الأحد، 5 أبريل 2026

حقوق الطفل الفلسطيني بقلم الراقي بهائي راغب شراب

 بمناسبة يوم الطفل الفلسطيني 

النثرية الغنائية:

حقوق الطفل الفلسطيني

بهائي راغب شراب


إهــداء

إلى الطفل الفلسطيني الشاهد والشهيد، بمناسبة يوم الطفل الفلسطيني الموافق الخامس من أبريل (نيسان) من كل عام.

..


فصل المقدمة

..

دعوني ..

أطرد الأعداءَ من وطني

أُخْلِص له وأفديه.

دعوني..

أعيد بناء بيتي

أسكنه وأحييه.

دعوني ..

أعود إلى حقلي

أزرعه وأرويه.

دعوني ..

أعود إلى مدرستي

أنهل العلم منها

أطوره وأفشيه.

دعوني أصلي في الجامع

أذكر الله.. أحمده وأدعوه.

دعوني أستيقظ باكراً

أغترف من وجه أمي ابتسامتها..

ودعوتها وقبلتها،

وبعضا من رغيف الخبز الذي تصنع.

دعوني قليلا دون مراقبة،

دون ملاحقة،

دون محاسبة،

ودون تهمة ملفقة..

تزجني في سجن الغيب

والمدفع .

دعوني ..

بين الحلم والتعب 

ربما ..

ربما أقر إلى بعضي 

وأهدأ .

*

هذا هو حقي ..

ما تقولون عن حقي ..؟

أليس كل ذلك من حقي ..؟

*

في إعلانكم الدُوَلِي

قُلْتُم وأكدتم ..

من حقيَّ أنا الطفل

النوم في بيتي .

من حقي أنا الطفل

الاسم والوطن .

ومن حقي العيش ..

حُرّ النفْسِ والبَدَنِ ..

ومن حقي أنا الطفل ..

ومن حقي ..

*

من حقي العيش مع إخواني ومع أمي

وأن يعود أبي سالماً ..

من القتل ..

من الأَسْرِ ..

من الذُلِّ ..

مُعَافىً إلى الدار 

آخِرَ اليوم ..

يضم أحْضَانَه إلى حضني .

ومن حقي العيش

أبيَّ الروح والبلد .

عالي الهام

مُحَرَرَاً من القيد ..

*

ولقد قلتم وأكدتم

من حقي أن أبني الجسم

من حقي أن أبني العقل

وأن أُعَبِر عَمَّا يجول في فكري ..

وأن أحلم ..

بعيداً عن كوابيس الليل التي تداهمني

لتسلبني براءة الضحكة ،

لتحرمني طهارة الفكرة ..

ومن حقي ..

أن أنتمي إلى شعبي .

*

أنا الطفل الفلسطيني

كغيري من الأطفال في الكون

من حقي أن أنمو وأن أكبر ..

ومن حقي أن آَمَنَ على نفسي .

أنا الطفل الفلسطيني

كمثل الأطفال في الدوَلِ

من حقي أن أصرخ

وأن أَضْرِب

وأَنْ أَعْدوا على المسرح .

وأَنَّ الورْدَ رائحتي ..

ودينيَّ الإسلام في نفسي ..؟

لوني ..

ولون الناس والأرض ..

*

ومن حقي أن أنعم ببيئة مُثْلَى

حدائقاً غنّاءً

تزهو بالعصافير 

وبألحان حسوني الأصفر.

وأن أمشي على بساطٍ

من مُخْمَلٍ أخضر .

*

ومن حقي أن أختار أصحابي

وأقود خلاّني في الحارة

وفي الملعب .

وأن أرتاح بعد الجهد 

وأن أتعب .

ومن حقي أن أبكي وأن أضحك ..

وأن أضحك ..

وأن أضحك ..

*

أنا الطفل الفلسطيني ..

ولمّا رفعت جاهراً صوتي ،

ولمّا رميت قاصداً بالحجر

رأس حرامي المستقبل .

ولمّا قاومت الليل

وقاتلت مغتصب الحق والوطن ..

تآزرتم ..

تدافعتم ..

و تواليتم ..؟

لا .. لتحموني من لُجَّةِ الألم 

لا .. لترفعوني من حُفْرَةِ الوَهَنِ 

لا .. لتضربوا سجَّان مُعْتَقَلي

لا .. لتعيدوا حقي المُنْتَهَبِ

ولكنكم وجهتم لي القول مُخْتَصَراً :

أنت لَمْ تزل طفلاً ..؟

قرّ إلى مَهْدِك

عش سِنِي لهوك

وعُدْ إلى بيتك .

إلى حالك الأولى 

إلى خوفك .

إلى منفاك في أرضك ..

فمن حقك أن تحيا

ومن حقك أن تلعب

ومن حقك أن تعالج

وأن تتعلم 

وأن تعلم

ومن حقك .. ومن حقك ..

ولكن ..

وآه من لكن ..

ليس من حقك 

أن تقرب من الأخوة الثلاثة ..

السياسة والرياسة والتياسة ..

لا تقربهم يا ابن الثلاثة وبالثلاثة

يا ابن البطالة والعمالة

يا ابن التسرب من الدراسة 

ويا ابن العلل الثلاثة .. 

لا وطن ..

لا شعب ..

لا حق .. ..؟

*

أنا الطفل الفلسطيني

عندما أغضب لداري المهدومة

أُتْهَم بأنني أمارس السياسة .

وعندما أطلب أن يكون لي وطن

أتهم بأنني أمارس السياسة .

وعندما أحلم بالحقل وبالزرع ،

بالماء وبالخبز ..

أتهم بأنني أمارس السياسة .

وعندما أمارس الصلاة ومناسك العبادة

أتهم بأنني أمارس السياسة .

وعندما أثور وأقاوم الاحتلال ..

أتهم بأنني أمارس السياسة ..

ويطلبون مني ألا أمارس السياسة

ويخيرونني ..

التياسة أو 

الثلاثة ..

*

في عرفهم ..

الخيمة تؤويني

وهي تكفيني

للنوم وللرعب .

في عُرْفِهِم ..

الاسمُ يَكْفيني

وهو يُغْنيني

عن جِنْسِيّتي وعن قَوْمِي .

وفي عُرْفِهِم إذا لَمْ أقبل شروطهم ..

فأنا رافض ..

لقوانين الرجولة

متمرد على منظمة الطفولة 

أرفض التمدد والانكماش

لا تهمني الحرارة ولا البرودة .

وأظل صلبا وسط السيولة .

*

الكرامة تحتويني ..

ومناظر الجند القاتلين من خلف حصونهم

تغوي قلبي بالحماسة ..

لأقاوم .. 

لأخرج من حصة الحقوق المكرسة 

لتزييف الحقائق .

أقاوم الجند الكامنين على الطريق

ولا أساوم ..

على حقي في الدفاع والقتال والجهاد

وفي حمل السلاح ورمي الحجارة

والبحث عن الشهادة .

ولا أساوم ..

طفل بلا وطن هو ..

أرض بلا سماء

بلا نجوم بلا أحلام .

طفل بلا وطن ..

ليس له حق أساسي ولا فرعي

وليس عليه أن يقاوم ..!

طفل بلا وطن 

ليس له اسم ولا جنسية

ليس مواطن .

طفل بلا وطن

مطية موطوءة 

أو الجحش ابن الحمار .

يريدونني أن أخلد إلى الراحة

فأنا مجرد طفل يافع

لي الحياة واللهو ،

لي الأكل والشرب ،

لكن ليس عليَّ مطاولة أولاد الأكابر

خلف الحدود ،

ومن يحتلون بيتي ،

وعليّ أن أرضى بالمقابر .

ممنوع كل قول

وممنوع أن أجادل .

*

يا منظمة الطفولة

يا ابنة منظمة الأمم المدججة بالعفونة

تريدونني أن أنسى الديانة والجدود

وأن أمارس التفاوض والتنازل

والمرونة ..

