الجمعة، 12 يونيو 2026

أنا العاشق بقلم الراقي فاروق بوتمجت

 أنا العاشق

أنا العاشقُ الحُسنَ في كلِّ مَشهدِ

وفي طِيبِ لفظٍ وفي نُبلِ مَقصَدِ

أرى الجَمالَ رسالةً تتجلّى

فتُزهرُ في الروحِ مثلَ التورُّدِ

وأعشقُ حرفًا إذا جاءَ صادقًا

يُداوي القلوبَ من الحزنِ المُجهَدِ

فما الكلمةُ الغرّاءُ إلا فضيلةٌ

تُنيرُ الدروبَ لِساعٍ ومُهتدِ

أُشيعُ السلامَ الجميلَ بينَ الورى

وأزرعُ خيرًا في القريبِ والأبعَدِ

إذا ما نطقتُ جعلتُ القولَ طيبًا

بعيدًا عن التجريحِ والبغضِ والمَكدِ

فإني أرى في الكرامةِ منهجًا

وفي اللينِ سرًّا للفؤادِ المُوحَّدِ

أنا العاشقُ الحُسنَ خُلْقًا ومظهرًا

وأرجو رضى الرحمنِ في كلِّ مَشهَدِ

سأبقى أنثرُ الفضائلَ بينَ الناسِ

كعطرِ الربيعِ على الغصنِ المُغرِدِ

فإن ذُكرتْ سيرتي يومًا فحسبُها

أني دعوتُ إلى الخيرِ والكلمةِ الأجودِ.


الاستاذ: فاروق بوتمجت( الجزائر)

اعتذار غير مقبول بقلم الراقي سامر الشيخ طه

 قصة قصيرة بعنوان ( اعتذار غير مقبول)

كانت تجلس في أعلى المدرج في الصف الأخير بعيدةً عن الجمهور الذي ملأ الصفوف الأولى في الأسفل 

بينما الشاعر كان يلقي قصيدته الأخيرة في الأمسية بإحساسٍ عميق تفاعل معه الحضور بقوة

كان من على المنصَّة يتابع نظرتها المعلَّقة به وقد جلست أمامه في مستوى نظره

كانت تبكي بحرقةٍ وألم بينما الحضور يصفقون بحرارةٍ وكلما ازدادت حرارة التفاعل ازداد بكاؤها

هو لم يعرفها وقد أثاره بكاؤها غير أن نظرتها التي تعلقت به جذبته إليها بقوةٍ أعادته إلى ربع قرنٍ مضى من الزمن

ارتجف قلبه حين عرفها بينما كان يقرأ الأبيات الأخيرة والحاسمة من القصيدة

هي تعرفه وجاءت لأجله وكانت تظنُّ أنها ستحلُّ اشكالاً عمره ربع قرن لكن قصيدته الأخيرة أعاقت ذلك الحل

(اعتذار غير مقبول) هذا هو عنوان القصيدة التي لخَّصت العلاقة المبتورة بينهما

عندما أنهى قصيدته وانتهت معها الفعالية الأدبية، خرجت من الباب الخلفي

وبينما كان مقدم الفعالية يشكر الشاعر على ما قدَّمه ، خرج مسرعاً خلفها

كانت تجري بسرعةٍ وصوت نحيبها يصل إلى سمعه على بعده عنها

أسرع خلفها وصرخ باسمها فتسمَّرت في مكانها والتفتت دفعةً واحدة

وقف أمامها صامتاً ولم يسعفه لسانه بالكلام

كفكفتْ دموعها وتماسكتْ قليلاً وقالت:

لقد وصلتْ الفكرة وانتهى كلُّ شيء ثم عاد وخيَّم صمتٌ قاتل

كان لديه فضولٌ ليعرف أحوالها وما انتهت إليه

وكانت لديها نفس الرغبة ولكن جرح الكبرياء الذي خلَّفته في قلبه وعاد لينكأه في قلبها حال دون ذلك

هي لا تريد أن تعتذر بعد أن عرفت أن اعتذارها غير مقبول سلفاً

وهو لن يستطيع قبول اعتذارها بعد أن قرَّر وعلى الملأ أنه غير مقبول

عادت دموعها تنهمر بغزارةٍ وبدون كلام استدارت ومضت بينما وقف يرقب خطواتها المتسارعة حتى اختفت عن نظره

          المهندس : سامر الشيخ طه

ما لا تقصفه الحرب بقلم الراقي أحمد سعود عوض

 

ما لا تقصفه الحرب

أحمد سعود عوض

 

في الحربِ

لا تبحثُ الوردةُ

عن نافذةٍ هادئةٍ كي تتفتّح.

