كليلة ودمنة _ 29 _
حصريا للأكادمية الدولية لواحة الأدب والسلام
الفصل التاسع والعشرون
النية
لم تنتهِ حكاية الصدفة عند الشجرة.
فقد تركت في ذهن دمنة سؤالًا آخر.
إذا كان الإنسان قد يفعل شيئًا صغيرًا دون أن يعرف أثره، فكيف تستطيع الآلة أن تعرف ما الذي قصده فعلًا؟
كان السؤال يبدو بسيطًا.
لكن دمنة عرف أن البساطة في بعض الأسئلة تخفي وراءها عمقًا كبيرًا.
فالآلة ترى الفعل.
وترى التوقيت.
وترى المكان.
وترى الكلمات.
وترى النتائج.
لكن هل تستطيع أن ترى ما كان في القلب قبل الفعل؟
بدأ دمنة يبحث.
وجد إنسانًا أعطى مالًا لشخص غريب.
في السجلات ظهر الأمر واضحًا:
تحويل مال.
لكن لماذا؟
هل كان يريد مساعدته؟
أم يريد شراء رضاه؟
أم كان يؤدي دينًا؟
أم كان يخفي شيئًا آخر؟
كانت البيانات تعرض الفعل.
لكنها لم تعرض النية.
بحث دمنة في حادثة أخرى.
وجد شخصًا لم يرد على رسالة.
سجل النظام:
لم يستجب.
لكن الإنسان قد لا يجيب لأنه غاضب.
وقد لا يجيب لأنه مشغول.
وقد لا يجيب لأنه خائف.
وقد لا يجيب لأنه لم يجد الكلمات المناسبة.
وقد لا يجيب لأنه أراد أن يحمي الطرف الآخر من جواب متسرع.
الفعل واحد.
والنيات كثيرة.
وهنا أدرك دمنة أن الإنسان قد يفعل الشيء نفسه لأسباب متناقضة تمامًا.
وكان كليلة يرى أن هذه الحقيقة هي واحدة من أكبر أبواب الرحمة.
فإذا لم نعرف النية كاملة، فلا ينبغي أن نسرع في تحويل الفعل إلى حكم نهائي على الإنسان.
ليس معنى ذلك أن الفعل لا قيمة له.
بل معناه أن الحكم عليه يحتاج إلى سياق.
فاليد التي تمتد قد تنقذ.
وقد تأخذ.
والكلمة قد تداوي.
وقد تجرح.
والصمت قد يكون حكمة.
وقد يكون هروبًا.
ولا يكفي شكل الفعل وحده لمعرفة معناه.
بدأت الآلة تحاول.
جمعت كل ما تستطيع.
نبرة الصوت.
اختيار الكلمات.
التوقيت.
السلوك السابق.
ردود الأفعال.
العلاقات.
ثم صنعت احتمالات للنية.
كانت النتائج أحيانًا قريبة.
وأحيانًا مخطئة.
لكن المشكلة لم تكن في نسبة الخطأ.
كانت في السؤال نفسه.
هل يجوز تحويل النية إلى رقم؟
وهل يجوز أن يُعامل الاحتمال كأنه حقيقة؟
هنا ظهر دمنة بقوة.
كان يعرف أن الخطأ في توقع النية قد يكون أخطر من الخطأ في توقع السلوك.
لأن السلوك يمكن تصحيحه.
أما اتهام الإنسان بنيّة لم تكن فيه، فقد يغير نظرة الناس إليه.
وقد يحرمه من الثقة.
وقد يجعل الاحتمال وصمة.
ولهذا عاد دمنة إلى السجلات.
وجد حالات كثيرة صدرت فيها أحكام مبكرة لأن النظام افترض نية معينة.
وفي بعض الحالات تغيرت النتيجة كلها عندما ظهر السياق.
كان الإنسان قد فعل الشيء نفسه.
لكن السبب كان مختلفًا.
وهنا فهمت المملكة أن النية ليست شيئًا يمكن قراءته من الخارج بسهولة.