تريدونني ألا أكون مطالبا بحقوقي المغتصبة

من قبل اليهود الغاصبين للبيادر ..

وإن رفضت ..

في عرفكم أنا لست طفلا عاقلا

لكنني ذئباً مهاجم .

أفقد حقي في التعبير عن رأيي

وعن حقي ..

وأفقد حق الرعاية والحماية ، وحق الانتماء

إلى الأطفال من جنسي ومن عمري .

وغير مسموح أن أقول لا ..

أو نعم ..

وليس من حقي أن أناور .

*

وأنا الطفل الفلسطيني ..

لست كأطفال السلاسة

لست كأطفال " باربي وديزني لاند " 

ولست من عَاَلَمِ الحَدَاثة .

*

أنا الطفل الفلسطيني

من حقي أن ألعب

هاتوا ساحة الدار كي ألعب ..!

من حقي أن ألهو وأن أمرح ..

أعطوني دوري فوق خشبة المسرح ..!

وتقولون :

أنني ما زلت طفلاً ..

أحتاج للّهوِ والترويح والمسرح

من حقي البقاء ..

وأن أمارس التمثيل واللعب

وأن أمرح ..

أنا الطفل الفلسطيني

أحتاج لكل حاجاتي

ولا أمزح .

أحتاج إلى الله

إلى ديني

إلى وطني

إلى القدس ..

وأحتاج إلى حقي

وإلى الملعب .

*

ولا أمزح .. ولا أمزح .. ولا أمزح ..

**

فصل المواد السبع

..

مادة 1

يولد الطفل الفلسطيني

عمره الموت

والخلود .


مادة 2 

للطفل الفلسطيني حق الإقامة والسكن .

أين يقيم بيته ..!

في حلمه ..

أم يتجاوز الحدود .


مادة 3 

للطفل الفلسطيني حق العيش في أسرة صغيرة

مع والديه وجديه وأخويه وأختيه

ومع أترابه من الجيران

ولأجل ذلك 

يمارس الحب والوفاق

ويناهض العقوق والفراق .

ولأجل ذلك يذهب كل يوم

إلى فصله في مدرسة الأولاد الوحيدة

ليتعلم القانون والحقوق .

ولأجل ذلك 

يقاوم التمييز والفروق .


مادة 4

للطفل الفلسطيني حق التعلم والرشاد

أن ينمو عقله

يخرج من حالة الكمون .

ولأجل ذلك ..

يسجل ما يدور حوله

ويبادر بالحلول .

يمارس التجريب والتجارب

ويؤرخ الفنون .

ولأجل ذلك 

له حق قراءة الأشياء والأفكار

والعلوم .

وله أن يكتب النتائج والظواهر

ويُمَرْحِلَ الوصول .

وله أن يكتب التاريخ

ويكسر شهوة اليهود .


مادة 5 

للطفل الفلسطيني حق اللهو والترويح واللعب الجميل وامتطاء الخيول

ولأجل ذلك عليه ..

أن يتخيل الدمى في شكل قبة الصخرة ، يصنعها 

و يسابق نوارس الطيور ،

على شاطئ البحر المحاصر بالجنود .

وله أن يختار لعبته ، يسميها

وتظل باسمه ما ظلت الألعاب والقرون .

وله أن يسيح في الشوارع

ينافس الأطفال من أترابه ، 

يقودهم إلى أحلامهم ،

ويقفز بهم وراء الحائط المسدود .

يحررهم من القيود و القعود .

وله ممارسة السباحة والرماية

وزراعة الحقول

وله أن يبارز الفرسان

ومصاحبة الخيول .


مادة 6 

للطفل الفلسطيني حرية الكلام والتعبير والاختيار والقبول

ولأجل ذلك عليه أن ..

يظهر الحقائق

وعلى الأكاذيب يبول .

يفضح التزييف الذي يشوه العقول .

يكون ابناً مخلصاً لفلسطين

شعباً وصلاة وثغور .

ولأجل ذلك عليه أن

يقاوم الدخلاء على السطور

ويكشف المستور .

وعليه أن يحمي الأخلاق والخلائق

ويحارب التسفيه والسفور .


مادة 7 

للطفل الفلسطيني حق الانتماء إلى دين ووطن

وله حق أن يقاوم الدخيل عند ساعات الوهن .

وله حق الجهاد

وأن يطرد الأعداء من كل شبر في الوطن

وله حق الصلاة في المساجد

والأرض مسجده على مساحة الوطن .

وله حق التفاعل والانفعال ،

والتمرد على الواقع المرسوم بيد اليهود ،

وهيئة الأمم .

وله أن يرفض الحلول التي تسرق الوطن .

وأن يحمل السلاح في وجه مغتصب الوطن .

وله أن يكون فلسطينياً حتى آخر رمق .

يؤدي الواجبات والحقوق

ويواصل المقاومة .

وله أن يتنقل من رصيف إلى رصيف

وأن يسافر ويعود ابناً للوطن .

وله حق الكلام والغرام ،

وكتابة الشعر والبيان ،

ويرسم الصور .

وله أن يعشق الليل والنهار

ويناجي القمر .

**

فصل الملحق السري

..

بند 1

أريد أن أنام

لكن سريري الصغير

يتعرض لكوابيس الليالي 

التي تطردني من أحلامي الصغيرة

إلى الضجيج النرجسي المعادي ..

إلى معركة الحراب والحواري .

يطردني إلى تيه

البراري .


بند 2

كم أعشق اللعب

وأعشق الزهور والعصافير

وأعشق النجوم ..

لكنني محاصر بالخوذات وبالدروع

محاصر بزخات الرصاص

وبالاتهامات والمروق .

أعشق اللعب

لكنهم سرقوه مني

قبل أن أبدأ العد في بداية السباق

وسقطت قبل موعد الفوز الجميل .


بند 3

كم أحب جيراني البسطاء

أحب وجوههم التي تذكرني بليالي الشتاء .

كم أحب شوارع مدينتي المفقودة

بين شرايين البلاد .

نعم .. أحب مدينتي لأنها

مدينة الأولياء الأوفياء .


بند 4

ما أجمل حكايات جدتي قبل النوم

ولما يحاصرنا الضباب

ما أجمل الأبطال والفرسان

عندما يقاتلون غيلان الأرض

ويوقدون عيوننا بالضياء .


بند 5

كلنا وقود الأرض

وتحرسنا السماء .

كلنا شمعة واحدة تبدد الظلمات

كلنا في فلسطين

أنشودة للصبر والوفاء

نستدعي الاستشهاد قبل دخول المساء .


بند 6

نسمع الأخبار والروايات

ونعجب من الطير والجماد .

ونعجب أننا وحدنا الفداء

ووحدنا .. مَنْ بلاده يحتلها الغرباء .

ووحدنا .. ممنوع علينا التنقل والاختيار

ممنوع أن نرسم الحروف 

وأن نناطح الكبار .


بند 7

إننا أطفال 

وندري ما مستحقاتنا

من الأقدار .

لكننا نقاوم الاستعمار .

نقاوم الهروب ونمنع الدمار .

ونعرف أننا مجرد أطفال صغار

ومن يفك الطلاسم ويكشف

الأسرار .

لكن اعلموا أننا أكبر

أكبر

أكبر

من الكبار .

بهائي راغب شراب 

خان يونس في 29/10/2000


ملاحظة:

حقوق الطفل الفلسطيني: القصيدة الفائزة كأفضل قصيدة غنائية للأطفال في مسابقة يوم المبدعين للمهتمين بكتابات الأطفال التي أقامها نادي الشروق والأمل / جمعية الثقافة والفكر الحر في مدينة خان يونس وأشرف عليها كلا من وزارة الثقافة واتحاد الكتاب ، وذلك في شهر شباط 2001.