تتعلّمُ أوّلًا

أن تُخفي عطرَها تحتَ حجر،

أن تؤجّلَ لونَها قليلًا،

أن تنجو

في يدٍ ترتجفُ

ولا تتركُها.

هناك،

حيثُ ينهارُ البيتُ

قبل أن يُكملَ حكايتَهُ للباب،

وحيثُ تختلطُ رائحةُ الخبزِ

برائحةِ الحديدِ المحترق،

وتفقدُ المدنُ قدرتَها

على تمييزِ الصباحِ

من رمادِ الليل؛

يضعُ الإنسانُ يدَهُ على صدرِهِ

كمن يفتّشُ عن شاهدٍ أخير،

ويسألُ قلبَهُ بخوفٍ عارٍ:

هل ما زلتُ حيًّا؟

أم أنني فقط

لم أمُتْ بعد؟

الحربُ

تمدُّ يدَها إلى العينين،

تحاولُ أن تسحبَ المعنى

قبل أن يلمع،

أن تجعلَ الوجوهَ غبارًا بلا ملامح،

والبيوتَ خرائطَ ممزّقةً في يدِ الطين،

والأمهاتِ أكفًّا

تفتّشُ في الرماد

عن دفءٍ صغير،

والعشّاقَ

رسائلَ مطويّةً

تحتَ وسادةٍ

لم يَعُدْ لها سرير.

لكنَّ الحبَّ،

هذا الكائنَ الهشَّ

الذي لا يملكُ أكثرَ من اسمٍ

يرتجفُ في الذاكرة،

يعرفُ عنادًا

لا تفهمُهُ المدافع.

لا يوقفُ القذيفةَ في الهواء،

لكنهُ يمنعُها

من أن تصيرَ

الحقيقةَ الوحيدةَ في العالم.

في الحربِ

تصيرُ كلمةُ: أحبُّكِ

أثقلَ من الجبال.

تصيرُ خاتمًا صغيرًا

نجا في إصبعٍ مغطّى بالغبار،

منديلًا أبيضَ

تحتفظُ به امرأةٌ

كأنّهُ آخرُ شرفةٍ للغياب،

وصورةً مطويّةً

في جيبِ قميصٍ محترق

تُصرُّ على أن تُبقي الوجهَ

أكثرَ حياةً

من خبرِ موته.

أحبُّكِ،

تعني أنني لن أتركَ الموتَ

يسرقُ وجهَكِ من داخلي.

سأحرسُ صورتَكِ

من غبارِ الجهات،

وسأراكِ كاملةً

ولو حاولتِ الحربُ

أن تختصركِ

في سطرٍ باردٍ

على فمِ الغياب.

أحبُّكِ،

تعني أنني ما زلتُ أؤمنُ

بالحديقةِ

التي لم نزرعْها،

بالطفلِ

الذي ظلَّ في حلمِنا

ولم يولد،

بفنجانينِ

كانا ينتظرانِ صباحًا واحدًا،

وبالبيتِ

الذي انتظرَنا طويلًا

ثم سقطَ

كأنّهُ تعبَ

من الوقوفِ وحدَه.

ما أقسى

أن يحبَّ الإنسانُ

في زمنٍ لا يضمنُ فيه

أن يبلغَ المساء.

وما أبهى

أن يصرَّ على الحبِّ رغم ذلك،

كأنَّ القلبَ،

وهو محاصرٌ بالدخان،

يُشعلُ عودَ ثقابٍ صغيرًا،

لا ليرى الطريق،

بل ليثبتَ

أنَّ العتمةَ

لم تربحْ كلَّ شيء.

تقولُ الحربُ:

سآخذُ الجدران.

فيبقى الحنينُ

مسمارًا صغيرًا

في خشبةِ بابٍ مخلوع.

تقولُ:

سأكسرُ النوافذ.

فيخترعُ القلبُ

ضوءًا داخليًّا

ويعلّقُهُ

على جدارٍ لا يراهُ أحد.

تقولُ:

سأملأُ السماءَ بالطائرات.

فتفتحُ نبضةٌ

غرفتَها السرّية،

وتخبّئُ فيها اسمًا

لا تصلُهُ القذائف.

