عَنْقَاءُ الْغَرَام
فِي عَالَمِ الذَّرِّ مُنْذُ فَجْرِ التَّكْوِينِ
أَزْهَرَتْ رُوحُكِ فِي طِينِي
كَمَا يَزْهَرُ الضَّوْءُ فِي عَيْنِ الْيَقِينِ
نَجْمَانِ طَرَّزَا جَنَاحَ الْأَبَدِيَّةِ
تَحْمِلُ خُطَانَا مَتَاهَاتُ الحُرِّيَّةِ
نَرْتَضِعُ النَّشْوَةَ بِلَا فِطَامٍ
أَلْقَانَا الْوُجُودُ فِي مَجَاهِلَ خَفِيَّةٍ
وُلِدْنَا نَبْضًا مُرْتَجِفًا... غُرَبَاءَ
تَنَاثَرْنَا كَغُبَارٍ طَلِيقٍ فِي الْفَنَاءِ
يَتَعَقَّبُ رُوحِي طَيْفُكِ الشَّارِدُ
فَتَذْرُوهُ كَفُّ الرِّيحِ فِي غَيَاهِبِ التِّيهِ
خِلْتُكِ غَيْثًا يُحْيِي عِجَافَ الْعُمْرِ
فَإِذَا الشَّوْكُ يَنْبُتُ فِي مَوْضِعِ الزَّهْرِ
اسْتَهْوَيْتِ الْهَجْرَ وَاعْتَنَقْتِ الْغِيَاب
كَأَنَّكِ مِنْ نُورٍ وَلَسْتِ مِنْ تُرَاب
بَقَايَا عَوْسَجٍ مَنْسِيٍّ أَنَا
أَمُدُّ جَذْرِي إِلَى نَبْعِكِ السَّرَاب
مَذْبُوحَ الظِّلِّ أَسْتَجْدِي السَّحَاب
لَيْتَ جَمْرَ الشَّوْقِ يَشْهَدُ لِلْجُرْحِ
بِمَا تَسَاقَطَ فِي مَوَاسِمِ الْخَرَاب
لِتَنْجَلِيَ الْأَسْتَارُ عَنْ طَلَاسِمِ الْعَذَاب
تَتَوَارَيْنَ كَأَنَّكِ لَمْ تَكُونِي إِلَّا احْتِمَالًا
خَاطَتْهُ الْأَوْهَامُ وَمَزَّقَهُ الْخِصَام
كَمْ طَافَتْ حَوْلَ لَيْلِكِ هَيَاكِلُ وَرُخَام
عَابِرُو سَبِيلٍ طَوَّقُوا مَعْبَدَكِ بِالْخِيَام
وَبَقِيتُ أَسْتَجِيرُ نَظْرَةً وَسْطَ الزِّحَام
عَيْنَاكِ اللَّتَانِ أَوْهَمَتَانِي بِالْخُلُود
مَحَتَا مَلَامِحَ ذَاتِي الْمَغْمُورَةِ فِي الأَحْلَام
كُلَّمَا هَزَّ الشَّوْقُ أَنِينَ لَهْفَتِي
تَشَقَّقَ صَمْتِي عَلَى شِفَاهِ الْعَطَشِ
يَثُورُ حُزْنِي كَآيَةٍ أَرْهَقَهَا الْبُكَاء
تَنَامُ الذِّكْرَى خَفِيَّةً فِي عُتْمَةِ الأَيَّام
لَكِنَّ الحَنِينَ مَا زَالَ مُنْطَرِحًا أَمَامَ البَاب
يَسْتَصْرِخُ كَطِفْلٍ تَاهَ عَنْ صَدْرِ الأَمَان
وَيَعُودُ الصَّدَى إِلَيْهِ جُرْحًا بِلَا جَوَاب.
الشَّاعِر: آل مراد