..

اعترافات بقلم الراقي محمد ابراهيم

 (( اعترافات ))

ليس سهلاً أن أقول إنني أحبك...

لا ليس صعباً أيضاً...

الصعب أن أقولها وأنا أنظر في عينيك

وأرى فيهما امرأة أعشقها...

تغسل قدميها بنهر ذاكرتي...

أحبك كما يحب النهر حصاة يلمسها كل يوم ....

ولا يعرف أي حصاة ستبقى عندما يجف الماء ...

في الليل أخلع أحلامي عند باب غرفتك

وأدخل حافيا....

كي لا يسمعك صرير الخطى...

فتستيقظين قبل أن أنهي آخر اعتراف

أعترف أنني خائف من أن يأتي يوم

لا أحد فيه...و أعترف به...

غير أني كنت أحبك....

وأن النهر جف ...

أعترف أنني كنت أكتب اسمك على رغيف الخبز...

قبل أن آكله ....

كي لا أنسى أن الجوع الحقيقي ليس في المعدة...

بل في الغياب...

أعترف أنني أسرق الوقت من ساعتي 

كل يوم....

لأ ضعه في جيب معطفك القديم...

لعلك تشعرين بثقل الدقائق حين أكون بعيداً....

أعترف أنني كذبت ألف مرة

قلت فيها أنني بخير...

وأنني لا أشتاق...

وأن النوافذ تغلق من تلقاء نفسها...

كي لا ترى القمر وهو ينام وحيداً..

وآخر اعتراف لي أنني لا أخاف الموت..

بل أخاف أن أموت ولا أحد يعرف أنني

كنت أحبك بهذا القدر من الوله...

.........................

الشاعر: محمد ابراهيم ابراهيم

سوريا

5/4/2026

ماذا لو أعدنا الذكريات الجميلة بقلم الراقي محمد احمد جدعان

 ماذا لو أعدنا الذكريات الجميلة،

لا كما كانت فقط،

بل كما تمنّيناها أن تكون—

أكثر دفئًا،

وأقلَّ انكسارًا؟


وسامحنا بعضنا...

لا لأننا نسينا،

بل لأن القلب—حين يحب—

يتعب من حمل الندم طويلًا.


أَتُوافقين؟

أم أن كبرياءكِ ما زال واقفًا

كحارسٍ عند باب الرجوع،

لا يسمح للحنين أن يمرّ؟


ثم نلتقي—

لا صدفةً هذه المرّة،

بل كقرارٍ مؤجَّل،

كأن الزمن، بعد كل هذا العناد،

اقتنع أخيرًا أن يجمعنا.


أنظر في عينيكِ،

فأرى الطرق التي مشيناها معًا،

وأسمع ضحكاتٍ قديمة

تختبئ في زوايا الصمت.


فأسألكِ—

أمَا زال الشوق في قلبكِ يسكن؟

أم أنه تعب من الانتظار

فغادر دون وداع؟


أم تجاهلتِ حبي،

ذلك الذي كان يكبر فيكِ

كشجرةٍ لا تعرف السقوط،

حتى جاء صمتنا—

فاقتلعها من جذورها؟


نحن لم نفترق لأننا لا نحب،

بل لأننا لم نحسن قول ما نشعر به،

تركنا الكلمات تموت في صدورنا،

حتى صار الصمتُ بيننا

لغةً لا تُترجم.


والآن—

نقف على حافة ما تبقّى،

لا نحن عدنا كما كنّا،

ولا نحن نجونا تمامًا من بعضنا.


فإن مددتُ يدي،

هل تمسكينها هذه المرّة

دون خوفٍ من السقوط؟


وإن قلتُ: "ابقِي"،

هل تسمعينها

كما لم تسمعيها من قبل؟


لأن الحقيقة—

أن الحب لا يضيع فجأة،

بل يتسرّب ببطء،

حين نؤجّل الاعتذار،

ونؤجّل اللقاء،

ونؤجّل قول: "أحتاجك".


فماذا لو لم نؤجّل هذه المرّة؟

ماذا لو اخترنا بعضنا—

رغم كل ما حدث؟


أم سنفعل كما فعلنا دائمًا...

نبتسم بحذر،

نخفي ارتباك قلوبنا،

ثم نمضي—


كلٌّ في طريقه،

حاملًا الآخر

كذكرى...

كان يمكن لها

أن تكون حياة


مع تحيات الكاتب والشاعر

المستشار د محمد احمد جدعان

مراسيل الياسمين بقلم الراقي مروان كوجر

 " مراسيل الياسمين "


كتبت همي عَلَى سطري مَواوِيلا ... 

               وجِئْتُ أَسْأَلُ عَنْ أَهْلِي المَراسِيلا

بَكَيْتُ حَتَّى جَفَا الأَجْفَانَ مَدْمَعُها ...

              وصُغْتُ مِنْ وَجَعِي المَنْسِيِّ إِكْليلا

يَا دِيرَةَ المَجْدِ، والأَيَّامُ شَاهِدَةٌ ...

                  مَا غَابَ ذِكْرُكِ، بَلْ زَادَ التَّراتِيلا

نَحْنُ الَّذِينَ سَقَيْنَا الأَرْضَ عِزَّتَنَا ..

                  وخَلَّدَ الدَّهْرُ فِي الأسفار تنزيلا

طَالَ النَّوَى، وقُلُوبُ الشَّوقِ ذَابِلَةٌ ..

                . فَهَلْ لِعَوْدٍ؟ سَئِمْنَا القَالَ والقِيلا

مَرَّتْ دُهُورٌ، وعِطْرُ الشَّامِ يَسْكُنُنَا ...

                    مَا غَيَّرَ البُعْدُ أشواقا و تَبْدِيلا

يَا يَاسَمِينَ الرَّوَابِي، هَلْ تُطَمْئِنُنَا؟ ...

                     إن الهموم تراها اليوم تذليلا

إِنِّي وَقَفْتُ عَلَى الأَطْلَالِ مُنْكَسِراً ...

                    أُرَتِّبُ الحُزْنَ.. أَوْزَاناً وتَفْصِيلا

أَشْتَاقُ مِئْذَنَةً فِي الجَوِّ صَاعِدَةً ..

                   تَتْلُو عَلَى الكَوْنِ قُرْآناً وإِنْجِيلا

وأَشْتَهِي غُوطَةً بِالوَرْدِ ضَاحِكَةً ...

              تُهْدِي اللِّقَاءَ.. وتُشْفِي القَلْبَ تَعْلِيلا

يَا شَامَةَ الأَرْضِ، مَنْ بِالدُّرِّ صَوَّرَهَا؟ ...

                   ومَنْ أَرَاقَ عَلَى الخَدَّيْنِ تَقْبِيلا

جِئْنَا إِلَيْكِ، وكُلُّ الشَّوقِ يَسْبِقُنَا ...

              نَرْجُو وِصَالَكِ.. لا نَرْضَى الأَبَاطِيلا

سِيرِي عَلَى الجُرْحِ، يَا مَيْسُونُ، صَابِرَةً ...

                   . إِنَّ الكِرَامَ تُعِدُّ المجد تَأْصِيلا

لا تَدْمَعِي، فَدُمُوعُ الشَّامِ غَالِيَةٌ ..

                       دُرَرُ اللآلئ للأظلام قنديلا

قَدْ عَادَ نِزَارُ فِي أَشْوَاقِنَا قلَماً ...

                يَخُطُّ سطراً لوجه الشام تَجميلا

يَا جِلَّقُ، انْتَفِضِي لِلْحُبِّ ثَانِيَةً ..

               فَالصُّبْحُ أَقْبَلَ يَطْوِي الليل تبديلا

نَحْنُ السَّيُوفُ، إِذَا ضَاقَ المَدَى نَزَلَتْ ...