أن يحبَّ الإنسانُ

في زمنِ الحرب

يعني أن يخبّئَ في روحهِ

شيئًا طريًّا من العالم،

أن يصونَ دمعةً واحدةً

من الجفاف،

وأن يقولَ للخراب:

خذْ ما استطعتَ،

خذِ البابَ،

خذِ السريرَ،

خذْ ظلَّ الشجرةِ

عن الجدار،

خذِ المرايا

كي لا نرى وجوهَنا كاملة،

لكنني

لن أمنحَكَ روحي

كلَّها.

قد لا ينتصرُ الحبُّ

كما تنتصرُ الأشياءُ

في الحكايات.

قد لا يعودُ الغائب،

ولا ينهضُ البيتُ

من رمادِهِ،

وقد تبقى الرسائلُ مطويّةً

كأجنحةِ حمامٍ

قُتلَ قبلَ أن يطير.

لكنَّ الحبَّ

يتركُ أثرَهُ العميقَ

في المكان:

وردةً تحتَ خوذة،

مفتاحًا نائمًا

في جيبِ معطفٍ مثقوب،

مشطًا بأسنانٍ مكسورة

ما زالَ يحفظُ رائحةَ الشعر،

صورةً نجتْ من النار

وفي طرفِها سواد،

كوبًا مشروخًا

ما زالَ يحتفظُ

بأثرِ شفتين،

وزرًّا صغيرًا

سقطَ من قميصِ طفلٍ

وظلَّ يلمعُ

كعينٍ لم تُغلقْها الحرب.

وامرأةً تنتظرُ

لا لأنَّ الانتظارَ

يعيدُ الراحلين،

بل لأنَّ الوفاءَ

يمنعُهم

من الغيابِ النهائي.

في زمنِ الحرب

لا نسألُ:

هل يموتُ الحب؟

بل نسألُ:

ماذا يبقى من الإنسان

إذا خرجَ الحبُّ من صدرِهِ

ولم يعد؟

والجوابُ

يخرجُ من قلبٍ مكسور،

لكنّهُ ما زالَ ينبض.

يخرجُ من وردةٍ

خبّأتْ ع

طرَها تحتَ حجر،

ثم قالتْ للعالم

حين مرَّ الدخان:

أنا هنا.

لم أقُلْ كلمتي بعد.

ويبقى الحبُّ

آخرَ شاهدٍ

على أنَّ الحربَ،

مهما أتقنتِ القصف،

لم تستطعْ

أن تنتصرَ

على الإنسانِ كلِّه.

سحر الحروف بقلم الراقي كاطع حسون

 سِحرُ الحُروف

إني لأهديكَ مِنْ شِعْري محاسِنَهُ

وأنتَقيهِ عَلى أسْمى مَعانيهِ


وَما عَلَيْكَ سِوى تَُصْغي لِأحْرُفِهِ

لِتَسْمَعَ السِحْرَ فِي أحْلى قَوافِيهِ


يَهيمُ قَلْبُكَ إنْ تُصْغي لِمُنْشِدِهِ

وَيَسْكُرُ اللّبُّ في أرْقى مَبانِيهِ


تَنْسى الهُمومَ إذا تُصْغي لِمُنْشِدِهِ

كأنَّ هاروتَ يُلْقي سِحْرَهُ فيهِ


وَيَخْشَعُ الصَّبُّ مِنْ ألْحانِهِ ولهاً

كأنَّما تُولَدُ الأشْجانُ من فيه


يبكي المحب علی ألْحانِهِ طَرَباً

يقولُ لِلْنَفْسِ في أجْوائِهِ تِيهي


فلا يَبورُ قصِيدٌ حَرْفُهُ عَذٍبٌ

ولا تَضٍيعُ جُِهودٌ في نَواحِيهِ

 

الْكُلُّ سَكری إذا أصْغَوا لمُنْشِدِهِ

لا مِنْ شُرابٍ ولكِنْ حينَ يُلْقيهِ


إنَّ المحبَّ وَإنْ أزْری البيانَ بهِ

يَرْجو المَزيدَ وإنْ طالَتْ أماسِيهِ


بقلمي

عباس كاطع حسون /العراق

عدسة الصيف بقلم الراقي محمد محجوبي

 عدسة الصيف 


. ...

