إخواني غائبون
بهائي راغب شراب
..
إخواني غائبون
لا يعلمون
لا يقرؤون
كأشجار الخريف يتساقطون
يلم أوراقَهم الرعاءُ المارون على الطريق
يحفرون آثارهم ويسجلون
مررنا هنا
لم نقدم عروضنا
لم نواقع الأرض
لم نشرب البئر
والأطفال غائبون
وإخواني لا يتحركون
الكبير منهم أصلع يتيم
الصغير فيهم مصاب بالكساح
مسكين
وأوسطهم يشهر في وجهي
السكين
سقطت حروف إخواني من شهادات النساء
عندما الداية العجوز
سحبتهم من التنور
ألقتهم في مراجل العصور
مثل غابة مسكونة بالتربص والعواء
وحوشها يزأرون
نسورها في السماء يحلقون
ينتظرون ساعة الغذاء
لما تتنافر العصافير
وينتشر المنون.
إخواني غائبون
الأكبر مشلول
لا يرى ولا يشاهد الفنون
ولا تغريه روائح السنين
والأصغر ملعون
تآخى مع قبيلة القرود
وجهه محروق
والأوسط يتباهى بأنه ما زال يراقب السماء
ويحسب النجوم
هذه الدنيا تزول
والأرض ما عاد فوقها عاقل
ولا مجنون
وعصافير الحصاد
فوق الجياد يتناقرون
من منهم يلتقط الحَبَّ
ومن منهم تحطمه الظنون.
إخواني غائبون
عن شارع الحب
عن الشِعْرِ
عن خيام الرُحَّلِ
عن قوافل التجار
وعن بوابات الحدود
يهزأون بحلقات الذكر والعلم
ويتهامسون
من يسكن الليل
من صاحب اليوم
من الآتي المريب
الذي يحمل في صدره وردة السموم
من
ومن يكون؟
وإخواني غائبون
أولادهم.. أحفادهم
خيولهم وظلالهم
غائبون
هجروا الحقول
لا يجيدون زراعة العقول
وهمهم
جمع غلة السماء
من الرجوم
يشمرون للقتل عن سواعدهم
ويقتتلون
والحريق يلتهم الجذور
فتتيتم البيارق
وتهوي الحصون.
وإخواني غائبون
الأكبر أقعدته السنون
والأصغر مفتتن مهزوم
والأوسط يعاقر الخمر
محاصر بالهموم
وكوخي الضيق المحشور
واحة الرُحَّلِ عبر القرون
صار مطمعاً للغروب
لم تغرب الشمس عنه
منذ أُسْرِيَ بالرسول
لم تشرق الشمس عليه
منذ احتله "العابرون"
ومنذ غبنا
استسلمنا للغياب
وسلمنا القرون
قال أبي سأعود
لن يطول غيابنا
سنعود نعبئ الأحلام
في سلال البوص
نحملها على ظهورنا
ونبدأ الحياة إذ نمشي
ندوس على السعير
ونبدأ المسير
نتأخر في الوصول
ونحار في التفسير
وتطول ثيابنا
تمحو آثارنا فوق الطريق
ويبدأ الغياب من جديد.
أبي كان يقول
"أنا وابن عمي على الغريب"
سنعود إلى البداية
نعلن النهاية
نهاية الدرب الذي بلا نهاية
ونهاية العويل
لكنها أمي تولول في الصباح
لماذا يا أم العويل
لماذا النواح واللطام والتعفير
لكنها أمي كما تعلمون
لا أستطيع أمامها الكلام
ويعوزني التعبير
لكنها أمي
عندما جاءت ليلة الأمس
كان يملأها الحبور
توزع ابتساماتها على أطفال شارعنا العظيم
وغابت الشمس
لم تشرق بعدما انطفأ التنور
واحتلت البوم الخرائب
تدعو لسيد البلاد
المنافق
بالثبات وبالخدور
ما الحكاية
لماذا يا أم هذه النكاية
لماذا البكاء وهذا الزمهرير
لماذا عاصفتك تجيء
اليوم.. الآن.. اللحظة
بعثرت عناوين الوصول
فأجفل إخواني
سقطوا من جيوبي
فتاهوا
وضاعت جميع أقلامي.
