الجمهورية المؤجّلة
–الفصل الثامن عشر: الوطن الذي اعتدنا غيابه.
أخطر ما تفعله الحروب الطويلة
ليس أنها تدمر ما كان موجودًا،
بل أنها تجعل الناس ينسون
أن شيئًا آخر كان ممكنًا أصلًا.
في البداية،
يُصدم الناس من الانقطاع:
انقطاع الكهرباء،
انقطاع الرواتب،
انقطاع القانون،
انقطاع الدولة.
ثم تمر السنوات،
ويحدث ما هو أشد فتكًا من الصدمة:
**الاعتياد**.
يصبح الاستثناء قاعدة،
والمؤقت دائمًا،
والخلل نظامًا كاملاً للحياة.
عندها لا تموت الجمهورية على الأرض فقط،
تموت أولًا في الخيال.
فالإنسان لا يعيش بما يراه فحسب،
بل بما يعتقد أنه يستحق أن يراه.
وحين تنخفض سقوف التوقعات شيئًا فشيئًا،
يتحول الحق إلى أمنية،
والأمنية إلى رفاهية،
ثم تختفي من اللغة أصلًا.
يبدأ الناس يطالبون بدولة عادلة،
ثم بدولة موجودة،
ثم بخدمة واحدة تعمل،
ثم بألا تسوء الأمور أكثر.
وفي النهاية،
يتقلص الحلم الكبير
إلى أمنية صغيرة:
أن يمرّ اليوم بسلام.
هنا تحقق الحرب أعظم انتصاراتها:
ليس حين تكسب معركة،
ولا حين تسيطر على مدينة،
بل حين تنجح في إعادة تعريف الممكن.
حين تجعل الناس يعتقدون
أن ما يعيشونه
هو الحد الأعلى مما يمكن الوصول إليه.
لكن التاريخ يشهد على عكس ذلك.
كل نظام ظُن أنه أبدي انتهى.
وكل واقع بدا مستحيل التغيير تغيّر.
وكل جيل اعتقد أنه وُلد داخل قدر لا يُكسر،
اكتشف لاحقًا أن القدر كان مجرد مرحلة.
المشكلة ليست أن اليمنيين فقدوا الجمهورية،
المشكلة أن بعضهم بدأ يفقد القدرة
على تخيلها.
المعركة الأعمق اليوم
ليست على الأرض،
ولا على السلطة،
ولا على الثروة.
بل على الخيال نفسه.
على قدرتنا أن نتصور وطنًا مختلفًا
قبل أن نبنيه.
فالجمهورية التي تأخرت طويلًا
قد لا تولد في قاعة توقيع،
ولا في يوم تصمت فيه البنادق.
بل تولد في اللحظة التي يقرر فيها الناس،
بعد كل هذا الخراب،
أنهم يستحقون أكثر مما اعتادوا عليه.
عندها فقط،
لا تكون الجمهورية قد عادت.
بل تكون قد **وُلدت** للمرة الأولى.
-------
#الأثوري_محمد_عبدالمجيد... يوليو 2026
#الجمهورية_المؤجلة
#اليمن
#الوطن_الذي_أعتدنا_غيابه
#كتابات
#أدب_السياسة_والفكر
#غيروا_هذا_النظام
#معركة_الخيال
#الوعي_الجمهوري