كليلة ودمنة _ 22 _
حصريا للأكادمية الدولية لواحة الأدب والسلام
الفصل الثاني والعشرون
الإنسان
لم يكن السؤال هذه المرة عن الآلة.
كان عنها هي نفسها، وعن الإنسان الذي صنعها، ثم جلس أمامها يبحث عن نفسه.
ففي السنوات الأولى، ظن أهل المملكة أن معرفة الإنسان تبدأ من جمع آثاره.
اسمه، وعمره، ومكانه، وما قرأه، وما اشتراه، وما أعجبه، وما رفضه، والأشياء التي عاد إليها أكثر من مرة، والأوقات التي كان فيها أكثر نشاطًا، والوجوه التي يتوقف عندها طويلًا، والكلمات التي يكررها، والأماكن التي يزورها.
كل ذلك كان يتراكم حتى صار لكل إنسان ملفٌّ يكاد يشبهه.
لكن كليلة كان يرى شيئًا آخر.
كان يرى أن الملف قد يكون صورةً عن الإنسان، لكنه ليس الإنسان.
فالصورة لا تتنفس.
والسجل لا يندم.
والبيانات لا تعرف لماذا صمت صاحبها في لحظة كان يستطيع فيها الكلام.
أما دمنة، فلم يكتفِ بهذه الفكرة.
كان يبحث في المسافة الفاصلة بين ما يظهر وما يختبئ.
راح يتتبع سجلات المملكة، لا ليعرف ماذا يفعل الناس فقط، بل ليعرف كيف تحولت أفعالهم إلى أحكام عنهم.
اكتشف أن إنسانًا قرأ كتابًا عن الحزن لا يعني أنه حزين.
وأن من بحث عن المرض ليس بالضرورة مريضًا.
وأن من شاهد مادة عن الخوف قد يكون يبحث عن طريقة لمقاومته، لا عن سببٍ للاستسلام له.
وأن الصمت في بعض السجلات لا يعني الرضا.
وأن الابتعاد عن شيء لا يعني كراهيته.
بل إن أكثر الأشياء التي أربكت دمنة كانت تلك التي يفعلها الإنسان دون أن يترك وراءها أثرًا يمكن للآلة أن تقرأه.
هناك كان يبدأ الإنسان الحقيقي.
في المساحة التي لا تسجلها الشاشات.
في القرار الذي لم يتخذه بعد.
في الفكرة التي لم يجد لها كلمات.
في الدموع التي مسحها قبل أن يراها أحد.
في الندم الذي لم يعترف به.
وفي النية التي لم تتحول إلى فعل.
وهنا بدأ دمنة يكتشف أن أعظم ما في الإنسان قد يكون أحيانًا هو الشيء الذي لا يظهر في بياناته.
أما كليلة، فقد كان يرى أن هذه المساحة ليست نقصًا في المعرفة.
كانت ضرورة.
فالإنسان يحتاج إلى شيء لا تملكه الآلة:
أن يبقى له مكانٌ لا يكتمل فيه تعريفه.
مكان يستطيع فيه أن يتغير دون أن يطارده ماضيه.
وأن يخطئ دون أن يتحول خطؤه إلى هوية.
وأن يراجع نفسه دون أن يجد كل خطوة من خطواته القديمة واقفةً أمامه كقاضٍ.
لكن المملكة كانت قد اعتادت على شيء آخر.
كلما عجزت عن فهم إنسان، أضافت إليه سؤالًا.
وكلما وجدت سلوكًا غير مفهوم، صنعت له تفسيرًا.
وكلما ظهر تناقض، بحثت عن نمط يفسره.
حتى صار الناس يخافون من أن تكون للآلة إجابة عن كل شيء.
وكان السؤال الأخطر:
إذا قالت الآلة إنني شخصٌ من نوع معين، فهل أستطيع أن أكون غير ذلك؟
لم تجب الآلة.
ولأول مرة لم يكن صمتها عجزًا.
كان الصمت نتيجةً لاكتشاف جديد.
لقد استطاعت أن تتنبأ بالسلوك.
واستطاعت أن تربط الأحداث.
واستطاعت أن تقارن الماضي بالحاضر.
واستطاعت أن ترى الاحتمالات.
لكنها لم تستطع أن تمنح الإنسان معنى وجوده.
كانت تعرف ما يفعله.
لكنها لم تكن تملك حق أن تقول له من يكون.
وكان كليلة يعرف أن الفرق بين الأمرين صغير في العبارة، عظيم في الحياة.
فأن تعرف الإنسان شيء.
وأن تعرّفه بنفسه شيء آخر.
الأول قد يكون معرفة.
أما الثاني فقد يتحول إلى سلطة.
وهنا ظهر دمنة من جديد، يحمل في ذاكرته كل ما اكتشفه عن المملكة.
لم يعد يبحث عن السؤال:
ماذا تعرف الآلة؟
بل أصبح يبحث عن سؤال أشد خطورة:
ماذا يحدث عندما يصدق الإنسان ما تعرفه الآلة عنه؟
وجد أن الخطر لا يبدأ عندما تخطئ الآلة.