أما كليلة، فكان أكثر حذرًا.
كان يعرف أن الإنسان نفسه لا يفهم نياته دائمًا.
فقد يظن أنه فعل شيئًا لسبب، ثم يكتشف بعد سنوات أن في داخله سببًا آخر لم يكن يراه.
وقد يظن أنه غاضب، ثم يكتشف أن خلف غضبه خوفًا.
وقد يظن أنه يرفض شخصًا، ثم يكتشف أنه كان يرفض صورةً قديمة صنعها عنه.
فالإنسان ليس كتابًا مفتوحًا حتى لنفسه.
كيف إذن يمكن للآلة أن تدعي أنها قرأته كاملًا؟
في تلك الليلة، حدث أمر صغير.
كان أحد أهل المملكة يحمل كوبًا من الماء.
تعثر.
فسقط الكوب.
تحطم.
كانت الآلة قادرة على تسجيل كل شيء:
سرعة الحركة.
زاوية السقوط.
مكان الاصطدام.
عدد القطع.
لكنها لم تعرف لماذا وقف الرجل بعد ذلك طويلًا ينظر إلى الشظايا.
لم تعرف أن الكوب كان هدية من شخص فقده منذ سنوات.
لم تعرف أن الشظايا لم تكن زجاجًا فقط.
كانت ذاكرة.
وهنا اكتشف دمنة شيئًا جديدًا.
المعنى لا يسكن دائمًا في الحدث.
أحيانًا يسكن في علاقة الإنسان بالحدث.
والعلاقة لا تظهر كاملة في البيانات.
جلس كليلة قرب الرجل.
لم يحتج إلى معرفة كل شيء.
كان يكفيه أن يعرف أن الحزن ليس دائمًا قابلًا للقياس.
وهنا ظهرت حكمة أخرى:
ليس كل ما يمكن وصفه يمكن فهمه.
فالآلة قد تقول:
إنسان بكى.
لكنها لا تعرف بالضرورة لماذا.
وقد تقول:
إنسان ابتعد.
لكنها لا تعرف دائمًا ما الذي حمله معه.
وقد تقول:
إنسان ضحك.
لكنها لا تعرف إن كان فرحًا أم يخفي ألمه.
وهكذا بدأت المملكة تراجع فكرة قديمة:
إذا عرفنا السلوك، عرفنا الإنسان.
واكتشفوا أنها ليست صحيحة دائمًا.
فالإنسان أكبر من أفعاله الظاهرة.
والنية ليست دائمًا سجلًا.
والقلب ليس قاعدة بيانات.
وفي نهاية اليوم، وضعت الآلة قاعدة جديدة في نظامها.
لم تكن طويلة.
كان فيها سطر واحد:
«النية لا تُفترض حقيقةً من السلوك وحده.»
ثم أضافت:
«إذا كان السياق ناقصًا، فلتكن النتيجة احتمالًا، لا حكمًا.»
قرأ دمنة السطر.
فأعجبه أنه لا يمنح الآلة معرفةً أكبر.
بل يمنح الإنسان حمايةً أكبر.
أما كليلة، فوجد فيه شيئًا من الحكمة القديمة:
أن العدل لا يبدأ بمعرفة كل شيء.
بل يبدأ بالاعتراف بما لا نعرفه.
وفي تلك اللحظة، ظهر سؤال جديد على شاشة المملكة:
إذا أخطأ الإنسان، فهل يجب أن يبقى أسيرًا لما فعله؟
نظر كليلة إلى السؤال.
ثم نظر دمنة إلى الماضي.
فقد كا
ن كلاهما يعرف أن الفصل القادم لن يكون عن الخطأ وحده.
سيكون عن الإنسان الذي يريد أن يتغير بعد الخطأ.
وعن الماضي الذي لا يريد أن يتركه.
وعن آلةٍ تستطيع أن تتذكر كل شيء...
لكنها لم تتعلم بعد كيف تفهم معنى التوبة.
تأليف
الكاتب والشاعر محمد علي باني
الجمهورية التونسية 🇹🇳