الثلاثاء، 14 يوليو 2026

ما تبقى مني بقلم الراقي بهاء الشريف

 ما تبقّى منّي


لم يسرقني أحد…


كنتُ، في كلِّ مرةٍ،

أفتح نافذةً من روحي

وأدعو الريح للدخول.


ثم أتعجّب

كيف امتلأ البيتُ بالفراغ.



أمضيتُ عمرًا

أُصلح صورتي

في عيون الآخرين،


بينما كانت ملامحي،

في مكانٍ ما،

تنتظر أن ألتفت إليها.



لم تكن روحي صاخبة.


كانت تعرف

أن الحقيقة

لا ترفع صوتها.


ولهذا…

كلما ازدحم النهارُ بالأصوات،

انسحبت إلى ركنٍ هادئ،

تنتظر

أن أتذكّرها.



وكنتُ…


كلما ناداني أحد،

أسرعتُ إليه.


إلّا ذلك النداء

الذي كان يجيء

من أعماقي.


كنتُ أؤجّله دائمًا،

كأنني أملك

عمرًا آخر

لأعود.



حتى جاء يومٌ

لم يتغيّر فيه شيء.


الشوارع هي الشوارع.


والوجوه هي الوجوه.


والسماء

لم تُرسل علامةً جديدة.


الذي تغيّر…


أنني توقفتُ

عن الهرب.



عندها…


سمعتُ الصمت

لأول مرة.


ولم يكن الصمت

غيابَ الكلام.


كان امتلاءً

بصوتٍ

نسيته طويلًا.



سألني…


دون عتاب:


أما آنَ لك

أن تعيش

بوجهٍ واحد؟


فسقطت،

في لحظةٍ واحدة،

كلُّ الوجوه

التي أتقنتُ ارتداءها.


ولم يبقَ…


إلّا وجهي.



ومنذ ذلك المساء،


لم أصبح

إنسانًا آخر.


بل كففتُ

عن إضاعة

الإنسان

الذي كنتُه.



وحين مرَّ الحب…


لم يجد قلبًا

يطلب النجاة.


وجد قلبًا

يعرف الطريق

إلى نفسه.


فجلس…


لا ليُكملني،


بل ليشاركَني

اكتمالي.



أعرف الآن…


أن أكثر ما يُتعب الإنسان

ليس طول الطريق…


بل أن يمشيه

وهو يبتعد،

في كل خطوة،

عن نفسه.


وأعرف أيضًا…


أن العودة

لا تبدأ

حين نجد الطريق…


بل حين نكفُّ

عن الهرب

بقلمي

بهاء الشريف

٢٠٢٦/٧/١٤

مجلس حراس الضاد بقلم الراقي حسين عبدالله الراشد

 مجلس حراس الضاد


مشهد أدبي متخيل في حضرة العربية وعلمائها


ليست اللغة أصواتا تعبر الهواء، ولا حروفا تستقر على الورق...


اللغة عمر أمة، وذاكرة حضارة، وصوت التاريخ حين يتحدث، وهي الوطن الوحيد الذي يحمله الإنسان معه أينما ارتحل.


هي الجسر الذي يعبر عليه الماضي ليصافح الحاضر، والنبض الذي يصل الأجيال بعضها ببعض. فإذا ضاعت اللغة، ضاعت الحكايات، وغدا الماضي غريبا عن أبنائه.


قد تبنى المدن بالحجارة، وتشيد القصور بالرخام، وترسم الحدود بالسيوف...


أما الأمم، فلا تبقى إلا بلغاتها.


ولهذا لم تكن العربية يوما ميراثا نتسلمه من آبائنا، بل أمانة يحملها كل جيل، ثم يسلمها لمن بعده أكثر رسوخا، وأغنى علما، وأجمل بيانا.