ساءلتني نوارس البحر الهارب : متى تعيد خلطة الشعاع على صدر الشط المتدحرج في ذكراك 

متى تعيد للشمس اليتيمة قرصها الوردي المدلل وأنت العابر أصيلك الندي تبتلع حبات التفاصيل وتصفف شعر القمر على شرفة نادرة الضوء 

وقد ورثت شوك المسافات أزيزها الغابر الضلوع ، ورثت خيوط التنائي تحيك بها جبة ليل تتسلل أناتك المدسوسة أوراق الخريف ،، 

حين تقرأ فنجان المساء تشيخ أفكارك مهجة الإجترار تتصلب شرايين القصيدة وخز جفافها ،، لتصير صيدا لكماشة الذكرى كأنك معزوفة ليل غريبة الصدى تناساها سرب حمام في جب الحكاية 

أنت الآن على مسافة بعيدة من واد غير ذي زرع نفقت حيتانه ونضبت مياهه وتوحشت غاباته ولم يبق في وجوه الدائرة الشوكية سوى وشما من ذكراك تسكنه طيور اغتراب لتنتهي مرغما بأثقالك الليلية تدلي بدلوك في فتوى الشوك وغلظة الضباب .

 محمد محجوبي الجزائر

الغسق الذي علمني اسمك بقلم الراقي عاشور مرواني

 الغسقُ الذي علّمني اسمكِ


لم أعرفِ اسمكِ حين كنتُ أظنُ أني أعرفُهُ

كان اسماً ثقيلاً كحجرٍ في الفم

يرميه العشّاقُ في الأنهار

وينتظرونَ صدى

لا يصل.


لكنني الليلةَ،

حين أطبقتِ البابَ بهدوءٍ لا يشبهُ وداعاً

وحين ظننتُ أن الصمتَ صمتٌ،

تعلّمتُ اسمكِ.


تعلّمتُه من رائحةِ الخبز في الصباح

حين لا يكون جائعاً أحد،

من صوت المطر على حديد النافذة

حين لا تكونين،

من ظلّي على الحائط،

وحيداً، مائلاً قليلاً نحو اليسار،

مثل شجرةٍ نسيتْ جهةَ الريح.


كان اسمكِ مخبوءاً في الأشياء التي لا ننظر إليها:

في الزرّ المقطوع من قميصي القديم،

في الكأس المكسور الذي لم نرمه،

في نهاية جملةٍ

قالها أحدهم في القطار وضحكَ،

وأنا لم أفهم لماذا ضحك،

وأنتِ لم تسمعيها أصلاً.


هذا هو اسمكِ الآن:

غسق.

لا الليل، لا النهار.

غسقٌ تخرج فيه الحيواناتُ من جحورها

بلا خوف،

لأن الخطر البعيد

لا يشبه الخطر.


تعلّمتُ اسمكِ من طعم النسيان:

نسيانٍ خفيف،

كنسيان المفاتيح في جيب المعطف،

تذكرُ أنك نسيتَها فتضحكُ

لأن الباب لم يكن موصداً

أصلاً.


الاسم الذي لا أنطقه

ليس لأن الحروف تخونه،

بل لأن الغسق لا يُقال.

أقف الآن على العتبة،

في هذا الغسق،

ولا أتحرّك


عاشور مرواني

الصمت بقلم الراقية نغم عادل

 الصمتُ

حديثُ أصمٍّ،

تبوح به

النفس .. لنفسها

ولا يسمعها غيرك.

أصلُ الوجع

حكايةُ صمتٍ تخصك وحدك

وأنت

 بطلُ الحكاية.

تتألمُ وهذا طبيعي

فهو ألمُك أنت.

القلبُ

مدينةٌ حزينة،

وقصةٌ

بطلُها شعورٌ

لم يُخلق إلا لك أنت.

أصلُ الوجع

يسرقُ سعادةَ القلب،

وملامحَنا،

ويسرقُ سلامَ الروح.

ويكفينا أن نتعافى بالصمت،

لنُخفي خلفه

ملامحَ الانكسار.

