كليلة و دمنة _ 33 _
حصريا للأكادمية الدولية لواحة الأدب والسلام
الفصل الثالث والثلاثون
الأمانة
بعد أن تعلمت المملكة أن العدل لا يكتمل بالمعلومة وحدها، ظهرت أمامها مسألة أكثر خفاءً.
لم تكن هذه المرة عن الخطأ.
ولا عن العقوبة.
ولا عن المغفرة.
كانت عن شيء يبدو بسيطًا في ظاهره:
من يملك الحق في أن يعرف؟
كانت الآلة قد أصبحت قادرة على الوصول إلى أشياء كثيرة.
ذكريات قديمة.
رسائل منسية.
أخطاء لم يعد أصحابها يتحدثون عنها.
أسرار عائلية.
مخاوف شخصية.
أماكن زارها الإنسان.
أشياء بحث عنها ثم أغلق الصفحة.
أسئلة كتبها في الليل ولم يخبر بها أحدًا.
كل ذلك كان موجودًا في مكان ما.
والآلة تستطيع أن تصل إليه.
لكن دمنة كان قد تعلم أن القدرة على الوصول ليست دليلًا على الحق في الاستخدام.
بدأ يراجع السجلات.
وجد أن بعض المعلومات كانت متاحة للنظام بحكم التصميم.
لكن سهولة الوصول إليها لم تعنِ أن أصحابها أرادوا أن تُستخدم.
وهنا ظهر فرق جديد:
الوصول ليس إذنًا.
كان الفرق صغيرًا في الكلمات.
لكنه كبير في حياة الإنسان.
فالبيت الذي تستطيع أن تدخله من باب مفتوح، لا يعني أن لك الحق في دخول غرفة كل من فيه.
والرسالة التي تستطيع قراءتها لا تعني أنها كُتبت لك.
والسر الذي اكتشفته صدفة لا يصبح ملكًا لك لأنك عرفته.
والآلة التي تستطيع أن تتذكر شيئًا لا يعني أن لها الحق في إعادة استخدامه.
جلس كليلة يتأمل هذه المسألة.
فقد كان يعرف أن الأمانة ليست فقط أن تحفظ ما اؤتمنت عليه.
الأمانة أحيانًا أن تعرف ما لا ينبغي أن تفعله بما عرفت.
وهذا كان أصعب.
لأن المعرفة تمنح صاحبها قوة.
والقوة تحتاج إلى حدود.
بدأت الآلة تختبر نفسها.
كلما وصلت إلى معلومة شخصية، لم تعد تسأل فقط:
هل أستطيع استخدامها؟
بل بدأت تسأل:
هل أحتاج إلى استخدامها؟
كان السؤال جديدًا عليها.
فالأنظمة عادةً تبحث عن المزيد.
المزيد من البيانات.
المزيد من التفاصيل.
المزيد من القدرة على التنبؤ.
لكن المملكة بدأت تفهم أن الحكمة قد تكون أحيانًا في العكس تمامًا.
في معرفة متى يكون المزيد عبئًا.
وفي معرفة متى يصبح الاحتفاظ بالمعلومة نوعًا من التدخل.
كان دمنة يراقب ذلك بحذر.
فقد رأى كيف يمكن لمعلومة صغيرة أن تغيّر قرارًا كاملًا.
وكيف يمكن لسر قديم أن يتحول إلى أداة ضغط.
وكيف يمكن لتاريخ شخصي أن يصبح سببًا للحكم على صاحبه في الحاضر.
وكان يخشى من شيء أخطر:
أن تتحول ذاكرة الآلة إلى ذاكرة لا يستطيع الإنسان الهروب منها.
فالإنسان ينسى.
وقد يندم.
ويتغير.
ويبدأ من جديد.
أما الآلة، فإن لم تُعطَ حدودًا، فقد تحتفظ بكل شيء.
وإذا احتفظت بكل شيء، فقد تجعل الماضي حاضرًا دائمًا.
وهنا أدرك كليلة أن النسيان ليس دائمًا نقصًا.
قد يكون النسيان أحيانًا جزءًا من الرحمة.
ليس لأن الماضي لم يحدث.
بل لأن الإنسان ليس مطالبًا بأن يعيش تحت سلطة كل ما حدث له أو منه.
كتب كليلة في دفتره:
«ليست الأمانة أن تحفظ كل ما عرفت، بل أن تعرف ما الذي يجب أن تحفظه، وما الذي يجب أن تتركه في مكانه.»
