حروبنا جرائم،
إلا حربًا واحدة كانت مبرّرة:
الحرب بين الروح والجسد
حين نعجز عن فهم الجمال.
متى ننتصر لسقراط؟
لقد شرب السمّ وهو يحاور الناس،
حتى قال له السمّ:
«سأمحيك، وأدخل معك التاريخ، وننجو منهم.»
لن ننتصر لسقراط،
إما لأننا مغفّلون،
أو لأنه كان مشاكسًا ونزقًا،
قادوه إلى القتل،
وكان الموت خيارًا أحبّته لنا الأخلاق.
فمات سقراط، وعاشت الأخلاق،
تؤرّق ضمائرنا بطعناتٍ ولعنات.
ما أشقانا حين ندرك معنى العبث،
وجمال البريء قبل حلول الضجر.
كنتُ أحلم بتجميع الفؤوس والسيوف،
لأصهرها وأصنع منها تمثالًا لآخر بطلٍ مات
ملدوغًا من أفعى،
لأني أخجل من الرمح وقرقعة الغزاة.
«إياك أن تقتلني لأني أتمرد،
ولن أقتلك لأنك تحب الحوار.
إن بيني وبينك سقراط،
الذي هزم الشجاعة ليغرق في ظلال الأبد.»
هرمتُ ببطءٍ شديد،
وأحسست أني أمضي مع عُشر ما تبقّى من القوّة
التي دفعتني للتنقّل بين عوالم النهوض والسقوط،
تسكن أطرافي، ومنها اللسان.
صار الشكّ أقرب إلى مناجاة رخيصة.
أحبّ التكهّن لأفرّ من العقاب أو المديح،
وأعترف أن كلّ العطور التي شممتها
تتبدّد ولا تترك أثرًا.
كلّ الورود التي رأيتها
تذبل، ثم تهوي لحافًا للزمن
الداخل في عنق المزهرية.
كلّ الهواء الذي تنفّسته
يخرج متعبًا، ويدخل دون اكتراثٍ بوجودي.
أجرّه معي تحت اللحاف وفوق الرصيف،
وأتركه في فنجان القهوة كي أحيا،
ولم أقل له يومًا:
«تمتّع بي وأنت في داخلي،
واحمل معك حين تغادر صدري
شيئًا من القلق والشكوك والهفوات.»
أنا كائنٌ بشري ينتمي لكيانٍ يتنفّس،
ولولاه لكنتُ خشبًا.
حتى الصبر الذي استخدمته كان كاذبًا،
يمهلني كي أتجوّل في الظنون،
وأبتسم لخيالٍ لن يصبر على بلاهتي.
لماذا نفرح في يومٍ نُرهقه بما نطلب،
ونحن خارج معادلة القرارات؟
غرباءُ ملهوفون،
نلهث الشفقة من لون الجلد.
ابقَ حنطيًا، أو ورديًا، أو أبيضَ يسرّ عيني،
فقد هُجرنا عن الحرص على الجمال قسرًا،
أو تركناه كرهًا في مجاملة الغوغائيين،
أو نسيناه نكرانًا لفضيلته،
لنكون — ولأول مرة — كيفما نكون،
غرباء بلا أيّ حنين.
هل يكفينا أن نتطلّع إلى الجذور وهي تستقي
لننتمي لصباحٍ أخضر؟
أصبحنا منافقين دون أن نشعر،
ضبابًا بشريًا
خاليًا من ماءٍ نعطيه لشجرٍ يكبر.
لكن القسوة تكمن في من يُنكر.
لا نُنكر، ولن نُنكر.
والعمر يُصنع من مرايا محاطة بالورد.
هل ننظر؟
صورُنا أمامنا،
تمزج ضوء النهار برقّة شموع المساء.
وخائن القيم أعمى،
ونحن ندرك معنى أن نكون
بين لذّة الصدق وأمانة الوفاء.
حتى لو تغرّبت القارات،
وغادرت البحار شواطئها،
وتركت الحيتان عظمها،
واكتست بجلدٍ يشبه ألوان الخريف،
سنبقى، لأننا خُلقنا لنبقى،
ولنا ظلالٌ لا ترحل
في كلّ ثواني العمر.
ومنذ آلاف الأجيال كنّا عبرة،
وأصبحنا ثورة،
نقول ونكتب:
«سنبقى نطفو على الحقيقة،
ونسمي اليقين معجزة.»
دريسدن- طاهر عرابي