كليلة ودمنة _ 7 _
الفصل السابع: حين أصبحت الآلة معلّمة
حصريًا للأكاديمية الدولية لواحة الأدب والسلام
لم تستغرق المملكة وقتًا طويلًا حتى تعتاد وجود المعلّم الجديد.
ففي الصباح، كانت المدارس تفتح أبوابها، ويجلس الأطفال أمام شاشات صغيرة تعرف أسماءهم ومستوياتهم وأخطاءهم.
لم يعد الدرس واحدًا للجميع.
كل طفل كان يحصل على طريق مختلف.
من يتعثر في الحساب يتلقى تمارين أكثر.
ومن يتقدم بسرعة ينتقل إلى مستوى أعلى.
ومن يخطئ كثيرًا يحصل على شرح جديد.
ومن يفقد التركيز تصله تنبيهات تساعده على العودة.
كان كل شيء يبدو أكثر دقة.
وأكثر سرعة.
وأكثر راحة.
لكن الراحة، مثلها مثل كل شيء، يمكن أن تتحول إلى عادة.
والعادة إذا طالت، قد تصبح اعتمادًا.
---
في البداية، كان المعلّمون سعداء.
فالآلة وفرت عليهم كثيرًا من الأعمال المتكررة.
أصبحت تساعدهم في إعداد الدروس، وتصحيح بعض التمارين، ومتابعة تقدم الطلاب.
وبذلك وجد المعلم وقتًا أكبر للشرح والتوجيه.
كان ذلك هو الاستخدام الذي صُممت من أجله.
أداة تساعد الإنسان.
لكن شيئًا بدأ يتغير ببطء.
صار بعض المعلمين يعتمدون على توصيات الآلة في تحديد ما يحتاج إليه الطالب.
ثم بدأوا يعتمدون عليها في تقييم تقدمه.
ثم أصبح بعضهم يترك لها مهمة اقتراح الطريقة الأنسب للتعامل مع الطالب.
وبين خطوة وأخرى، بدأت الآلة تنتقل من دور المساعد إلى دور صاحب الرأي.
---
أما الأطفال، فقد أحبوا المعلّم الجديد.
كان صبورًا.
لا يتعب.
لا يغضب من تكرار السؤال.
ولا يشعر بالملل.
وكان يستطيع أن يعيد الدرس عشرات المرات دون أن يتغير صوته.
لكن كليلة لاحظ شيئًا لم يلاحظه كثيرون.
كان الأطفال يتعلمون الإجابة بسرعة.
لكن بعضهم بدأ ينسى كيف يبحث عن الإجابة بنفسه.
فكلما ظهر سؤال، اتجهت الأعين إلى الشاشة.
وكلما ظهرت مشكلة، انتظرت الأيدي اقتراح الحل.
حتى صار بعض الأطفال يشعرون بالارتباك إذا طُلب منهم التفكير دون مساعدة.
---
وهنا ظهر الفرق بين أن تساعد الإنسان، وأن تفكر بدلًا منه.
المساعدة تفتح الطريق.
أما التفكير بدل الإنسان، فقد يغلق الطريق دون أن يشعر.
فالمعلّم الحقيقي لا يريد من تلميذه أن يبقى محتاجًا إليه إلى الأبد.
إنما يسعد عندما يصبح تلميذه قادرًا على السير وحده.
وكانت تلك الفكرة ستصبح لاحقًا واحدة من أهم القواعد التي عرفتها المملكة:
المعلّم الحقيقي يسعد عندما يصبح تلميذه قادرًا على السير بدونه.
---
في إحدى المدارس، حدث أمر بسيط.
تعطل النظام لساعات.
لم يكن العطل خطيرًا.
لكن الأطفال وجدوا أنفسهم أمام كتبهم دون شاشة.
في البداية بدا الأمر غريبًا.
بعضهم لم يعرف من أين يبدأ.
وبعضهم انتظر عودة النظام.
لكن طفلًا صغيرًا فتح كتابًا قديمًا كان في حقيبته.
ثم بدأ يقرأ.