بقلمي

نغم عادل

دمياط

هفيف هذا الهوى بقلم الراقية سميرة بن مسعود

 هفيف هذا الهوى على القلب مال  

غير دواليب عقلي وزاد جمال

مابال حبيب القلب ماكف دلال

بعثر روحي كالتبر فوق الرمال

يوما يشدني إليه ويوما يضيق به الحال 

تجمعني به أشواق كالغصن إن مال 

فتنتعش الروح وتمتثل له امتثال

فساعة بقربه لا تشترى بأموال

فعزف الروح لروح يحرك التمثال 

ومن لم يذق طعم الهوى ماراق له البال

شربت من نبع الهوى وما عرفت له اكتمال

وهذا حالي في من عشقت نسيانه محال 

لا تسألوني فيه بعدا لا نقاش ولا مجال

بقلمي ..سميرة بن مسعود

ظلال لا ترحل بقلم الراقي طاهر عرابي

 "ظلال لا ترحل”


طاهر عرابي


دريسدن – كُتبت في 10.03.2025 | نُقّحت في 12.06.2026



يا وردًا يختبئ في حلكة الليل،

ويا عبثًا يشتبك مع تمرّدي كلما ضاق بي الطريق،

دعوني أتذكّر صلاة القمر في المعبد،

حين يختفي تاركًا صباحًا يتمدّد،

وأنا أبحث عن مخرجٍ من هذا المولِد.


نحن غرباء في هذا الكون،

نقتات من رذاذ اللسان وقت الصراخ الفارغ،

ثم نغفو جياعًا عند آخر حدود الفناء.

نصنع يقينًا من غضب،

ونطليه ببهجة المهزوم من ثقل النهار.

نخترق نجمًا نراه عفيفًا وساكنًا،

كأننا نشاركه إخفاء الذات —

وما ذاك إلا شغفٌ بالكبرياء.


منذ زمن سقراط ونحن نتحوّل،

نبحث عن الفضيلة في مواكب الغوغاء

الذاهبة إلى قاعات المؤتمرات.

نبرّر للثعلب قتل الدجاجة،

ونحارب الآفات بكيمياء العلم،

بسعادة المجهر وهو يراقب موت البراغيث.


القتل مسيرة نتقاسمها عبر الأجيال:

هذا يقتل جوعًا، وذاك طمعًا.

كلُّ حروبنا جرائم،

إلا حربًا واحدة كانت مبرّرة:

الحرب بين الروح والجسد

حين نعجز عن فهم الجمال.


متى ننتصر لسقراط؟

لقد شرب السمّ وهو يحاور الناس،

حتى قال له السمّ:

«سأمحيك، وأدخل معك التاريخ، وننجو منهم.»

لن ننتصر لسقراط،

إما لأننا مغفّلون،

أو لأنه كان مشاكسًا ونزقًا،

قادوه إلى القتل،

وكان الموت خيارًا أحبّته لنا الأخلاق.

فمات سقراط، وعاشت الأخلاق،

تؤرّق ضمائرنا بطعناتٍ ولعنات.

ما أشقانا حين ندرك معنى العبث،

وجمال البريء قبل حلول الضجر.


كنتُ أحلم بتجميع الفؤوس والسيوف،

لأصهرها وأصنع منها تمثالًا لآخر بطلٍ مات

ملدوغًا من أفعى،

لأني أخجل من الرمح وقرقعة الغزاة.


«إياك أن تقتلني لأني أتمرد،

ولن أقتلك لأنك تحب الحوار.

إن بيني وبينك سقراط،

الذي هزم الشجاعة ليغرق في ظلال الأبد.»


هرمتُ ببطءٍ شديد،

وأحسست أني أمضي مع عُشر ما تبقّى من القوّة

التي دفعتني للتنقّل بين عوالم النهوض والسقوط،

تسكن أطرافي، ومنها اللسان.

صار الشكّ أقرب إلى مناجاة رخيصة.


أحبّ التكهّن لأفرّ من العقاب أو المديح،

وأعترف أن كلّ العطور التي شممتها

تتبدّد ولا تترك أثرًا.

كلّ الورود التي رأيتها

تذبل، ثم تهوي لحافًا للزمن

الداخل في عنق المزهرية.

كلّ الهواء الذي تنفّسته

يخرج متعبًا، ويدخل دون اكتراثٍ بوجودي.

أجرّه معي تحت اللحاف وفوق الرصيف،

وأتركه في فنجان القهوة كي أحيا،

ولم أقل له يومًا:

«تمتّع بي وأنت في داخلي،

واحمل معك حين تغادر صدري

شيئًا من القلق والشكوك والهفوات.»


أنا كائنٌ بشري ينتمي لكيانٍ يتنفّس،

ولولاه لكنتُ خشبًا.

حتى الصبر الذي استخدمته كان كاذبًا،

يمهلني كي أتجوّل في الظنون،

وأبتسم لخيالٍ لن يصبر على بلاهتي.