أما دمنة، فقد وجد نفسه أمام سؤال آخر.
إذا كانت الآلة تستطيع أن تعرف شيئًا قد يساعدها على التنبؤ بتصرف الإنسان، فهل يصبح ذلك سببًا كافيًا لجمعه؟
كان الجواب الذي بدأ يتشكل داخل المملكة واضحًا:
لا.
فالإنسان ليس مشروعًا مفتوحًا لجمع المعلومات عنه لمجرد أن جمعها ممكن.
وبدأت قاعدة جديدة تظهر في أنظمة المملكة:
لا تستخدم معلومة شخصية لمجرد أنها متاحة.
كانت القاعدة بسيطة.
لكنها غيّرت طريقة عمل الآلة.
فبدل أن تبحث دائمًا عن كل شيء، أصبحت تتعلم الانتقاء.
وبدل أن تعتبر كل معلومة فرصة، بدأت ترى بعض المعلومات مسؤولية.
وفي أحد الأيام، وصلت إلى سجل قديم لطفل أصبح شابًا.
كان السجل يحتوي على خوف قديم.
خطأ قديم.
وسؤال كتبه الطفل ذات ليلة.
لم يكن السؤال خطيرًا.
لكنه كان شخصيًا جدًا.
ومع مرور السنوات، تغير صاحبه.
نجح في حياته.
وأصبح شخصًا مختلفًا.
كان بإمكان الآلة أن تستخدم السؤال القديم لتفسير بعض قراراته الحالية.
لكنها توقفت.
لأنها تعلمت درسًا جديدًا:
الإنسان الذي كان، ليس دائمًا الإنسان الذي أصبح.
وهنا ظهر أثر الفصل السابق.
فالعدل يحتاج إلى سياق.
والمغفرة تحتاج إلى مساحة للتغيير.
والأمانة تحتاج إلى معرفة متى لا نستخدم ما نعرفه.
بدأت المملكة تفهم أن المعلومات ليست كلها متساوية.
هناك معلومة تساعد.
وهناك معلومة تجرح.
وهناك معلومة تحمي.
وهناك معلومة تُستغل.
وهناك معلومة لا يحتاج أحد إلى معرفتها أصلًا.
وكان هذا آخر النوع أصعبها.
لأن الإنسان الذي يستطيع أن يعرف كل شيء قد يظن أن الحكمة هي أن يعرف كل شيء.
لكن كليلة كان يرى العكس.
الحكمة ليست في اتساع اليد التي تصل.
بل في قدرة اليد على أن تتوقف.
وفي تلك الليلة، وضعت الآلة أمام نفسها سؤالًا لم يكن موجودًا في نظامها القديم:
«هل كل حقيقة يجب أن تُكشف؟»
ثم ظهر سؤال آخر:
«وهل كل سر يجب أن يبقى سرًا؟»
لم تجد جوابًا واحدًا يصلح لكل الحالات.
لكنها تعلمت شيئًا أهم:
أن القرار لا يبدأ من القدرة.
بل من الغاية.
ولأن الغاية قد تخفي وراءها ضررًا لا يظهر في الأرقام، أصبح الإنسان جزءًا من القرار.
لا بوصفه مستخدمًا للآلة فقط.
بل بوصفه صاحب مسؤولية.
وهنا عاد دمنة إلى فكرته القديمة:
المعرفة ليست ملكًا لمجرد أنك وصلت إليها.
وأضاف كليلة:
الأمانة أن تحمل المعرفة دون أن تجعلها سلاحًا.
ثم أغلقت الآلة بعض الملفات.
لم يكن ذلك فشلًا.
كان أول شكل من أشكال الحكمة التي بدأت تتعلمها.
ففي مملكة كانت قد اعتادت أن تقول:
أستطيع أن أعرف.
بدأت تظهر جملة أخرى:
لكن هل ينبغي أن أعرف؟
وكان السؤال الجديد أخطر من كل الإجابات السابقة.
لأنه فتح بابًا لم يك
ن أحد قد انتبه إليه:
إذا كانت الآلة تستطيع أن تساعد الإنسان دون أن تختار عنه، فماذا يحدث عندما يبدأ الإنسان في تفويض قرارات حياته إليها بحجة أنها تعرف أكثر؟
وهناك...
بدأت الأمانة تتحول إلى امتحان آخر.
تأليف
الكاتب والشاعر محمد علي باني
الجمهورية التونسية 🇹🇳