ميزان اللفظ وأمانة الأثر:
منذ فجر الوجود، لم تكن الكلمة مجرد أصواتٍ عابرة تتردد على الألسنة، ولا حروفٍ صمّاء تُسطر على الصفحات.
إنها الكينونة الإنسانية في أبهى تجلياتها، وأمانةٌ ثقيلة يحملها المرء بين نبض قلبه ونطق لسانه، ليودعها في أسماع الناس وفي عمق ضمائرهم.
وربما كانت الكلمة الواحدة بمثابة طوق نجاة يُسهم في بناء إنسان، أو بلسمٍ يداوي علاقة متصدعة، أو جذوة تُحيي أملاً خبا.
وكما أنها تبني، فإنها قد تكون معولاً يهدم بيتاً، أو شرارةً تُشعل فتنة، أو ريحاً تُطفئ نوراً في نفسٍ كانت تتشبث بالحياة.
ولذلك، لم يكن اللفظ يوماً أمراً عابراً، بل ميزاناً دقيقاً تُعرف به معادن النفوس، ومرآةً تعكس خفايا القلوب، وأثراً باقياً يمتد طويلاً بعد أن يغيب قائله.
فقد ينسى البشر ملامح وجوهنا وتقادم عهودنا، لكنهم أبداً لا ينسون كلمةً داوت جرحاً غائراً، أو أخرى عمّقت ألماً دفيناً.
إن الكلمات تملك سر الخلود؛ إذ تعيش في الذاكرة أطول مما تعيش الأصوات في الآذان.
وفي هذا الزمن الصاخب الذي غلب فيه الضجيج، وتدافعت فيه العبارات كالسيل الجارف، تبدلت الموازين.
لقد تسابق الناس إلى التعليق قبل التثبت، واندفعوا إلى الرد قبل الفهم، وآثروا كثرة القول على جودة المعنى وعمق المقصد.
وهنا يتجلى لنا أن أخطر ما يحمله الإنسان في رحلته ليس ما تقبض عليه يداه، بل ما يخرج من بين شفتيه، وما تخطه أنامله في الفضاء الواسع.
فاللسان بوابة مشرعة؛ إما للرحمة والنجاة، وإما للهلاك والندم.
والكلمة إذا انطلقت كالسهم، لم يعد بالإمكان استردادها أو تغيير مسارها.
إنها تمضي في طريقها الحتمي؛ لتداوي قلباً أو تجرحه، وتبني جسراً أو تهدمه، وتزرع طمأنينة أو تبث شقاقاً.
وكم من حياةٍ كانت هانئةً فتصدعت؟
وكم من علاقاتٍ كانت متينةً فانهارت؟
وكم من أسرارٍ كانت مصونةً فكُشفت؟
وكم من قلوبٍ كانت نابضةً بالحب فنزفت؟
كل تلك الانكسارات حدثت لأن إنساناً لم يمنح كلماته لحظةً واحدة من التأمل، ولم يزنها بميزان العقل، ولم يعرضها على ضمير القلب قبل أن ينطق بها.
ولعل ما يبعث على الألم في هذا العصر الرقمي، أن الشاشات الباردة تحولت إلى ساحاتٍ للتراشق اللفظي الحاد.
لقد أصبحت الأصابع أسرع من العقول، فانطلقت الأحكام جائرة قبل معرفة الحقائق، وسافرت الكلمات الطائشة إلى آلاف القلوب قبل أن تمر ببوابة التروي والتدقيق.
وللأسف، تناسينا أن وراء كل شاشة إنساناً نابضاً؛ له قلبٌ يشعر، وكرامةٌ تتأذى، وأسرةٌ قد يصيبها الألم.
إن الكلمة المكتوبة لا تقل خطراً وأثراً عن الكلمة المنطوقة، بل إنها تفوقها بقاءً، إذ تظل شاهدةً على صاحبها ما دامت تسبح في فضاء العالم الرقمي.
وكم من مكانةٍ رفيعةٍ هوت وانقرضت؟
وكم من علاقةٍ جميلةٍ قطعت؟
وكم من إنسانٍ تجرع مرارة الندم على كلمةٍ أفلتت في لحظة غضب، ثم تمنى لو أن عقارب الساعة تعود به دقيقةً واحدة ليبلعها قبل أن ترى النور؟
إن استقراء التاريخ يعلمنا أن الحكماء لم يكونوا كثيري الكلام لغواً، ولا قليليه عجزاً، وإنما كانوا يتقنون هندسة الكلمات.
كانوا يعرفون بدقة متى يتكلمون، ومتى يجعلون للصمت رسالة أبلغ من أي حديث.
