النَّاجِي المَدْفُون
عَلَى الرَّفِّ القَدِيمِ، كَانَتِ القَهْوَةُ تَبْرُدُ بِبُطْءٍ، وَكَأَنَّهَا تُخْفِي خَلْفَهَا حِكَايَاتٍ لَمْ يَقُلْهَا أَحَدٌ. بِبُطْءٍ شَدِيدٍ تَتَمَازَجُ جُزَيْئَاتُهَا رَاقِصَةً، لِتَتَآلَفَ فِي النِّهَايَةِ وَتَحُطَّ مِنْ حَيَائِهَا عَلَى أَرْضِيَّةٍ سَوْدَاءَ، مُكَبِّلَةً بَعْضُهَا بَعْضاً، تُدْفَنُ بِهُدُوءٍ فِي زُجَاجِ الكَأْسِ الشَّفَّافِ، وَأَنَا أُرَاقِبُهَا بِصَمْتٍ.
حَبَّاتُ قَرَنْفُلٍ سَوْدَاءُ تَطْفُو عَلَى وَجْهِهَا، تُعِيرُ مَاءَهَا المُرَّ لِيَلْعَبَ مَعَ القَهْوَةِ الَّتِي لَطَالَمَا تَظَاهَرَتْ بِالصَّفَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغُشَّهَا الرَّمَادُ؛ فَالْكُلُّ فِي هَذَا العَالَمِ يُتْقِنُ الغِشَّ بِطَرِيقَتِهِ . طَعْمُهَا مُرٌّ كَالِحٌ، وَكَأَنَّ العَالَمَ حَشَرَ مَرَارَتَهُ فِي حَلْقِي الصَّغِيرِ! أَرْتَشِفُهَا لِتُهَادِنَ عَقْلِي التَّائِهَ، الرَّاكِضَ فِي مَيَادِينِ الصُّرَاخِ، تَرْجُوهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ وَيَعِيَ مَا أَصَابَهُ.
قَدَمَايَ مَغْرُوسَتَانِ فِي طِينِ الحَقِيقَةِ. وُجُوهٌ نَابِضَةٌ بِالجَمَالِ أَعْلُوهَا، تُحَدِّثُنِي مِنَ الأَسْفَلِ عَنْ بَرْدِ الشِّتَاءِ، تُزِيلُ حَبَّاتِ التُّرَابِ عَنْ أَكْفَانِهَا؛ مَلَائِكَةٌ نِيَامٌ مَرْصُوفُونَ بِأَنَاقَةٍ، يَتَقَدَّمُهُمْ طِفْلٌ صَغِيرٌ لَمْ يَجِدْ مُتَّسَعاً فِي بَرْزَخِ أَهْلِهِ فَدُفِنَ عِنْدَ أَقْدَامِهِمْ.
مَا زَالَتْ أَيْدِينَا تُمْسِكُ بِبَعْضِهَا البَعْضِ.
يَقُولُونَ لِي مِنْ لَحْدِهِمْ: "لَدَيْنَا فَرَاغٌ، فَالتُّخُومُ هُنَا كَوْنٌ يَتَّسِعُ".
لَكِنَّ القُضَاةَ وَالمُحَكِّمِينَ، وَمَنْ أَسْفَلَ مِنْهُمُ الوُزَرَاءَ، يَضْرِبُونَ مَطَارِقَهُمْ رَفْضاً لِبَقَائِي.
كُلَّمَا حَشَرْتُ نَفْسِي بَيْنَهُمْ أَهْلَكَنِي انْتِزَاعُ الأَحْيَاءِ.
عِنْدَمَا رَأَوْا شِدَّةَ قِتَالِي حَشَرُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَجْسَادِهِمُ النَّاعِمَةِ لِيَفْسَحُوا لِي سَبْعِينَ ذِرَاعاً لَعَلَّ القَدَرَ يَقْبَلُ بَقَائِي بَيْنَهُمْ، يَرْقُبُونَ بِأَهْدَابٍ مُرْتَعِشَةٍ انْتِصَارِي. لَكِنْ مَا زَالَتِ الأَقْدَارُ هُنَا صَارِمَةً؛ لَا تُقْبَلُ إِلَّا بِانْحِشَارِ الأَمْوَاتِ. أُحَاوِلُ أَنْ أُقْنِعَهُمْ أَنِّي مَيِّتٌ، حَتَّى إِنِّي طَلَبْتُ شَهَادَةَ مَنْ مَاتَ، يَقُومُ الأَمْوَاتُ مِنْ مَضَاجِعِهِمْ مُتَرَاصِّينَ صُفُوفاً بِلَا نِهَايَةٍ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ مَوْتِي. لَكِنَّ أَحْيَاءَنَا وُلِدُوا بِلَا آذَانٍ، يَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى رُؤُوسِهِمْ يَهُزُّونَهَا بِالبُكَاءِ.
عِنْدَ انْتِزَاعِي آخِرَ مَرَّةٍ أَيْقَنْتُ القَرَارَ.
سَلَّمْتُ عَلَى طُهْرِ النُّفُوسِ.
تَوَسَّعَتْ حَدَقَاتُهُمْ بِالبُكَاءِ مُتَشَبِّثِينَ بِي.
مَا زَالَتْ قَبَضَاتُهُمْ مُعَلَّقَةً فِي قَلْبِي؛ حَاوَلُوا سَحْبِي لِأَبْقَى مَعَهُمْ، مَزَّقُوا مَلَابِسِي وَلَكِنْ لَا فَائِدَةَ..
مَا زِلْتُ أَسْمَعُ صُرَاخَهُمْ بِاسْمِي يَهُزُّ التُّرَابَ.