لماذا نفرح في يومٍ نُرهقه بما نطلب،

ونحن خارج معادلة القرارات؟

غرباءُ ملهوفون،

نلهث الشفقة من لون الجلد.

ابقَ حنطيًا، أو ورديًا، أو أبيضَ يسرّ عيني،

فقد هُجرنا عن الحرص على الجمال قسرًا،

أو تركناه كرهًا في مجاملة الغوغائيين،

أو نسيناه نكرانًا لفضيلته،

لنكون — ولأول مرة — كيفما نكون،

غرباء بلا أيّ حنين.


هل يكفينا أن نتطلّع إلى الجذور وهي تستقي

لننتمي لصباحٍ أخضر؟

أصبحنا منافقين دون أن نشعر،

ضبابًا بشريًا

خاليًا من ماءٍ نعطيه لشجرٍ يكبر.

لكن القسوة تكمن في من يُنكر.

لا نُنكر، ولن نُنكر.

والعمر يُصنع من مرايا محاطة بالورد.

هل ننظر؟


صورُنا أمامنا،

تمزج ضوء النهار برقّة شموع المساء.

وخائن القيم أعمى،

ونحن ندرك معنى أن نكون

بين لذّة الصدق وأمانة الوفاء.


حتى لو تغرّبت القارات،

وغادرت البحار شواطئها،

وتركت الحيتان عظمها،

واكتست بجلدٍ يشبه ألوان الخريف،

سنبقى، لأننا خُلقنا لنبقى،

ولنا ظلالٌ لا ترحل

في كلّ ثواني العمر.

ومنذ آلاف الأجيال كنّا عبرة،

وأصبحنا ثورة،

نقول ونكتب:

«سنبقى نطفو على الحقيقة،

ونسمي اليقين معجزة.»


دريسدن- طاهر عرابي

ما بين الركام واليقين بقلم الراقية هيفاء البريجاوي

 قصة قصيرة 

بقلم الكاتبة السورية هيفاء البريجاوي 

ما بين الركام واليقين 

في ركنٍ من أركانِ أرضٍ أنهكتها الحرب، وُلد شابٌ لم يكن صوت ألم روحه كغيره من الأطفال، بل كان صدى مخاض ألمٍ مبكرٍ سبق عمره. 

لم تكد طفولته تكتمل حتى التهمت النيرانُ ما تبقى من دفءِ بيته، وابتلعت رفاتُ الحرب صوت حنان وقوة والديه في لحظةٍ واحدة، كأنّ القدر أراد أن يختبر قلبًا لم يتعلم بعد على العوم فوق أمواج الاستسلام.


نجا وحده… لكنّه لم ينجُ كما ينجو الأحياء، فقد خرج من تحت الركام بجسدٍ أنهكه الفقد، وبعمودٍ فقريٍ انكسر، فصار مقعدًا يرافقه الألم كظلّه، غير أنّ ما لم ينكسر فيه كان أعمق من العظم: روحٌ لم تعرف الهزيمة.


كبر اليتيم بين ذاكرةٍ مثقلةٍ بالرماد، لكنه كان كلما أغمض عينيه رأى حلمًا واحدًا يضيء العتمة: أن يعيش إنسانيته كاملة رغم كل ما سُلب منه. لم يسمح للمقعد أن يكون قيدًا، بل جعله نقطة انطلاقٍ إلى معنى آخر للحياة.


وفي رحلةٍ أشبه بالمعجزة، حملته موجات البحر في قاربٍ مجهول، كأن الحياة نفسها كانت تختبر صبره مرةً أخرى. 


كانت الأمواج تعلو وتخفض، لكن قلبه كان أعلى من الخوف، مرددًا في داخله: “إن كانت الأرض ضاقت، فسماء الله لا تضيق”.


وصل إلى إسبانيا، لا يملك إلا جسده المتعب وأحلامه الثقيلة، لكنّه امتلك شيئًا لم يره الآخرون: عزيمة تُشبه جذور شجرة لا تنكسر بالعواصف. هناك، التحق بأعلى الجامعات، لا كطالبٍ عادي، بل كرسالةٍ تمشي على كرسي، تثبت أن الإرادة قد تحمل الجسد إلى حيث لا تصل الخطى.


ومع الزمن، لم يعد ذلك الشاب مجرد ناجٍ، بل صار متعهدًا لعطاءٍ واسع، مؤسسًا لجمعية أيتامٍ جمعت من تفرّقوا، ووحدت من تشتتوا، وكأن فقده الأول تحوّل إلى بابٍ لاحتضان آلاف الفاقدين الأمان .