غاب إخواني
الأكبر قبل أن يغيب أغواني
والأصغر قبل أن يغيب حيّاني
والأوسط ما زال متردداً
ضيَّع عنواني
غاب أحبتي.. جميعهم
قبل أن نلتقي
الليل والنهار
الغروب والشروق
وفرحة الانتصار
لعلها تجيء
في غفلة من الشُطَّار
في ساعة النوم التي استسلم لها
سماسرةُ الديار
ولعلها تجيء.. قنبلة
الانفجار
لا
لا تتهموني
لا توجهوا لي الإنذار
لست متهماً لكنني بحار
البحر فريستي
وحياتي الإصرار
لم أترك البحر
لكنكم خرقتم المركب
ولم تضربوا أيادي التجار
لا أخاً لكم
ولست أخاً لمن غاب
وأمسى بيننا.. الشيطان
لا تخوضوا البحر
الموج غنيمتي.. والأرض
والشطآن.
ماذا أقول عن أحبتي
عندما انتابتهم الكوابيس
أخفوا وجوههم بأكفهم المحروقة بنيران القهر والأحزان
ماذا أقول عن ليالي الصبا
لما لعبنا وبنينا بيوت الرمل وضحكنا فيما بيننا
لأننا أحرار.
وعندما باغتتنا ليالي الخوف
لم نهرب
واصلنا الانتصار
زرعنا قلوبنا حُباً
أطلقنا غناءنا يحلق مع سحابة الأسفار
وكنا أطفالاً
رجالاً
وكنا الشرفاء
لنا عبق التاريخ
وتفتح الأزهار.
إخواني الغائبون
هاكم قصيدتي اليتيمة
أين قصائدكم
كم تاريخاً أبيتم أن تكونوا
كم تاريخاً قتلتم قبل أن تصيروا
وكيف اغتالتكم الأسوار
لا تزيدوا في الكلام
لا معنى لكل ما تتنفسون به
من الأضغاث والأرقام
لا معنى لبقائكم مجردين
من الأفكار.
عراة مثل صحراء خاوية
لا عين تحرسها
ولا تُرِّقها الآبار؟
من منكم غير وجهه
من منكم غيرته سنون الانتظار
ومن منكم انكفأ على عصاه
وأقعدته الأرْضَةُ عن مواصلة السباق
والعمال قابعون
ينتشرون بين حجارة الوادي
يدلسون
غداً يخرج قانون الوجود
يطارد المتأقلمين مع الهبوط
والشمس لن تفتت الحجارة
فقد فتت القلوب
التي أقسى من الحجارة
وأضعف من الورود
وأمي ما زالت تهدهد رأسي المكلوم
تطهره من فسيفساء البراغيث
تحنو على مخي المهدور
لعلِّي أصحو
أقاوم الغروب
لا تمنعوا النهار
وأطلقوا الجنون.
إخواني الغائبون يرفضون الاتهام
يمتنعون عن الجلوس إلى مربع الاحتكام
يصرخون في الآكام..
ممنوع أن تتمزق لنا أكمام
ممنوع أن يحجزنا قفص الاتهام
ممنوع أن تحاكمونا
وأن تصدروا الأحكام
لست قاضياً
لا تهمني عواصف الانفجار
ولا تثنيني كوابيس الانشطار
لكنني كما تعلمون.. إنسان
أغرس الأشجار
أحلق مع الطير
أطاول شواهق الجبال
وأملك سرَّ الأرض
وأزغرد لما تفرح ليالينا
ولما عروس الفجر تتهادى أمام الناس
تبدأ عهد الدم.. والأحزان
تبدأ عصر العبيد والأسياد
وأراكم يا إخواني من العبيد
ترعون قطعان البهائم
تسوقونها إلى السيد المريب
سيد الصحراء
والنساء
والعبيد
يا إخواني ارفعوا صوتكم
سوطكم
واتركوني وحيداً أردد التراتيل
والنشيد
فأنا ما زلت حراً
كما أعتقد أنني يمكن أن أقول
وداعاً أيها المتهمون
وداعاً
قد انتصف النهار
ارفعوا أياديكم
ارفعوا أياديكم
ودعوني.. وحيداً
أو صريعاً
أو
دعوني أكمل المشوار.
