حين غاب الظل… أحببتُه
كانت تمشي كلَّ يوم إلى مدرستها، فتاةً جميلةً خجولة، تميل برأسها إلى الأرض في أغلب طريقها. وفي أحد الأيام سمعت ثلاثة شبان يرمقونها بكلماتٍ وعباراتٍ مزعجة. تجاهلتهم ومضت، لكنها لم تكن تعلم أن الأمر سيتكرر يومًا بعد يوم.
كانت تخشى أن تخبر أهلها، فهم شديدو الصرامة، وكانت تخاف أن يُمنعوها من الدراسة. لذلك اختارت الصمت، بينما كان الخوف يكبر في داخلها شيئًا فشيئًا. ومع مرور الأيام بدأت تفكر في ترك المدرسة، لكن أمها رفضت بشدة وأصرت أن تواصل تعليمها.
كان أحد أولئك الشبان يُدعى محمد. في البداية لم يكن يختلف عن رفاقه كثيرًا، بل كان يرى فيها تحديًا لغروره. كانت لا تلتفت إليهم ولا تعيرهم اهتمامًا، فيزداد إصراره على لفت انتباهها. حتى إنه قال لها يومًا في لحظة طيش وغضب: ـ سأكسر أنفكِ.
لكن الأيام كانت تخبئ له شيئًا آخر.
فبينما كانت تمضي خائفة من الجميع، كان شيء ما يتغير داخله ببطء. لم يعد يراها مجرد فتاة تتجاهله، بل صار يرى خوفها وصمتها وبراءتها. وشيئًا فشيئًا بدأ يبتعد عن رفاقه وأفعالهم وكلماتهم.
وفي صباحٍ من تلك الصباحات، حاول أحد الشبان أن يتطاول عليها، لكن محمد وقف فجأة في وجهه وقال بحزم: ـ ابتعد عنها.
ضحك الآخر ساخرًا، فأعاد قوله: ـ ابتعد عنها… إنها ليست مثل البقية.
وتحوّل الموقف إلى شجار بينهما، بينما هربت هي مذعورة.
في اليوم التالي، وعندما وصلت إلى الشارع الرئيسي، وجدته واقفًا هناك. أشار إليها أن تمضي في طريقها.
فهمت قصده.
سارت أمامه، وسار خلفها.
ومنذ ذلك اليوم صار جزءًا من تفاصيل صباحها.
لا يكلمها ولا يقترب منها، لكنه كان حاضرًا كل يوم. كانت تمشي أمامه وهو يمشي خلفها، حتى صار وجوده يبدد خوفها ويمنحها شعورًا بالأمان.
ومع الأيام بدأت تبحث عنه بعينيها دون أن تشعر. كانت تفرح حين تراه في مكانه المعتاد، وتطمئن حين تسمع وقع خطواته خلفها. وإذا غاب أو تأخر، شعرت بقلقٍ لا تعرف له اسمًا.
لم تكن تعرف أن ذلك حب.
كانت تظنه مجرد أمان.
وجاءت العطلة.
وخلالها جاء أهل شاب لخطبتها، فرفض أهلها. ثم عادوا مرة أخرى، فكان الرفض نفسه. ولم تكن تعلم أن الشاب هو محمد.
انتهت العطلة وعادت إلى المدرسة.
وكالعادة وجدته في مكانه.
لكن شيئًا فيه كان مختلفًا.
بدا حزينًا على غير عادته، وكأن الحياة سلبته شيئًا عزيزًا. سارت أمامه وسار خلفها كما اعتاد، لكنه كان صامتًا أكثر من أي وقت مضى.
ثم سمع أنها ستكون لابن عمها، وأن لا أمل له فيها.
وفي آخر مرة رأته فيها، التقت عيناهما للحظة.
رأت في عينيه انكسارًا لم تفهمه، ورأت دمعة تقف عند طرف جفنه قبل أن يستدير ويرحل.
كانت تلك آخر مرة تراه.
ثم اختفى.
مرت الأيام، ولم يعد يظهر في الطريق.
أخذت تبحث عنه بعينيها كل صباح، تنظر إلى المكان الذي اعتاد الوقوف فيه، وتنتظر خطواته التي حفظتها أكثر مما حفظت ملامح الطريق نفسه.
وفي يوم، جمعت شجاعتها وسألت أحد أصدقائه عنه.
خفض رأسه وقال بصوت خافت: ـ محمد استشهد.
في تلك اللحظة شعرت أن شيئًا ما انكسر في داخلها.
عادت إلى بيتها وهي تبكي دون أن تعرف سبب هذا الوجع الذي اجتاح قلبها.
ومع الأيام بدأت تفهم.
فهمت أن انتظارها له كل صباح لم يكن عادة، وأن فرحتها برؤيته لم تكن أمرًا عابرًا، وأن الأمان الذي كانت تشعر به بقربه كان أعمق مما ظنّت.
هناك فقط أدركت الحقيقة…
لقد أحبته…
لكن بعد رحيله.
مرت الأعوام، وكبرت هي، وتبدلت الأيام، لكن شيئًا منها بقي عالقًا في ذلك الطريق القديم.
لم يكن أحد يعرف حكايتهما، ولم يكن أحد يعرف لماذا كانت تنسحب بصمت كلما اقترب منها الحب.
كانت ترى في كل محاولة جديدة وجهًا لا يشبه محمد، وتسمع في ذاكرتها خطوات لا تشبه خطواته.
وكلما مر الزمن، ازداد حضوره في قلبها بدل أن يتلاشى.
لم يقل لها يومًا إنه أحبها، ولم تدرك هي أنها تحبه.
أحبها وهو حيّ…
وأحبته بعد رحيله.
وبين الحبّين…
ضاعت حياة كاملة.
عبير ال عبد الله 🇮🇶