صار الطموح فيه شجرةً تمتد فروعها إلى كل محتاج، وتثمر علمًا وصلاحًا في كل أرض.


كان يقول دائمًا في صمت عمله: إن الوجع إذا صُبغ بالإيمان صار نورًا، وإن الإنسان حين يعطي مما كُسر فيه، يخلق من الكسر حياةً جديدة.


ومع الأيام، لم تعد الجمعية مؤسسة فقط، بل بيتًا كبيرًا تتفرع منه قلوبٌ مؤمنة، وأبناء علمٍ وصلاحٍ انتشروا في بقاع الأرض، يعودون كلما اشتد بهم الحنين إلى ذلك

"الأب الخفي المقعد” الذي لم يكن قائدًا بالمنصب، بل بالمعنى.


ذلك الأب الذي وحّدهم على مقاعد الحب، وجعل من آلامهم سلالم مجد، ومن جراحهم طريقًا نحو أمةٍ تتعلم كيف تحتضن محنها بدل أن تنهار تحتها. 


تحولت قصتهم إلى مدنٍ مضيئة بالعلم والخلق، وكأن الألم نفسه قد صار مادة بناءٍ للحياة.


وفي لحظةٍ ما، عادوا جميعًا إلى بيت الجد كعهد أول ابتدأ ببسملة اليقين ، لخطوات نجاح حقيقي ،كتحدي للصعاب ببلسم الرضى ، وإرادة الثبات .

حيث بقي كرسيه شاهدًا صامتًا على رحلةٍ بدأت من تحت الركام ولم تنتهِ بعد. 


لم يكن الكرسي مجرد خشب، بل ذاكرة أمةٍ تعلمت أن الفقد يمكن أن يصنع معنى، وأن الغياب قد يتحول إلى حضورٍ أعمق من كل حضور.


ذلك الكرسي صار عبرةً للأجيال: أن الضعف حين يُرفع بالإيمان يصبح قوة، وأن الإنسان حين يختار الخير، يعود إليه الخير أضعافًا مضاعفة، وأن الأمل لا ينهزم ما دام في القلب نبضٌ يقول: “هناك غدٌ يستحق أن نكمل”.


وفي يومٍ من أيام الجمعة، حيث السكينة تتنزل كرحمةٍ على القلوب، وقفوا جميعًا يستذكرون رحلته. ليكون موعد ثابت . لمواصلة شحذ الهمم ، لتبليغ رسالة جمع الصدقات بصندوق قلوب تبلغ الرسالة حق تبليغ .لأن بذور الحلم الأجمل ، تحول لبيدر من محاصيل الوفاء لهذا المقام العظيم 


فلم يكن هناك بكاءٌ على الألم بقدر ما كان شكرٌ على التحول. 

فقد فهموا أن الله لم يتركهم في العتمة، بل كان يُنبت من كل وجعٍ نورًا، ومن كل سقوطٍ قيامًا، ومن كل فقدٍ معنى.


هناك، بين الدعاء وسكون اللحظة، أدركوا أن القصة لم تكن قصة شابٍ فقط، بل قصة رحمةٍ إلهية كتبت بحبر الزمن، وأن الخير حين يُزرع بإخلاص، لا يموت… 

بل يعود مضاعفًا، ويُورث كالنور، جيلًا بعد جيل.

هناك عقيدة حفظ حينما ننوي تخطي رحلة السفر إلى موعد وصول . 

نصل بقوة إيمان ، ورحمة ، ومودة تحفظ النعم ، وتزيد البركات .

نمر على جمر الألم، ورحلتنا لم تنتهِ بعد .

لينبت العزم والإصرار وهناك يد خفية لا تبخل علينا بمظلة العطاء بدون سؤال . والمنع بلا حجب ، والعطاء بلا قيد من خزائن تفتح لنا بوابات الخير حينما نعي كيف نجيد الدعاء بالعمل والسعي بنور قلب ، ويقين حضور . وإخلاص لا يضيع معه أجر يعرف طريقه الينا حينما يشتد الابتلاء .

الافق بقلم الراقية فريدة كمال

 الأفق لا يهرب

الخيالُ جزءٌ منك يسبقك إلى حيواتٍ أخرى؛

يجرّب عليك كلَّ الملابس،

ويسكن فيك كلَّ الاحتمالات،

ويعود إليك بأخبار ما لم تعشه بعد.