هل أتينا من السراب
هل أعتقنا الفداء
والأرض
هل حافظت على وعدها، أن تبقى لنا
ألا تغادرنا
لما قوافلنا تبدأ الإياب.
إخواني غائبون
لكن القمر سكن صفحة السماء
أضاء فيروز الصدور
فتكهربت الأجواء
وإخواني ليسوا
الغرباء
والبحر له عيون إخواني وأعدائي
وله صدر بائعة الهوى، وعظامها المتنافرة
وللبحر هذيان الكافرة
وله شكل القراصنة
والجمجمة المجلجلة المتعلقة بالشراع
المتقطعة
وعيونه البحر تملأ قريتي الداكنة
تحتلها كل يوم ساعة واحدة
عندما يستشري السم في أجساد العاطلين عن العمل
حيث الشيشة الملغومة تدور عليهم واحداً وراء واحد
تلعنهم
وتحقنهم بسلالات الخنوع الهاوية
حيث ثمن التصاريح مدفوعة مقدما لصاحب العمل الوحيد
خلف خطوط الرؤية المبهمة
حيث التفاصيل تضيع بلا مقدمات وبلا ثمن
وحيث عمالنا يعودون إلى هجيعهم الأخير
يئنون فوق أسِرَّتِهِم الأرضية المفعمة بالخوف وبالجوع
قاتل الأفئدة
هذيان البحر يستشري كالضباب في العروق
يمنع وصولي إلى لحظة الانتشاء
يشوّه العنوان والبنيان
يهدم شُرْفَة التطلع إلى القادمين
حتى لا أكتشف زَيْفَ العابرين الآتين
من قارات الانتقام المُسْتَفْحِلة
وكان البحر فريستي
غنيمتي التي خبأتها كمفاجأة
أفاجئ بها أحبابي عندما نطفئ شموع الميلاد في الليلة المبحرة.
وعيونه البحر تقاومني
تمنعني الدخول
لأنني واحد
لكنني عندما أواجهها
تجدني جراداً يحوم، يدحر واجهة الشمس الساطعة
أثقل عليها الرؤية
حرمها من هناءة الفرح المهدور في حفلات الزفاف المؤجل من البارحة.
عندما انتشر السراب
احتل التخوم
فحسب البحر أنه سيد الأمور
أرسل أمواجه لتجمع التذكارات من شوارع قريتي المؤبنة
يبني من الأشلاء قلاعاً من الغضب اليتيم
غضب الحريم المؤصدة
وأطفال الشوارع
وشيوخنا المحطمون
قبل إعلان دولة القرية الصغيرة
التي يملأ حظائرها العفن المتوطن من تراكم
فضلات الأيادي الأخطبوطية
المتهالكة حول مائدة الانتعاش في جناح العناية المركزة
في مستشفى الموت الرحيم الذي أودى بكل الفصول
ولم يستبق إلا الخريف الآبدة.
وإخواني غائبون
الأكبر مدسوس
يراجع كتب التاريخ المحنط
يستبعد منه علامات التفوق والصعود
والصغير مسجل كتلميذ في مركز محو الأمية
يريد أن يمحو ال
فروق
والأوسط ساحر مكدود
سحره قديم، لا يجدي في عصرنا المسحور
غائبون
لا يدرون لهم شبيهاً عبر القرون
لا يفقهون معادلات التقدم والمرور
متخاذلون
أمام أول درجة للصعود
تهاووا جميعاً
أصابتهم لوثة القعود.
إخواني الغائبون
ارفعوا أياديكم عن أنفاسي
ارفعوا أياديكم عن جرحي المكلوم
ارفعوا أياديكم عني
وأطلقوا النهار
أطلقوه حراً يطير
كي أعود.
***