سَلَّمْتُ عَلَى الأَجْسَادِ الغَائِبَةِ، نَثَرْتُ حَوْلَهُمُ الحُبَّ.
انْتَزَعُونِي هُنَا مِنْ رَحِمِ الحَيَاةِ وَأَبْقَوْنِي مَعَهُمْ فِي الجَحِيمِ.
تَصْرَخُ عَيْنِي غَضَباً وَتَسْأَلُهُمْ بِصَمْتِي:
كَيْفَ يُصَبُّ الإِسْمِنْتُ مَخْلُوطاً بِحَبَّاتِ البَرَدِ، مَغْشِيّاً بِالرَّحْمَةِ وَمَطْلِيّاً بِخُبْثِ البَشَرِ
بَيْنَمَا الأَجْسَادُ المُسَجَاةُ تُنَادِينِي؟
يَصُبُّونَ وَكَأَنَّهُمْ سَيَهْرُبُونَ مِنْ مَوْتِهِمُ الطَّاهِرِ! تُحَاوِلُ قَدَمِي الانْغِرَاسَ أَكْثَرَ، أُحَاوِلُ أَنْ أَحْفِرَ لَهُمْ فَتْحَةً يَتَنَفَّسُونَ مِنْهَا هَذَا العَالَمَ القَذِرَ، أَوْ سَآتِي لِلِاطْمِئْنَانِ عَلَيْهِمْ مِنْ كَوَّتِهَا.
يَرَانِي الجَمْعُ فَيَرْفَعُونَنِي بِالأَكْفَانِ، أُحْمَلُ عَلَى الأَعْنَاقِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَدْفِنُونِي، بَلْ دُفِنْتُ وَأَنَا حَيٌّ فِي طَيِّ النِّسْيَانِ. أَرْفَعُ يَدِي لِتَتَكَلَّمَ، فَقَدْ حَرَّمْتُ عَلَى لِسَانِي النُّطْقَ. أَنْظُرُ وَهُمْ يُغْلِقُونَ مَلَاذِي نَحْوهُمْ، أُغْمِضُ عَيْنَيَّ؛ فَهَذَا آخِرُ مَا تَبَقَّى لِي مِنْهُمْ
وَمَا زَالَتْ مَرَارَةُ القَهْوَةِ تَكْوِي قَلْبِي.
جَلَسْتُ مَعَ قَهْوَتِي مُنْفَرِداً أُحَادِثُهَا، فَتَمَلَّقَتْنِي يَدٌ قَذِرَةٌ تَحْمِلُ الدِّمَاءَ.
أَبْصَرْتُ وَجْهاً مُجَعَّداً كُلَّمَا لَاحَ لِي قَالَ "عَزَائِي"، تَمَلَّكَنِي الغَضَبُ فَلَمْ أَلْتَفِتْ، وَتَحَايَلَ عَلَيَّ جَسَدِي يَرُشُّنِي سَكِينَةً.
نَزَلْتُ بِبَصَرِي أَقْرَأُ أَسْمَاءَ الأَمْوَاتِ مَوْسُومَةً عَلَى يَدِهِ؛ سَبْعَةُ أَسْمَاءٍ.
"رَفَضْتُ الصَّفْحَ" وَ"رَفَضْتُ الصُّلْحَ" فَرَفَضَتْنِي العَائِلَةُ.
يُزَمْجِرُونَ حَوْلِي مُلْتَفِّينَ بِلِحَاهُمْ يَكْنِسُونَ بِهَا الشَّارِعَ، يَبْصُقُونَ بِالكَلِمَاتِ:
"قَضَاءٌ وَقَدَرٌ"
"أَمْرٌ مَكْتُوبٌ"
"حَادِثُ سَيْرٍ"
أَمْسَيْتُ أَقُولُ: "لَا، لَيْسَ قَضَاءً وَقَدَراً".
تَتَهَافَتُ الكُفُوفُ عَلَى وَجْنَتِي بِلَا أَلَمٍ أُحِسُّهُ، يَبْدُو أَنَّ الأَلَمَ قَدْ مَاتَ.
يَأْخُذُونَهُ بِالأَحْضَانِ وَالتَّرْحِيبِ وَيَصُبُّونَ لَهُ القَهْوَةَ، وَهُوَ يُلَوِّحُ لِي بِإِصْبَعِهِ شَاكِياً مِنِّي.. بَاكِياً قَسْوَةَ قَلْبِي!
وَمَا زَالَتْ مَرَارَةُ القَهْوَةِ تَكْوِي قَلْبِي.
أَفَقْتُ فِي مَنْزِلِي البَارِدِ؛ كُلُّهُمْ حَوْلِي لَكِنْ لَا أَحَدَ عِنْدِي!
تَسَاءَلْتُ: هَلْ دُفِنْتُ حَقّاً أَمْ أَنَا أَتَنَفَّسُ رِئَةَ الحَيَاةِ؟
مَا زِلْتُ هُنَاكَ مُعَلَّقاً، عَادُوا بِالتَّوَابِيتِ وَلَكِنِّي لَمْ أَعُدْ.. قَدْ عُدْتُ بِجَسَدِي، لَكِنْ لَمْ أَعُدْ أَنَا.
مَا زِلْتُ هُنَاكَ أَنْظُرُ مِنَ الكَوَّةِ لِتِلْكَ الأَجْسَادِ المَرْصُوفَةِ..
وَمَا زَالَتْ مَرَارَةُ القَهْوَةِ تَكْوِي قَلْبِي.
بقلمي
دعاء حمودة 🖊