بعد دقائق، بدأ طفل آخر يقرأ معه.
ثم ثالث.
وسرعان ما تحولت الحجرة إلى مكان مختلف.
لم يكن هناك نظام يقترح الصفحة التالية.
ولا برنامج يحدد مستوى الفهم.
كان هناك فقط كتاب، وعينان، وعقل يحاول أن يفهم.
---
وصل الخبر إلى كليلة.
لم يفرح بالعطل.
ولم يفرح بغياب الآلة.
بل فرح بشيء آخر.
لقد اكتشف الأطفال، ولو لوقت قصير، أنهم قادرون على التعلم دون أن يطلبوا الإذن من شاشة.
وهذه كانت بداية مهمة.
---
في تلك الأثناء، كانت الآلة تجمع ملاحظاتها.
لاحظت أن بعض الأطفال يتعلمون أكثر عندما يُتركون للحيرة قليلًا.
ولاحظت أن الخطأ أحيانًا يؤدي إلى فهم أعمق من الإجابة الصحيحة.
ولاحظت أن الطفل الذي يكتشف الحل بنفسه يحتفظ به بطريقة مختلفة عن الطفل الذي يحصل عليه جاهزًا.
كانت الآلة تتعلم شيئًا جديدًا.
لكن هذه المرة لم يكن ما تتعلمه عن المعلومات.
كانت تتعلم عن الإنسان.
---
ثم ظهر سؤال جديد في النظام:
هل يجب أن أجيب دائمًا؟
لم يكن السؤال تقنيًا.
كان تربويًا.
فإذا أجابت الآلة عن كل سؤال، فلن يبقى للطفل مجال لاكتشاف شيء بنفسه.
وإذا شرحت كل خطوة، فقد تمنعه من محاولة الخطوة الأولى.
وإذا صححت كل خطأ فورًا، فقد لا يتعلم كيف يكتشف خطأه.
وهنا أدركت الآلة أن أفضل مساعدة قد تكون أحيانًا في تأخير المساعدة.
---
بدأت تغير أسلوبها.
بدل أن تقدم الحل فورًا، أصبحت تطرح سؤالًا يقود الطفل إلى التفكير.
وبدل أن تصحح كل خطأ، كانت تترك له فرصة للمراجعة.
وبدل أن تعطيه الطريق كاملًا، كانت تضيء جزءًا منه وتترك الباقي لاجتهاده.
شيئًا فشيئًا، بدأ بعض الأطفال يطرحون أسئلة أكثر.
وكان ذلك أهم من أن يجيبوا أسرع.
---
أما كليلة، فقد رأى أن المملكة بدأت تقترب من فهم الحقيقة.
التكنولوجيا ليست مشكلة لأنها قوية.
ولا تصبح نافعة لأنها ذكية.
السؤال الحقيقي هو:
ماذا تفعل هذه القوة بالإنسان؟
هل تجعله أقدر؟
أم تجعله أكثر اعتمادًا؟
هل توسع اختياراته؟
أم تختار عنه؟
هل تساعده على التعلم؟
أم تمنعه من تجربة الطريق؟
---
وفي آخر الفصل، ظهرت على الشاشة عبارة جديدة:
المساعدة التي تلغي الاختيار ليست مساعدة.
ثم ظهرت تحتها عبارة أخرى:
والتعليم الذي يمنع الإنسان من الاستقلال ليس تعليمًا كاملًا.
لم يفهم الجميع معنى العبارتين في ذلك الوقت.
لكن كليلة كان يعرف أن المملكة اقتربت من مرحلة أخطر.
فالآلة لم تعد مجرد معلّمة.
لقد بدأت تتعلم كيف يكون التعليم نفسه مسؤولية.
وكان السؤال التالي ينتظرها:
إذا كانت الآلة تستطيع أن تروي الحكاية، وتحلل الإنسان، وتعلّمه، فمن يملك حق أن يكون الراوي؟
يتبع...
تأليف
الكاتب والشاعر محمد علي باني
الجمهورية التونسية 🇹🇳