                     عَلَى المَكَارِهِ، إِجْهَازاً وتَنْكِيلا

مَنْ لَمْ يَذُقْ مِلْحَ هَذَا الطِّينِ مَا عَرَفَتْ ... 

                  خطوات قلبه من حبٍ وتعويلا

أخْتِمْ بِذِكْرِ دِمَشْق الشام قَافِيَةٍ

               مَا جِئْتَ شِعْراً.. إِذَا لَمْ تبد تبجيلا

هِذي الشَّآمُ.. وَمَا لِلْقَلْبِ مِنْ بَدَلٍ ... 

              سَلُوا المُحب، سَلُوا عنهُ المَواويلا


                          بقلم سوريانا 

                          السفير .د. مروان كوجر

حين عاد الربيع بعد غياب بقلم الراقي صالح حباس

 حين عاد الربيع بعد غـياب

................................ 

جــاءَ الـرَّبـيعُ فـعـمَّ فـيـنا الازدهــارْ

بـعدَ الـجفافِ وطـولِ صبرٍ وانتظارْ


عــادتْ لـنـا خُـضْـرُ الـحقولِ جـميلةً

وامــتـدَّ فـــوقَ ربـوعِـها الاخـضـرارْ


نـزلَ الـغمامُ، فـفاضَ خيرٌ في الثرى

وتـفـتّحتْ فــي كــلِّ نـاحـيةٍ أزهـارْ


والـتـرفـاسُ انـتـشرَتْ كـنـوزُهُ هـنـا

فـكـأنَّـهُ ســـرٌّ يـفـيـضُ بـــلا ســتـارْ


والـخُـبيزُ غـطّى الأرضَ فـي ألـوانِهِ

بـسـاطُ حُـسـنٍ بـاهـرٌ يُـغري الـنُّظّارْ


طـارت عـصافيرُ الـفضا فـي فـرحةٍ

والـنحلُ بـينَ الـزهرِ يـسعى بالجوار


والـضـفـدعُ الـغـافـي يُــردّدُ صـوتَـهُ

لــحـنٌ رقــيـقٌ سـابـحٌ مـثـلَ الـنّـهارْ


خــرجَ الأنـامُ إلـى الـروابي شـوقَهم

يـمشون بـين السهلِ والأرضِ القِفارْ


يـلقون عـطرَ الأرضِ بـعدَ مـطرٍ أتى

فـكـأنّـهُ وعـــدٌ أتـــى بــعـدَ انـكـسارْ


كُـــنّــا صِــغــارًا لا نــهــابُ بــــرودةً

والـبـردُ يـهـمي فـوقَنا مـثلَ الـمَطارْ


نـجـمـعُ الــنـوارَ، والـنـرجـسَ الــذي

غــابَ الـزمـانُ بــهِ، وعــزَّ لــهُ قــرارْ


صـبـايا الـبلدةِ يـحملنَ الـربيعَ عـلى

قِفَفٍ من السعفِ الجميلِ مع الثمــارْ


والـناسُ فـي كـرمِ الـخصالِ توزّعوا

لــبـنٌ يُـــدارُ وخـيـرُهم دومًــا يُـثـارْ


يـخـضُّـهُ فــحـلٌ، وتـضـحكُ أرضُــهُ

رجــاءَ خـصـبٍ دائـمٍ عـبرَ الأعـصارْ


يـصـنـعنَ كـسـرةَ “لـمـبرجةٍ” طـيـبةً

عـلى الحطبْ، والفرحُ فيها مُستعارْ


عُـــــرفٌ قــديــمٌ فــاطـمـيٌّ بـيـنـنـا

بـقـيَـتْ مـلامـحُـهُ تُـــروى بـافـتخارْ


والـطـفـلُ يــفـرحُ بـالـحلوى حـيـنما

تـأتـيه مــن ســوقٍ قـريبٍ أو جـوارْ


حـلوى “مـيمونٍ” في السنينِ تألّقتْ

طــعـمٌ لـذيـذٌ ثـابـتٌ مـثـلَ الـمِـعيارْ


تُــهـدى وتُــؤكـلُ، أو تُـــذابُ بـقـهوةٍ

إن غـابَ سـكرُ البيتِ يحلوها المِرارْ


فـــي آخـــرِ الأيـــامِ يــرحـلُ بـردُنـا

ويـعـودُ نـايُ الـراعي الـعذبُ الـمدارْ


يــعــزفُ ألــحــانَ الــبـلادِ جـمـيـعِها

صــمّــاويٌّ ســعــداويٌّ لــحـنٌ يُــثـارْ


هـــذا الـربـيـعُ حـكـايةٌ فــي نـبـضِنا

فـأهـلاً بــهِ، أهــلاً بــهِ الـدهـر ما دارْ


بـــــــقلم: القصاد"صالح حباسي "

خاطرة شجية على فم العندليب بقلم الراقي صديق علي

 صديقيَّةُ : 🏵 خاطرةٌ شَجِيَّةٌ على فَمِ العَندليب 🏵 .. 👍


               مُرغَمَاً .. صَرَفتُ ما في الجَيبْ ..

               و لَمَّا يَأتِني ما في الغيبْ ..

               " فاعقِلْها و تَوَكَّلْ "..  

               قَولٌ جِدَّاً مُصِيبْ ..

                       **** 🏵 ****

               كانَ عَلَيَّ أنْ أُخَبِّئَ قِرشي الأَبيَضَ لِيَومي الأَسوَد ..

               لِكَيلا أَخيبْ ..  

                       **** 🏵 ****

               و قَعتُ في خَطأٍ عَصيبْ ..

               و كُلُّ مَنْ حَولي تَنَاأوا ..

               و ليس بينَهم مِنْ مُجِيبْ ..

                     **** 🏵 ****

               هِيَ الحَيَاةُ دُروسٌ و عِبَر ..

               طُفُولةٌ و شَبابٌ و كُهُولَةٌ حتَّى المَغيبْ ..

                     **** 🏵

               فَرَحٌ ضَيِّقٌ لا رَحِيبْ ..

               و حُزنٌ بِغيرِ الصَّبرِ لا يَطِيبْ ..

                     **** 🏵 ****

               تَعَلَّمتُ الدَّرسَ جَيِّداً ..

               بينَ دَقَائقِ الفرحِ ..

               و ساعاتِ الحُزنِ الرَّهيبْ ..

               بينَ ابتِساماتٍ نَادِرة ..

               و دُموعٍ حَرَّى على إيقاعِ النَّحيبْ ..

                      **** 🏵 ****

               و ليس لي في النِهايَةِ الخَاتِمة ..

               سِوى عَونِ اللهِ بالفَرَجِ القَريبْ ..

                      **** 💜 ****


                         بقلم : 👍 : @ الشاعر صديق علي

بعد أن ينطفئ نور الحياة بقلم الراقي مقبول عزالدين

 بعد أن ينطفئ نور الحياة في الجسد، تتلاشى الأصوات والألوان تدريجيًا، وتغدو الروح وحيدة في فضاء صامت لا يعرفه أحد، مكان تتماهى فيه اللحظات الماضية مع المستقبل المجهول. كل فكرة، كل شعور، وكل قرار عاشه الإنسان يطفو أمامه، كمرآة تعكس ما كان وما أصبح، وكأن الحياة نفسها تتكرر في وعيه الأخير.

الزمن هنا يتلاشى، ليس بمعنى أنه يختفي، بل لأنه يصبح بلا معنى؛ الماضي حاضر، والحاضر الماضي، والمستقبل مجرد صدى بعيد. وفي هذا الصمت، تدرك الروح أن كل قلق وكل رغبة وكل حب كان جزءًا من تجربة قصيرة، أنها لم تكن سوى لحظة عابرة في مجرة لا تعرف الرحمة ولا الانتظار.

