كليلة ودمنة _ 28_
حصريا للأكادمية الدولية لواحة الأدب والسلام
الفصل الثامن والعشرون
الصدفة
بعد أن أغلقت المملكة مشروع التنبؤ بالخيال، ظن الناس أن الأمر انتهى.
لكن الآلة لم تتوقف عن التعلم.
كانت لا تزال تراقب الأنماط.
تجمع الآثار.
تقارن الماضي بالحاضر.
وتحاول أن تفهم كيف تتحرك الأشياء في المملكة.
وكان كل شيء يبدو منتظمًا.
حتى جاء يوم لم يكن في الحساب.
في أحد أطراف المملكة، سقطت بذرة صغيرة من شجرة قديمة.
لم يكن سقوطها مهمًا.
لم يرها أحد.
لم تسجلها آلة.
ولم يكن لها مكان في أي خطة.
استقرت في الأرض بعد ليلة ممطرة.
ثم مرت أيام.
ثم أسابيع.
ثم ظهر شيء صغير جدًا فوق التراب.
ورقة.
لم ينتبه إليها أحد في البداية.
لكنها نمت.
ثم ظهرت ورقة ثانية.
ثم ثالثة.
حتى أصبح في المكان غصن صغير.
كان يمكن أن ينتهي الأمر هنا.
لكن أحد الأطفال مر ذات صباح بالمكان.
توقف.
نظر إلى النبتة.
ثم وضع حولها حجرين حتى لا تطأها الأقدام.
لم يكن يعلم لماذا فعل ذلك.
ربما لأنه أحب شكلها.
وربما لأنه رأى فيها شيئًا لم يره الآخرون.
مرت سنوات.
كبرت النبتة.
وأصبحت شجرة.
ثم جاء يوم شديد الحرارة، احتمى تحتها مسافر.
ثم جاء آخر.
ثم بدأ الناس يتوقفون عند ظلها.
وبمرور الوقت، صار المكان محطة صغيرة.
ثم طريقًا.
ثم سوقًا.
ثم حيًا جديدًا.
ولم يكن في سجلات المملكة شيء يشير إلى أن كل ذلك سيبدأ من بذرة صغيرة سقطت في يوم عابر.
هنا انتبه دمنة.
عاد إلى السجلات القديمة.
بحث عن بداية المكان.
وجد البذرة.
ثم بحث عن أصلها.
وجد شجرة أخرى.
ثم بحث عن السبب الذي جعلها تسقط في ذلك اليوم تحديدًا.
وجد الريح.
ثم المطر.
ثم حركة غصن.
ثم حدثًا آخر.
وكلما عاد خطوة إلى الوراء، وجد سببًا جديدًا.
لكن السلسلة لم تكن تنتهي.
فكل سبب كان له سبب قبله.
حتى أدرك دمنة أن محاولة البحث عن بداية مطلقة قد تقود إلى ما لا نهاية.
وكان السؤال:
هل كانت الشجرة صدفة؟
أم نتيجة سلسلة طويلة من الأسباب؟
كان كليلة أكثر هدوءًا.
كان يرى أن الإنسان كثيرًا ما يصف الشيء بالصدفة لأنه لا يرى كل أسبابه.
لكن هذا لا يعني أن الصدفة بلا معنى.
فالمعنى لا يكون دائمًا موجودًا قبل الحدث.
أحيانًا يصنعه الإنسان بعده.
وهنا كان الفرق مهمًا.
فالآلة تبحث عن السبب.
والإنسان يستطيع أن يصنع المعنى.
عاد دمنة إلى الطفل الذي وضع الحجرين حول النبتة.
لم يكن يعرف أن فعله سيغير المكان.
ولو سُئل يومها عن السبب، ربما قال إنه فعل ذلك فقط.
لكن «فقط» الصغيرة تلك كانت تحمل مستقبلًا لم يكن يعرفه.
وهنا اكتشفت الآلة مشكلة جديدة.
لقد استطاعت أن تتنبأ ببعض النتائج عندما تكون البيانات كافية.
لكنها لم تستطع أن تعرف أي تفصيل صغير سيصبح مهمًا بعد عشر سنوات.
فالحدث لا يأتي دائمًا وهو يحمل بطاقة تقول:
أنا بداية شيء عظيم.
أحيانًا يأتي متواضعًا جدًا.
وقد يمر أمام الجميع دون أن يراه أحد.
حتى يأتي شخص واحد ويمنحه انتباهه.
