غابة الأيام
عَجَبٌ لِمَشْهَدِهِ الَّذِي لا يُفْهَمُ
حَقٌّ تَجَلَّى فِي صُوَرٍ وَتَوَهَّمُ
غُصْنٌ عَلَى مَتْنِ الجُذُوعِ مُعَلَّقٌ
وَعَلَيْهِ خُيُوطُ الحَذَرِ تَتَرَسَّمُ
صَقْرٌ يُحَلِّقُ فِي المَدَى مُتَأَمِّلاً
وَالحَيَّةُ الرَّقْطَاءُ حَوْلَهُ تَحُومُ
فِي عُشِّ طَيْرٍ، وَالفِرَاخُ غَضَّةٌ
تَسْعَى، وَمِنْ بَطْشِ الحَيَاةِ تَرُومُ
أَفْعَى تُطَوِّقُ بِالجُسُومِ بَنِيهَا
سُبْحَانَ مَنْ يَهْدِي، وَمَنْ يَتَكَلَّمُ
أَتَرَاهَا تَحْنُو عَلَيْهِمْ رِفْقَةً؟
أَمْ أَنَّهَا فِي غَفْلَةٍ تَتَعَلَّمُ
عَيْنُ الصُّقُورِ إِلَى الفَرِيسَةِ نَاظِرَةٌ
وَنَظِيرُهَا فِي صَمْتِهِ يَتَبَسَّمُ
يَا دُنْيَا، كَمْ جَمَعْتِ بَيْنَ ضِدَّيْنِ
فِي قَفْرِ وُجُودٍ، لا مَكَانَ يُقَسَّمُ
هَذَا هُوَ الدَّرْسُ الَّذِي فِي طَيِّهِ
سِرُّ البَقَاءِ، وَبِهِ الوَرَى يَتَعَلَّمُ
لا تَأْمَنَنْ قُرْبَ العَدُوِّ لِعِلَّةٍ
فَالغَدْرُ طَبْعٌ، وَالأَمَانُ مُحَرَّمُ
لَكِنْ لِحِكْمَةِ خَالِقٍ فِي صُنْعِهِ
تَمْضِي النَّوَامِيسُ الَّتِي لا تُهْزَمُ
فِي غَابَةِ الأَيَّامِ نَحْنُ كَطَيْرِهَا
نَسْرِي، وَبَيْنَ الخَوْفِ نَمْضِي وَنُقْسَمُ
أَفْعَى تَمُوجُ عَلَى الغُصُونِ لِأَجْلِهم
وَالصَّقْرُ يَرْصُدُ، وَالقَضَاءُ مُحَتَّمُ
فَإِنْ رَعَتْ، فَلِسِرِّ عَهْدٍ بَيْنَهَا
وَإِنْ بَطَشْتَ، فَكُلُّ ظَالِمٍ يَنْدَمُ
فَاخْتَرْ مَسِيرَكَ فِي الحَيَاةِ بِحِكْمَةٍ
فَالرِّفْقُ أَبْقَى، وَالسَّلامُ أَعْظَمُ
يَا أَيُّهَا القَارِي لِهَذَا المَشْهَدِ
خُذْ عِبْرَةً، فَالدَّهْرُ لا يَتَرَحَّمُ
كُنْ كَالصُّقُورِ إِذَا سَمَوْتَ بِهِمَّةٍ
وَاحْذَرْ نُفُوساً فِي الدَّيَاجِي تُغَمْغِمُ
وَانْسُجْ قَوَافِيَكَ الحِرَارَ بِحُرَّةٍ
فَالنَّظْمُ جِسْرٌ، وَالمَعَانِيَ تُحْكِمُ
عَاشَتْ حُرُوفُكِ فِي السَّمُوِّ مَنَارَةً
وَبِهَا صَدَى الأَرْوَاحِ طَوْعاً يُتَرْجَمُ
تَمَّ المَقَالُ، وَفِي خِتَامِ قَصِيدَتِي
وُدٌّ وَرِفْقٌ، وَالفُؤَادُ يُسَلِّمُ
*بقلمي: الأديبة عايدة صالح عريبي*