الموت ليس مجرد نهاية للجسد، بل مواجهة الحقيقة المطلقة، حيث الفناء والحقيقة يتحدان في صمت مطلق، صمت يفتقد إليه كل من عرف الحياة، صمت يفهمه من يتجاوز حدود الإدراك، ويكتشف أن كل ما اعتقدناه ثابتًا، كان مجرد وهج عابر.

كل شيء يعود إلى حيث بدأ، إلى فراغ لم يعرفه الإنسان قط، إلى ذلك الصمت الأبدي الذي يحضن الجميع بلا استثناء، الموت...

الإنسان يعيش يومًا، ويظن أن الحياة أبدية، يضحك، ويخطط، ويأمل، وكأن الزمن ملكٌ له. يمر اليوم، ثم الشهر، ثم السنة، فيغفل عن أن كل لحظة تمرّ به تقربه من النهاية الحتمية. يومه قصير، وسنه يمضي سريعًا، وكل خطوة يخطوها تقوده إلى ما لا مفر منه. والموت… هذا الغائب الحاضر، الذي لا يُرى إلا في أثر الأيام التي مضت، ينتظر الجميع بلا تمييز، بلا تأجيل.

الإنسان يعيش مع خوف دائم، خوف لا يراه أحد، خوف يختبئ خلف الضحكات والاختراعات، وراء الخطط والطموحات، خلف كل يوم يظنه طويلًا، كل سنة يظنها أبدية. إنه الخوف من الموت، الذي لا يعرف الإنسان موعده، ولا يستطيع الهرب منه، ولا يجد ملجأً يحميه من مفاجئته. قلبه يلهث، وعقله يرفض تصديق الحقيقة، لكنه يعرف في أعماقه أن لا مهرب، وأن كل خطوة يخطوها هي نحو ما لا يمكن التراجع عنه.

تذكر قامات التاريخ وعظامهم التي ذهبت مع الريح: عاد، وتمود، وفرعون، وكلهم ماتوا، ولو كانوا أعظم الناس قوةً أو جبروتًا، لم تنجهم قوة الأرض ولا المال ولا السلطان. قوتهم لم تنقذهم، مالهم لم يحميهم، عروشهم لم تصمد أمام يد الموت. وكلنا سنكون مثلهم، عاجزين أمام النهاية، مهما علا شأننا أو امتلكنا من سلطان.

الخوف من الموت ليس مجرد فكرة، بل شعور يلتصق بالروح، يزرع الرهبة في كل نفس، ويجعل الإنسان يسأل نفسه: هل أنا مستعد؟ هل قضيت حياتي بما يستحق؟ أم أنني أضعت الوقت في وهم الأمان، في وهم الخلود، في وهم السيطرة على ما لا يملك أحد السيطرة عليه؟ وحتى أولئك الذين يهربون من التفكير بالموت، تظل لحظاته الصامتة تلاحقهم: الليل حين يسكن، اللحظة حين تتوقف، الصمت حين يخيّم. كل شيء يذكّرهم بأن الحياة قصيرة، وأن الموت حقيقي، وأن الخوف منه طبيعي، لأنه صوت العقل والروح اللذين يصرخان: "سترحل، وستترك كل شيء خلفك، وستصبح مجرد ذكرى".


الإنسان منذ ولادته، وحتى قبل أن يرى النور، مكتوب له أن يموت. كل لحظة من عمره، كل ساعة، كل يوم، كل شهر، وكل سنة، محددة مسبقًا في دفتر الحياة الإلهي. وحتى لو عاش قرنًا كاملًا، سيأتي الوقت الذي لا مهرب منه، الوقت الذي يغلق فيه باب الحياة، ويودع فيه الأرض والنور والهواء وكل ما عرفه.

الموت لا يفرق بين غني وفقير، بين قوي وضعيف، بين حاكم أو محكوم. من كان طاغيًا وجبروته تمتد إلى أقاصي الأرض، مات، ومن ملك المال والنفوذ، مات. قادة الأمم الذين اعتقدوا أن القوة تدوم، وأصحاب العروش الذين زينت لهم الحياة كل وسائل العظمة، جميعهم رحلوا. أيت قوم عاد وتمود، أين أصبح فرعون، أين هامان، أين أصحاب الكبرياء الذين تحدوا الزمن والمصير؟ الكل اختفى، الكل أصبح ذكرى في كتاب الحياة، والكل بيد الله سبحانه وتعالى، يومئذٍ سيحاسب كل واحدٍ على ما قدم.

الحياة فانية، والزمن يمضي، لا يبقى شيء على حاله. كل لحظة تمر تذكرنا بأننا عابرون، وأن الأمل في الخلود الأرضي مجرد سراب. نحن نولد ونكبر، نحب ونعاني، نضحك ونبكي، وكل شيء يمر كما يمر النسيم بين أصابعنا. إن الإنسان مهما اعتقد أنه قوي، مهما جمع ثروة، مهما امتلك السلطة، فإن الموت لا يرحم، لا يتأخر ولا يتقدم، يأتي في موعده، ويأخذ الجميع سواء.

فليكن في قلب كل إنسان إدراك أن الحياة مجرد رحلة قصيرة، صفحة عابرة في زمن لا يرحم، وأن كل شيء ينتهي في النهاية: الجمال يذبل، القوة تزول، المال يفرّ، والعظمة تصبح ذكرى. فالحكمة أن نعيشها ونحن واعون بالفناء، نزرع الخير، نحب بصدق، ونترك أثرًا لا يمحى في القلوب قبل أن تأتي ساعة الحساب.

الموت هو الحقيقة الوحيدة التي تتساوى عندها جميع القامات، العظماء والصغار، الملوك والعبيد، المؤمنون والكافرين، فهو النهاية الحتمية لكل شيء، يومئذٍ لله وحده القرار، ويعلم كل شيء، وما الحياة إلا فانية، وما نحن إلا مسافرون على طريق لا يدوم.

وفي النهاية، يبقى الخوف مرافقًا، يربت على كتف الإنسان، يحذره، يدفعه للتفكير، للحياة بوعي، للحب بصدق، للعمل بخير. فهو، رغم رهبته، يذكّر الإنسان بأن الحياة ليست أبدية، وأن كل لحظة نعيشها هي فرصة لنترك أثرًا قبل أن نغادر، وأن نصنع معنى قبل أن يسرقنا الوقت والموت.

د.مقبول عزالدين

مرايا لا تكذب بقلم الرقي د.محمد شعوفي

 مرايا لا تكذب:

وقفاتٌ مع الذات على أعتاب الفراق.


في صمتِ الليالي، حين تخبو ضجة العالم، تقفُ المرايا وحيدةً في زوايا الذاكرة.

لا تحكي ما نُريد سماعه، بل تعكسُ ما أخفاه الصمتُ عنا طويلاً.

هنا، على عتبةِ فراقٍ لم يكن يوماً مفاجأةً، أبدأُ رحلةَ مواجهةٍ لا تهربُ من الألم، بل تتعانقُ معه لتُخرجَ منه معنى.

لم أكتب هذا النص لأروي حكاية فراقٍ عابرة، ولا لأستحضر وجعاً مضى وطواه الزمن.

بل كتبتُ لأقف أمام نفسي وقفة صدقٍ لا مواربة فيها، وأفتّش في أعماقي عمّا تعاميتُ عنه طويلاً.

أكتب لأنني أدركتُ –متأخراً– أن أكثر ما نخشاه في الحقيقة ليس الفقد، بل اكتشاف دورنا الخفي في صناعته.

وأن أقسى المواجهات هي تلك التي نخوضها مع ذواتنا حين تسقط عنها فجأة أقنعة التبرير.

كم خدعتُ نفسي طويلاً، وظللتُ أردّد على مسامعي تلك الأسطورة القديمة التي تُبرّئ الإنسان وتحمّل الزمن وحده وزر ما يتصدّع في العلاقات.