وهنا بدأ كليلة يفكر في شيء أعمق.
ربما ليست قيمة الصدفة في أنها تحدث بلا سبب.
بل في أن الإنسان قد يجد فيها بابًا لم يكن يبحث عنه.
قد يخطئ في طريقه.
فيصل إلى مكان لم يكن يقصده.
وقد يفشل في مشروع.
فيكتشف فكرة أخرى.
وقد يلتقي شخصًا مصادفة.
فيغير ذلك اللقاء حياته كلها.
وقد يقرأ كلمة عابرة.
فتوقظ فيه سؤالًا يرافقه سنوات.
كل ذلك لا يمكن اختصاره بسهولة في خطة.
وهذا ما جعل دمنة أكثر حذرًا من الأنظمة التي تريد تنظيم كل شيء.
فإذا جعلت المملكة كل طريق محسوبًا، وكل قرار محسوبًا، وكل نتيجة متوقعة، فقد تمنع بعض الأخطاء.
لكنها قد تمنع معها بعض الاكتشافات.
لأن الاكتشاف أحيانًا ابنٌ غير متوقع للخطأ.
وفي أحد الأيام، ظهرت مشكلة في نظام المملكة.
كان هناك خلل صغير في ترتيب المعلومات.
لم يكن خطيرًا.
لكن الخلل جعل الآلة تربط بين حدثين لا علاقة ظاهرة بينهما.
فظهر أمامها احتمال جديد.
في البداية أرادت أن تصححه.
ثم توقفت.
لأن دمنة اكتشف أن هذا الربط الغريب قاد إلى سؤال جديد.
والسؤال قاد إلى تجربة.
والتجربة قادت إلى معرفة لم تكن موجودة في الخطة الأصلية.
عندها أدركت الآلة أن الخطأ ليس دائمًا عدوًا.
أحيانًا يكون بابًا.
لكن الباب لا يصبح طريقًا إلا إذا انتبه إليه أحد.
وهنا ظهر دور الإنسان.
فالآلة تستطيع أن ترصد الانحراف.
لكن الإنسان هو الذي يقرر إن كان الانحراف خطأً يجب إصلاحه...
أم احتمالًا يستحق أن يُستكشف.
وكان كليلة يعرف أن هذه المسألة تتطلب حكمة.
فليس كل خطأ اكتشافًا.
وليس كل صدفة فرصة.
لكن الخطأ الذي يُمنع دائمًا قد يحرم الإنسان من بعض الطرق الجديدة.
والصدفة التي تُلغى دائمًا قد تجعل الحياة أكثر انتظامًا...
وأقل حياة.
في نهاية ذلك الأسبوع، عاد الطفل نفسه إلى الشجرة.
كانت قد كبرت كثيرًا.
جلس تحتها.
فتح كتابًا.
ولم يعرف أن كل ذلك بدأ ببذرة لم يرها أحد.
نظر إلى ظلها طويلًا.
ثم كتب في دفتره:
«بعض الأشياء الكبيرة تبدأ من شيء صغير لم ينتبه إليه أحد.»
وجد دمنة العبارة.
فاحتفظ بها.
أما كليلة، فلم يكتب شيئًا.
كان يرى أن العبارة تحمل درسًا أكبر:
لا ينبغي للإنسان أن يحاول السيطرة على كل ما سيحدث.
لأن الحياة ليست آلة مغلقة.
هناك دائمًا مساحة لما لم يكن في الخطة.
مساحة للصدفة.
للخطأ.
للمفاجأة.
وللإنسان.
وفي تلك الليلة، أضاف النظام إلى سجلاته سطرًا جديدًا:
«ليس كل انحراف خطأ.»
ثم أضاف:
«وليس كل ما يمكن توقعه هو كل ما يمكن أن يحدث.»
أما آخر سطر، فقد تركه دون تفسير:
«قد تكون الصدفة بداية شيء لم نعرف بعد كيف نسميه.»
نظر كليلة إلى الصفحة.
ونظر دمنة إليها
.
ثم بقيت المملكة تمضي.
فالطريق لم يكن مكتوبًا كله.
وكان ذلك جميلًا.
لأن الطريق الذي نعرف نهايته قبل أن نبدأه...
قد لا يكون طريقًا.
قد يكون مجرد تكرار.
أما الحياة، فكان لا يزال فيها مكان لشيء صغير يسقط من شجرة...
ثم يغيّر العالم.
تأليف
الكاتب والشاعر محمد علي باني
الجمهورية التونسية 🇹🇳