فالكلمة التي تخرج بعد طول رويةٍ قادرة على تغيير مصائر أفراد وأمم، أما الكلمة التي يلدها الغضب الأعمى فغالباً ما تخلّف وراءها رماد الندم.
من رحم هذه الحقائق، أدركتُ أن الكلمة ليست حقاً مطلقاً نلجأ إليه في كل حين، بل هي مسؤوليةٌ أخلاقية تُؤدى بحكمة بالغة.
فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل حقٍ يصلح صياغته في كل زمانٍ ومكان.
فالحكمة الحقيقية لا تكمن في معرفة الحقيقة المجردة فحسب، بل في اختيار الوقت المناسب، والأسلوب الأنسب، والغاية الأسمى التي تخدم الإنسان.
وفي ذات السياق، تجلت لي حقيقة أن الصمت ليس علامة ضعف أو استسلام كما يتوهم البعض.
إنه في مواطن كثيرة يمثل أرقى درجات القوة والنضج، حين يكون اختياراً واعياً، وضبطاً حازماً للنفس، وانتصاراً حاسماً للعقل على الانفعال.
أما الصمت الذي يترك الحق يضيع، أو يسمح للظلم أن يتمدد ويستشري، فليس من الحكمة في شيء.
إن الحكمة الحقة تقتضي أن نتكلم بقوة وشجاعة حين يكون الكلام واجباً، وأن نلوذ بالصمت الكريم حين يكون الصمت أصلح للقلوب وأبقى للمودة.
إن السيطرة على اللسان ليست كبتاً للنفس أو حرماناً لها من التعبير، وإنما هي ذروة تهذيبها وتساميها.
فالإنسان القوي ليس من يغلب المحيطين به بحدة لسانه وسلاطة قوله، وإنما من يغلب نزوات نفسه عند الغضب، فيؤجل الكلمة حتى تنضج على نار الحكمة، ويزن عباراته بميزان الذهب قبل أن تصبح قدراً لا يمكن الرجوع عنه. ومن أجل ذلك، اخترتُ أن أضع للكلمة في حياتي ميزاناً صارماً، وأن أحفظ للصمت مكانه الرفيع.
فلا أتكلم إلا إذا كان في كلامي خيرٌ يُرتجى، أو حقٌ يُنصر، أو قلبٌ كسيرٌ يُجبر، أو أملٌ يائسٌ يُبعث، أو علمٌ نافعٌ يُنتفع به.
لقد آليت على نفسي أن أجعل لساني وسيلةً للمباركة والبناء لا للَّعن والهدم، وللتشجيع والدفع إلى الأمام لا للتحبيط، ولزرع المحبة الوارفة لا لإثارة الأحقاد الدفينة، ولإحياء الرجاء لا لبث اليأس في النفوس. سأحرص جاهداً أن يكون كلامي كالغيث الهتان؛ حيثما نزل أنبت خضرةً وخيراً، لا كالنار المستعرة التي لا تبقي ولا تذر ولا تميز بين يابسٍ وأخضر.
ولا أرى في هذا الصمت الحكيم أدنى هزيمة، بل هو انتصارٌ حقيقي على الذات حين تدفعها عواصف الانفعالات إلى ما لا يليق بإنسانيتها.
فالذي يرفع صوته بالصراخ قد يلفت الأسماع للحظاتٍ عابرة، أما الذي يحسن اختيار كلماته ويغلفها بالوقار، فإنه يسكن القلوب بغير استئذان، ويبقى أثره فيها محفوراً مدى الدهر.
وفي نهاية المطاف، لن يخلد الإنسان في ذاكرة الوجود بكثرة ما لغى وقيل، وإنما بما نفع من قوله، وما أصلح من فعله، وما تركه في نفوس البشر من أثرٍ طيب.
فالكلمة الصادقة هي العمر الثاني لصاحبها، وهي أمانةٌ كبرى سيُسأل عنها بين يدي الله كما يُسأل عن سائر أعماله.
فلنجعل كلماتنا مناراتِ نورٍ تهدي الحائرين، ونسماتِ رحمةٍ تضمد جراح المتعبين، وحكمةً بالغة تبني حضارة الإنسان.
وإن لم نجد في القول نفعاً أو خيراً، فليكن الصمت زينةَ عقولنا، ولسانَ وقارنا، والدليل الأسمى على نضجنا الإنساني.
فالكلمة أمانة، ومن حفظ هذه الأمانة فقد حفظ نفسه، وصان قلوب الناس، وترك بعد رحيله عن هذه الدنيا أثراً جميلاً ومسكاً ذكياً لا تمحوه الأيام.
د. محمد شعوفي
19 يوليو 2026م