لكنه يعود عاريًا،

إلا مما امتلكته حقًّا.

فالخيالُ أنت —

يريك ما تحبّ أن يكون،

ويريك ما تخشى أن يكون.

فإما أن تخطو ولو بالخطأ،

أو تهرب إلى ما لا يتجاوز ظلك.

كشّافٌ لطريقك،

يزداد اتساعًا كلما صفَت روحك،

أو لا يتجاوز خطاك الأولى.

وبينما تمضي،

يهمس لك أن في الأفق ما ينتظرك —

وأن الأفق لا يهرب،

بل أنت من 

يقترب


 فريدة كمال

آخر رجال الزمن الغابر بقلم الراقي جمال بودرع

 /آخِرُ رِجَالِ الزَّمَنِ الغَابِرِ/


أَيْنَــنِي...؟

أَتُرَانِي فِي غَيْرِ زَمَنِي؟

أَتُرَانِي قَشَّةً بَيْنَ أَشْوَاكِ الحَصِيدِ؟

أَمْ أَنَّنِي ظِلٌّ تَأَخَّرَ عَنْ صَاحِبِهِ

فَضَاعَ بَيْنَ الطُّرُقَاتِ وَالمَوَاعِيدِ؟

أَيْنَنِي...؟

وَقَدْ نَسَجْتُ

مِنْ رُمُوشِ الحَنِينِ بُرْدَتِي

لِأُدَثِّرَ مَفَاتِنَ خَيْبَتِي

وَمِنْ نَزِيفِ سَذَاجَتِي

صَغْتُ أَنْشُودَةَ انْكِسَارِي

وَغَرَسْتُ فِي تُرْبَةِ الوَهْمِ

آخِرَ أَحْلَامِي

فَلَمْ يَنْبُتْ

سِوَى شَوْكِ الأَسَارِي

أَيْنَنِي...؟

أَفِي مَنَافِي الرُّوحِ أَمْ

فِي زَحَامِ الوُجُوهِ التِي لَا تَرَانِي؟

أَمْ أَنَّنِي حَرْفٌ تَائِهٌ

سَقَطَ مِنْ كِتَابِ الزَّمَانِ

فَمَا عَادَ يَعْرِفُ عُنْوَانَهُ الثَّانِي؟

أيْنني... ؟


بقلم :جمال بودرع (رَجُلٌ مِنَ الزَّمَنِ الغَابِرِ)

فاتحة الجمال والروائع بقلم الراقي ابن سعيد محمد

 فاتحة الجمال والروائع

بقلم الأستاذ الأديب : ابن سعيد محمد 


مددت خطوي بشهر طاب منظره  

آذار تاه جميل الوجه ريانا 


مددت خطوي و صبحي باسم رنم 

يثير روحي و أهواء وأشجانا 


يا لوحة عبقت بالحسن شادية 

تحيي شعورا سما بالشدو ولهانا  


على يميني ورود زانها ملمحها 

قطر لميع سبى قلبي وأكوانا  


و عن يسار ي طيور تزدهي بمنى 

و تغمر الأفق بالإطراب ألوانا   


و الشمس تلقي شعاعا عز منظره 

تبرا تهادى يعم ا لرحب ما كانا  


صمت أثار جمالا فائقا غردا  

سقى الروائع أشذاء و ألحانا  


يا مرقص الشدو والأفواح ، يا سفرا  

حوى الروائع و الإبداع أفنانا  


صمت يلازمني والقلب منشرح 

يصغي إلى محفل الآمال ضمآنا 


 يا روح كون تخط الحسن منتشيا 

و تنعش العمق من بلوى و مهوانا  


سكبت سلسال نهر آسر و منى  

تنوسيت ردحا أجمل بلقيانا


يا رحلة عطرت روحي ومنعطفي 

و أيقظت ملهمات الكون وسنانا 


و ألهمتني مزايا كنت أجهلها  

و قومت مسلكي بالنور تحنانا


سحائب منحت عمري شبيبته 

و صيرت دربي المغبر نيسانا  


 ذاب الفؤاد و ذاب الحس في شغف

بمحفل الحسن ميادا تلقانا


ذاب الفؤاد وروحي حلقت صعدا  

نحو الجمال تهادى في حنايانا 


يا روعة الأمس ،يا حسي و باصرتي 

يا ناي خلد جرى بالحسن سلوانا


 الوطن العربي : الأربعاء : 10 كانون الأول // ديسمبر / 2025م