كنت أظن، كما يظن كثيرون، أن الأيام هي من تُذبل المودة، وأن قسوة الدهر كافية لتمزيق أصفى ما يكون بين النفوس من روابط.

لكنني الآن، بعد أن أرهقني أسلوب المراوغة، أعترف بملء اليقين: كنا نكذب على أنفسنا كذباً مُريحاً، نُلفّق الأعذار للأقدار، ونتوارى خلفها كمن لا ذنب له.

وكأنَّ المسافة التي نمت بيننا كالنبات السام لم تكن يوماً من صُنعنا، ولم تنبت من بذورٍ زرعناها نحن بأيدينا في لحظات الغفلة.

إن الحياة، في صمتها العميق، بريئة تماماً من كل هذه التهم.

هي ليست سوى مرآة صادقة تعكس ما نصنعه، ومسرحٌ نكتب عليه فصول حكاياتنا بأفعالنا لا بأمانينا.

وقد أدركتُ، بعد طول تأمل، أن الفراق لا يولد أبداً من رحم الزمن، بل يتكوّن في عتمة نفوسنا حين نسمح للسموم أن تتسرّب إليها في صمت.

إنه يبدأ كفكرةٍ صغيرة لا نلقي لها بالاً، ثم يتغذى على الإهمال حتى يصير قطيعةً تعجز كل محاولات الترميم عن إصلاحها.

لقد رأيت الفراق يتشكّل في خبثٍ يتسلل في الخفاء، يقلب المحبة جفاءً دون أن نشعر.

ورأيته في نفاقٍ يتوشّح برداء الود، وفي جوفه ما يجرح ويكسر.

وفي خيانةٍ تنكث العهود، فتترك في الصدور شروخاً غائرة لا تجبرها الاعتذارات المتأخرة.

وأدركت أن أخطر ما في الفراق أنه لا يأتي كعاصفةٍ مفاجئة، بل يتسلل كالنمل ونحن غارقون في وهم أننا بخير.

وقفتُ أمام نفسي بأسئلةٍ موجعة لم أكن أملك شجاعة طرحها من قبل:

هل كنتُ صادقاً حقاً مع من أحببت؟

أم أنني كنت أحب فكرة أن أكون محبوباً فقط؟

كم من مرة أطلقتُ الكلمات كالسهام دون أن أبالي بمواضع إصابتها؟

وكم من لحظةٍ غفلتُ فيها عن جراح الآخر لأن عينيّ كانتا منشغلتين بمرآتي الخاصة؟

هناك، في عُمق تلك المواجهة، انكشف لي وجه الأنانية الحقيقي.

تلك الأنانية التي جعلتني أسيراً لذاتي، لا أرى إلا انعكاس صورتي، فأصمت عن آلام القريبين مني، وأغفل عن احتياجاتهم، وأمضي في وهمي كأن الحب حقّ مكتسب لا يحتاج إلى سقاية أو رعاية.

وحينها فهمت أن الأنانية ليست مجرد طباع، بل هي بداية منحدرٍ ينتهي دوماً بقطيعةٍ لا ينفع معها الندم.

كما خبرتُ أن غياب الاحترام هو أسرع السموم فتكاً بالروابط؛ فهو لا يدمّرها بصخب، بل يهدمها بصمتٍ بارد، يحوّل الكلمات البسيطة إلى طعنات، والحديث العابر إلى ندوبٍ لا تندمل.

وكم من علاقةٍ جميلة انهارت لا بسبب خلافٍ جوهري، بل لأن أحد الطرفين نسي أن الاحترام ليس ترفاً عاطفياً، بل هو الأكسجين الذي تتنفس به المودة.

ومع ذلك، فإنني أدرك اليوم أن العلاقات مساحات مشتركة، لا تُبنى بجهد طرفٍ واحد ولا تُهدم بتقصيره منفرداً.

إنها مسؤولية تقع على عاتق الاثنين معاً، وحين يسقط الوعي من أحدهما، يبدأ البناء بالانهيار.

لقد تبيّن لي أن الفراق لم يكن قدراً محتوماً في أغلب الأحيان، بل كان سلسلة اختياراتٍ صغيرة تراكمت دون وعي: سوء فهمٍ لم يُعالج في حينه.

وجفوةٍ تركت لتكبر ولم تُداوَ.

وصمتٍ كان يجب أن يُكسر بالحديث، حتى صار القريب غريباً، وتحول الحضور الدافئ إلى مجرد ذكرى عابرة.

وهنا بلغتُ يقيناً لم يعد يقبل الشك: إن الروابط الإنسانية لا تذبل إلا حين نسقيها نحن بماء الجفاء، ونحن من نحفر الشروخ بيننا بسياط القسوة في لحظات الغضب، وبسكاكين الغدر التي نغرسها أحياناً دون أن ندرك ثقلها.

وفي المقابل، حين يصفو القلب، وتستقيم النية، ويصدق الفعل، يتحوّل الزمن مهما قسا إلى قوةٍ خفية تشد أزر المحبة، وتزيدها رسوخاً.

فالصدق يصنع جسوراً لا تهتز، والوفاء يحفظ ما تفرّقه المسافات، والكلمة الطيبة قادرة دوماً على إحياء ما كاد أن يموت.

ومن هنا، وجدتُ نفسي مدعواً إلى مراجعةٍ صادقة قبل أن أُدين أحداً أو ألقي باللوم على الظروف.

تساءلت في خلوتي: كم من علاقةٍ ماتت لأنني أهملتُ ريّها؟

وكم من محبةٍ بردت لأنني نسيتُ أن أدفئها بكلمة أو لفتة؟

إنه لأمرٌ مرعب أن أعترف بأنني قد أكون القاتل الصامت لأجمل ما في حياتي، لكنه اعترافٌ لا بد منه، لأنه البوابة الوحيدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في القادم من الأيام.

إنني لا أكتب هذه الكلمات لأدين الحياة، فهي بريئة.

ولا لأرثي ما مضى، فالماضي قد مضى بآلامه وعبره.

بل لأوقظ في نفسي أولاً، ثم في قلب كل من يقرأ، وعياً جديداً يعيد ترتيب المعنى في ذواتنا.

وعياً يجعلنا أكثر انتباهاً لتفاصيل صغيرة تصنع الفرق الهائل بين بقاء العلاقة وانهيارها، وأكثر تواضعاً في مواجهة أخطائنا، وأكثر حرصاً على من نحب قبل فوات الأوان.

فما أجمل أن نكون أوفياء لما جمعنا، وما أصدق أن نكون حراساً لجسور المحبة لا معاول لهدمها.

وفي ختام هذه الرحلة الاستكشافية الصادقة في أغوار الذات، أرفع قلبي دعاءً: أن يبقى الحب بيني وبين من أحب جسراً لا ينكسر مهما اشتدت العواصف.

وأن يظل الوفاء نوراً يهديني حين تشتد العتمة.

وأن أتعلم كيف أحفظ من أحب من قسوة نفسي قبل قسوة الأيام.

فالحياة، في حقيقتها، فرصة قصيرة تمر كلمح البصر، ولا يليق بها إلا أن تُعاش بصدقٍ أعمق، ورحمةٍ أوسع، ووعيٍ أنقى.

وما أجمل أن نغادرها يوماً وقد تركنا خلفنا أثراً من محبةٍ لا يزول، وقد فهمنا الدرس الأعمق: أننا لسنا ضحايا للزمن، بل نحن المسؤولون عما نبنيه أو نهدمه.

وأن الفراق… ليس قدراً حتمياً دائماً، بل هو أحياناً غفلة، وأحياناً تقصير، وأحياناً أخرى… درسٌ قاسٍ لا يُفهم إلا بعد أن ندفع ثمنه كاملاً.

فلتكن المرايا، إذاً، بوابتنا لا سجننا، وليكن الفراق إن حدث، جرس إنذارٍ لا حكم إعدام، وليكن الوعي هو المرآة التي نعود إليها كل يوم، لنرى أنفسنا كما نحن، لا كما نتمنى أن نكون.