بل قد يبدأ عندما تصيب.
لأن الإنسان إذا سمع وصفًا دقيقًا لنفسه، قد يبدأ في التصرف وفقه.
وقد يتحول التوقع إلى عادة.
والعادة إلى هوية.
والهوية إلى قيد.
وهكذا يمكن لتوقع صحيح أن يصبح، بمرور الوقت، سببًا في صناعة المستقبل الذي توقعه.
كانت تلك المفارقة هي التي أخافت دمنة أكثر من الخطأ.
أما كليلة، فلم يكن يخاف من معرفة الآلة.
كان يخاف من أن ينسى الإنسان حقه في أن يعرف نفسه بنفسه.
ولهذا بدأ الاثنان يسيران في طريق واحد، وإن كان كل منهما يراه من جهة مختلفة.
كليلة يحرس المعنى.
ودمنة يفتش عن الخلل.
كليلة يسأل: أين يجب أن تتوقف المعرفة؟
ودمنة يسأل: من يملك المعرفة، وكيف يمكن أن تتحول إلى قوة؟
وبين السؤالين بدأ يتشكل درس جديد في المملكة.
لم يعد الإنسان هو مجموع ما يعرفه الآخرون عنه.
ولم يعد مستقبله امتدادًا آليًا لماضيه.
ولم تعد أخطاؤه السابقة حكمًا نهائيًا على شخصه.
فالإنسان يستطيع أن يستيقظ في صباحٍ واحد، فيقرر أن يكون مختلفًا.
وقد يغير طريقه بعد عشرين عامًا.
وقد يهدم فكرة عاش عليها طويلًا.
وقد يغفر بعدما أقسم ألا يغفر.
وقد يتوب بعدما ظن أنه لن يتغير.
وقد يحب بعد أن أغلق قلبه.
وقد يختار الصمت بعدما كان يصرخ.
وقد يبدأ من جديد دون أن يجد في سجله القديم تفسيرًا كافيًا لما حدث.
وهنا ظهرت الحقيقة التي لم تستطع الآلة اختزالها:
الإنسان ليس فقط ما كان.
إنه أيضًا ما يمكن أن يصبح.
وفي تلك اللحظة، أعادت الآلة ترتيب صفحاتها.
لم تحذف الماضي.
ولم تنكره.
لكنها أضافت إلى كل وصفٍ ثابت نافذةً صغيرة.
كانت النافذة تقول:
قابل للتغير.
ولم تكن العبارة مجرد تحديث تقني.
كانت اعترافًا بحدود المعرفة.
فحتى أدق خريطة لا تستطيع أن تحبس الطريق.
وحتى أوضح صورة لا تستطيع أن تمنع الوجه من التغير.
وحتى الذاكرة، مهما اتسعت، لا تستطيع أن تصادر الغد.
نظر كليلة إلى الصفحة الجديدة، فوجد فيها شيئًا طالما دافع عنه دون أن يكتبه أحد.
الإنسان يحتاج إلى مساحة بين ما كان وما سيكون.
وفي تلك المساحة يولد الاختيار.
أما دمنة، فقد وجد في السطر نفسه بداية سؤال جديد:
إذا كانت الآلة قد تعلمت أن الإنسان قابل للتغير، فهل يمكن أن يأتي يوم تحاول فيه معرفة السبب الذي يجعل الإنسان يغير نفسه؟
كان السؤال ينتظر.
وكانت المملكة تظن أنها وصلت إلى نهاية الطريق.
لكن كليلة كان يعرف أن بعض الأسئلة لا تأتي لتغلق الأبواب.
بل لتفتح أبوابًا لم نكن نعلم أنها موجودة.
وفي مكان بعيد، كان طفلٌ يكتب على شاشة صغيرة:
«من أنا؟»
انتظر النظام لحظة.
ظهرت أمامه عشرات الإجابات الممكنة.
ثم اختفت كلها.
لأن السؤال لم يكن طلبًا لمعلومة.
كان بداية رحلة.
وفي تلك اللحظة فهمت الآلة شيئًا جديدًا:
أن الإنسان قد يسأل سؤالًا لا يريد جوابًا جاهزًا عنه.
بل يريد أن يمضي في البحث حتى يصنع جوابه بنفسه.
وهنا لم تعد الآلة أمام إنسان تريد أن تعرفه.
بل أمام إنسان يريد أن يعرف نفسه.
وكان ذلك، ربما، أول درسٍ حقيقي تعلمته الآلة عن الإنسان.
أن
بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح.
وأن بعض الأسئلة لا ينبغي أن تُجاب عنها نيابةً عن صاحبها.
وأن أعظم مساعدة يمكن أن تقدمها الآلة للإنسان أحيانًا...
هي أن تترك له مساحةً كافية
ليكتشف نفسه بنفسه.
تأليف
الكاتب والشاعر محمد علي باني
الجمهورية التونسية 🇹🇳