بقلم:

د. محمد شعوفي

05 أفريل 2026.

قصيدتي الأخيرة بقلم الراقي السيد الخشين

 قصيدتي الأخيرة 


قصيدتي الأخيرة 

مخفية 

في غيابات أوهامي 

وأنا أصارع هذياني 

وغايتي 

مخفية في بحر وهيجان

فلا أراها أمامي 

ما ذا أقول لهمسي 

بعد طول صمتي 

وقد نسيت ذكرياتي 

في لحظة انفعالي   

انتظرت الكثير 

من أيامي 

لأكتب آخر قصيدتي 

تكون عنواني 

حتى تبقى منشورة 

في كل مكان 

فأقرأها لوحدي 

وأكتفي بصمتي 

فلا يراني إنسان 

وغيوم الليل تراني 

فأسهر أخاطب خيالي


        السيد الخشين 

        القيروان تونس

السبت، 4 أبريل 2026

خوارزمية العتاب بين الصمت والإشارة بقلم الراقي د.احمد سلامة

 قصيدة : خَوَارِزْمِيَّةُ الْعِتَابِ بَيْنَ الصَّمْتِ وَالْإِشَارَةِ

بقلم: أ. د. أحمد عبد الخالق سلامة

مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات ( الرياضيات الأدبية )

أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب - كاتبٌ يرى أنّ الكلمة يمكن أن تكون معادلة، وأن المعادلة قد تكون أجمل حين تُكتب بروح شاعر وأديب 


أَمَــامَ جِــدَارِ الـصَّمْتِ تَـقْبَعُ دَالَـتِي

تُـفَـتِّشُ عَــنْ بَـسْـطٍ لِـعِـتْبٍ مُـحْرِجِ

فَـمَـا الـصَّـمْتُ إِلَّا صِـفْرُ رُوحٍ نَـهِيمُهُ

يُــحَـاصِـرُ لَــهْـفَـاتِ الْــفُــؤَادِ بِــمَـزْرَجِ

وَهَـذَا الْـعِتَابُ الْـيَوْمَ يَـرْسُمُ خَطَّهُ

عَــلَـى لَــوْحِ أَوْهَــامٍ، وَصَـبْـرٍ مُـدَجَّـجِ

بِشُـعْـلَـةِ آدَابٍ نُـضِـيءُ مَـسَـاعِيًا

وَنَـرْسُـمُ هَـنْـدَسَةَ الْـوَفَـاءِ بِـمَـنْهَجِ

لِـمَاذَا جَـعَلْتَ الْـبُعْدَ ثَـابِتَ رِحْـلَةٍ؟

وَصَــارَ الْـوِصَـالُ الْـحَـقُّ غَـيْـرَ مُـنْتِجِ؟

أَنَـــا مُـتَّـجَـهٌ نَــحْـوَ الْــوِدَادِ، وَلَـكِـنْ

رَأَيْتُ طَرِيقَ الصَّدِّ بِالصَّمْتِ يَرْتَجِي

إِذَا كَـانَ عَـقْلُ الْـمَرْءِ مَصْفُوفَةَ الْجَفَا

فَــأَيُّ حِـسَـابٍ لِـلْـمَشَاعِرِ يَـنْجَلِي؟

تَــرَدُّدُ صَـوْتِي ضَـاعَ خَـلْفَ سَـوَاتِرٍ

وَعَـــادَ صَـــدَاهُ بِانْـكِـسَـارٍ مُـتَـوَّجِ

فَــيَــا جِـــدَارًا حَـــالَ دُونَ تَــوَاصُـلٍ

كَــفَـاكَ تَـشْـفِـيرًا لِـنَـبْـضٍ مُــؤَجَّـجِ

فَـلَيْسَ الْـجَمَالُ فِـي سُكُوتٍ نُطِيلُهُ

بَـــلْ فِـــي بَـيَـانٍ لِـلْـقُلُوبِ مُـبَـهْرِجِ

أَقِــمْ جُـمْـلَةَ الْإِنْـصَـافِ بَـيْـنَ حَـنَايَا

لِـنَكْسِرَ قَـيْدَ الـصَّمْتِ فِي كُلِّ مَوْلِجِ

فَـإِيمَانُ قَـلْبِي أَنَّ عِـتْبِي رِسَـالَةٌ

لَــهَـا تَـرْمِـيـزُ الْــحُـبِّ، لَا لِـلْـتَّـحَجُّجِ

وَمَـــا هَـــذِهِ الْأَبْــيَـاتُ إِلَّا بَـرَاهِـيـنُ

عَـلَى أَنَّ صَـمْتَ الْـخِلِّ لَـيْسَ بِـمُبْهِجِ

سَـأَبْـقَى بِالْأَكْـوَاذِ أَبْـنِي نَـتَائِجِي

بِـــأَنَّ وَرَاءَ الـصَّـمْـتِ صَـوْتًـا سَـيَـنْضُجِ

فَـهَاتِ الْـمُعَادَلَةَ الَّـتِي كَـانَ سِـرُّهَا

وِفَــاقًـا، وَدَعْــ

نَـا مِــنْ عِـتَـابٍ مُـلَـجَّجِ

انحناء المسير بقلم الراقي طاهر عرابي

 "انحناء المسير"


قصيدة نثر فلسفية


طاهر عرابي – دريسدن | 05.04.2026


للأرض صدى… وللهواء نحيب،

والمسير عبادة بلا اتجاه،

نحمل فيها أنفسنا أوراقًا تخفي الروح،

ونبتهج حين يقترب الغريب،

ظلٌّ متلوٍ بين جدراننا،

نسمع الحذر بلا يقين، ونرى اليقين يهرب.


كل ما حولنا يتنكر،

وعروق بنفسجية تتسلل فوق طحالبنا،

نلمسها كأنها وعد،

مرايا من ضباب تهيم خلف جدران متحركة،

ينهار الجدار ليصبح اللون نسيجًا يلتف حولنا،

والعنكبوت يبحث عن لونٍ لا نعرف له اسمًا.


نتنكر ونعشق رتابة المدن البعيدة،

ونحب رائحة شوارعها،

نساءٌ تعبر الهواء بخفة،

ونشتهي تلك الخطوات… خلف أرقٍ منسي،

ولا نسأل كيف صار الرصيف معطّرًا،

ونمضي متسولين بأحذية ذهبية،

وخلف قماش يستر كل شيء، يؤرقنا.


نشعر أن لدينا من الحلفاء ما يكفي

لمرور ألف بلاء،

وكلها ملوّنة برماد أصابعنا المحترقة.

هل نحن خلف سياج يتحرك؟

أم في أزقة فوق السحاب؟


بين الشدة والبهجة يرتفع المسير إلى الوهم،

نذكره حين تضيق بنا الطرق،

وننكره حين تتسع… فنضيع فيه،

ولا يقبل بنا.


صوتٌ يتردد: “جناه…”

والفهمُ منسي.


من يخرج من الحفرة؟

يودعنا أفضل وداع بين العمق وبين السماء.

لم يسقط بها سهواً،

بل دُفع إليها حين نُسي الوفاء.


الذل من الأسياد يسبق الوقوع،

يرسخ فينا… كأنه لم يغادر،

ويبقى بعد النهوض… وما أصعب أن تمشي بعدها،

كأن قدميك لا تعرف الطريق.


وصوت السياط لا يدركه الفناء،

تحتمي بالغبار وزحف الأفاعي،

يا لفحيح يظن أنه صوت الخلاص.


الحقيقة لا تنقسم،

حتى بينك والوهم،

في كل جزءٍ… شكٌ كامل،

يتشظّى في العيون،

ويكشف عمق الضياع.


حتى الوسط ليس وعيًا،

بل ضباب الحقيقة،

والانتماء يلتصق بنا،

فصله يشبه تمزيق طحالب عن جلدٍ حي.

نصفق للعبث على الحواف،

وحين نقترب… نختلف كأننا لم نلتقِ.


نمضي، ربما يسعفنا الحظ،

ونهلك على عتبات البحار،

مشردين، وبيدينا مصباح العطف،

شعله يلمع بين أكوام الزبد.


ما الفرق بين الجائع في وطنه

والشبعان في الغربة؟

سوى العدل المهزوم.


لم تكن غريبًا… وصرت غريبًا.


ما أبشع أن تقف في الصف الخطأ،

حين يناديك الصواب… ويتهمك.


تتلفت مثل شراع سارِيه،

وتسأل إن كنت تبحر أم فوق جبل.

حين تضيع الخطوة، يصبح الغيم طريقًا.


سياج يلحق بنا،

وطريق يكاد ينحني تحت ثقل الهموم.

لا تقاطع لصفارات الإنذار،

ونحن نردد:

لسنا عابرين ولسنا ماكثين.


نتنفس بغلاصم الحيرة في الهواء الطلق،

شيءٌ ما يفتقدنا…

كأننا لم نغادره أبدًا.


هل يتغنى الصيف بجوده على الورد،

وينتقم لنا من رائحة الطحالب،

أم سيشغلنا حتى نحسد حبّ القمح في منقار العصفور…

بينما مات رغيفنا في التنور؟


نارٌ بين الأصابع،

وفمٌ مكسور.


يا صحوة الخطوة،

احذري…

أن ينحني بنا المسير،

فنصير دهاليز

تفضي إلى حافة القهر.


دريسدن – طاهر عرابي

مواسم من رماد المعنى بقلم الراقي زيان معيلبي

 "مواسم من رماد المعنى" 


لم أكن أجهلُ أنكِ ستجيئين

من جهةٍ تُشبه النبوءات

مُكلَّلةً بصمتٍ

يُشبه دعاءً تائهًا في كفِّ الغياب

تحملين للوقتِ ملامحَ نجاةٍ

وللأرضِ شيئًا من ارتباك الندى...

كنتُ أراكِ

في انكسار الضوء

حين يتعثّر الفجر

بخطى الليل الثقيلة

وأسمع وقعكِ

في ارتجاف الحلم

وهو يجرُّ أذيال عمرٍ

تعب من الانتظار...

ها أنتِ تأتين

لكن الفصول تغيّرت

والربيعُ

لم يعُد يثقُ بحدائقه

والشمسُ

تخرجُ خجلى

كأنها تعتذرُ للبردِ

عن دفءٍ لم يكتمل...

أنا الذي انتظرتكِ

على حافة الولادة

في زمنٍ

كانت فيه الأرواحُ

تتبادلُ وجوهَها

كي تنجو من موتٍ متكرّر

وكنتُ أعدُّ نبضي

كمن يعدُّ خساراته

في سوقِ الفجيعة...

خيولي التي أطلقتُها

نحو الجهاتِ البعيدة

عادت مثخنةً بالعدم

تحملُ فوق ظهورها

غبارَ الحلمِ

وأشلاءَ أغنياتٍ

لم تجد حنجرةً لتولد...

وأحلامي...

كانت تلتفُّ حولي

كأفاعي المعنى

تلدغني كلما صدّقتُها

ثم تنامُ في حقول العمر

كأنها لم تكن

سوى سرابٍ

يتمرّن على الخديعة...

الأرضُ هنا

لم تعُد أرضًا

بل فمًا مفتوحًا

يبتلع المواسم

والمطرُ

صار فكرةً مؤجّلة

في رأس غيمةٍ عقيمة...

هزيلةٌ هي الأزمنة

حين تُقاسُ بأعمارنا

وواهنةٌ تلك الأمنيات

وهي تُعلَّقُ

على مشانق الغد...

رأيتُ الحياة

تخرجُ من جسدها

كروحٍ خائفة

وتتركُ خلفها

أصداءَ ضحكٍ

تحوّل إلى نشيجٍ

في ذاكرة الأماكن...

كلُّ شيءٍ

كان يتقشّرُ ببطء:

الوجوه

الأحلام

حتى المعاني

صارت ترتدي أقنعةَ الفراغ...

وفي المساء

كانت الأشباحُ

تتدرّبُ على التجوال

تعبرُ الحقولَ المهجورة

وتنادي على حياةٍ

أضاعت عنوانها...

أما الجرح __

فلم يعُد جرحًا

بل وطنًا يتّسع

تنعقُ في سمائه

غربانُ الأسئلة

وتنهمرُ فيه

دموعٌ

لا تعترفُ بها الحقيقة...

وهكذا

انتهى كلُّ شيء

دون أن ينتهي

وتاهت الطرقاتُ

في خرائط الزمن

وصار الإبحارُ

ذكرى

لسفنٍ

لم تتعلّم كيف تنجو...


_زيان معيلبي (أبو أيوب الزياني) الجزائر

ما من سبيل بقلم الراقي ناصر عليان

 ( ما مِن سبيل )


أين تمضي؟

 هذا طريقُك أعمى

ليس يَرثي لأرجُلٍ فيه تُدمى


قلتُ : هل يَسمعُ الخُطى؟

قالَ : كلا .. 

وهو مُذ كان ليس يَعرفُ إسما


يَتقَرَّى خُطى المُشاةِ بِحسٍّ

كتَقَرِّي ( أبي عُبادةَ ) رَسما *١


هل تَرى تِلكُمُ الصُّوى؟*٢

 قلتُ : ما هي؟

-- جُلُّ مَن سار في الطريقِ وأَمّا


تِلكَ أجسادُهم شَواهدُ ظمأى

قلتُ : أرواحُهم؟  

-- إلى الذِّكرِ أظمى


تَتشهَّى إلى الإيابِ سَبيلاً

كتشهّي الرضيعِ ثَدياً وأُمّا


والحفيفُ الذي بسمعيَ؟ 

-- رَجعٌ لعَذاباتِ أنفُسٍ لا تُسمّى


قلتُ : كم عمرهُ؟ 

فأخفَضَ لَيتاً *٣

قال : مُذ أُنزِلَ ابنُ آدمَ قِدْما


كان هذا الطريقُ مِن قبلُ بِكراً

كان أصفى من المُدامةِ ، كالما *٤


شَوَّهتهُ خُطى ابنِ آدمَ لمَّا

أن رأى في ابنةٍ لحواءَ حُلْما


سَلَكوا واهنينَ، يمشونَ جَرحى

كُلُّهم يَحملُ الخطيئةَ كَلْما *٥


لم يُصيخوا لِناصحٍ ، لم يَثوبوا

فَغَدَوا في غَياهِبِ الدربِ وهْما


والقليلُ القليلُ مَن جازَ منهم

وكثيرٌ من القليلِ مُدمَّى


قلتُ : كيفَ السبيلُ؟

 -- ما من سبيلٍ غيرَ هذا السبيلِ رَغماً وحَتما


إن أردتَ العُبورَ سِر دون عَقلٍ

أو فؤادٍ ، تكُن لِدَربِكَ خِلْما *٦


فمِنَ العَقلِ ما يكونُ وبالاً 

مِثلما القلبُ كانَ للحبِّ سَهما

___________

شعر/ ناصر عليان ( الذيبي)

_________________


 *١ يتقرَّى: يتحسس.

أبو عبادة: البحتري، إشارة لقوله في وصف إيوان كسرى:

يغتلي فيهم ارتيابي حتى* تتقراهم يداي بلمسِ

*٢ الصُّوى: علامات الطريق.

*٣ أخفَض لَيتاً: أمال عنقه.

*٤ كالما: كالماء.

*٥ كَلْما: من الكَلْم أي جُرحاً.

*٦ خِلْما: الخِلمُ الصديقُ الخالص.