بها حفظت الأمة دينها، ودونت علومها، وروت تاريخها، وأنشدت شعرها، وصاغت حضارتها، وفتحت للعقل آفاقا، وللبيان أبوابا، وللإنسان هوية لا يبدلها الزمن.


وكلما هم الزمن أن يمس حرفا من حروفها، قام لها رجل؛ هذا يحرس نحوها، وذاك يغوص في أسرارها، وثالث يجمع كنوزها، ورابع يكسوها ثوب البيان، حتى خيل للتاريخ أن العربية لا تنجب علماء...


بل تنجب أمناء.


وفي زمن كثرت فيه الأصوات، وقل الإصغاء، وقفت العربية تتأمل أبناءها. لم تخش على بقائها، فهي لغة القرآن، ولكنها اشتاقت إلى رجال اختلفوا في مسائلها، ولم يختلفوا عليها، وتنافسوا في خدمتها، لا في المجد بها.


ولذلك... حين اشتاقت العربية إلى أوفيائها، لم تفتح كتابا... بل فتحت التاريخ.


فانفرجت صفحاته، وتنحت القرون، وامتد من أعماق الزمن طريق تضيئه حروف لم يطفئها الغياب.


ودخل الحراس...


تقدم أبو الأسود الدؤلي، ثم الخليل بن أحمد، ثم سيبويه، والجاحظ، وابن جني، وابن منظور، وابن مالك.


ابتسمت العربية وقالت:


مرحبا بحراس الضاد... لقد طال الشوق إلى مجلس يجتمع فيه العلم بلا منافسة، والفضل بلا ادعاء، وتكون العربية فيه الغاية، لا الطريق إلى الغاية.


جلسوا جميعا، ولم يكن في المجلس من يرى نفسه فوق صاحبه...


لأن اللغة التي جمعتهم... كانت أكبر منهم جميعا.


عندها نهضت العربية، ونظرت إليهم بعين الأم التي ترى أبناءها بعد طول غياب، ثم قالت:


أيها الأمناء... لقد حفظ التاريخ أسماءكم، ورددتها الأجيال جيلا بعد جيل، ولكن بقي سؤال لم يكتبه مؤرخ، ولم تجب عنه كتبكم...


ما الذي كنتم تخافون عليه أكثر... أنفسكم، أم أنا؟


نظر بعضهم إلى بعض...


فقال أبو الأسود الدؤلي:


ما خفت على نفسي يوما... فالرجال يرحلون، أما الأمة فإذا انكسر لسانها، انكسرت هيبتها. لذلك خفت عليك، لا علي.


وقال الخليل بن أحمد:


كلما فتحت بابا من أبوابك، أدركت أنني لم أصل إلا إلى عتبته، وأن العربية بحر لا يحيط به عقل واحد، ولا يكفيه عمر واحد. وما كتبناه لم يكن إلا محاولة للاقتراب من جمالك.


وقال سيبويه:


تعلمت أن العالم لا يقاس بما كتب، بل بما يتركه من أثر. وما أردت أن يبقى اسمي، بل أردت أن تبقى العربية معلمة للأجيال، فإذا بقيت هي، فلا يهم أين يذكر اسمي.


وتبسم الجاحظ، وقال:


ما خشيت عليك من قلة المتكلمين، بل من كثرة الكلام إذا فارق الفكر، ومن البيان إذا خلا من المعنى؛ فالكلمة إذا فقدت روحها، فقدت سلطانها على القلوب، وصارت صوتا لا يهدي، وحرفا لا يبني.


وقال ابن جني:


كلما كشفت سرا من أسرارك، أيقنت أن العربية ليست لغة تحفظ فحسب، بل عالم لا ينتهي اكتشافه. وما أخشاه عليها أن يظن أبناؤها أنهم بلغوا نهايتها، وهي ما تزال تدعوهم إلى بدايتها.


وضم ابن منظور كتابه إلى صدره، وقال:


جمعت كلماتك كما يجمع الأب أبناءه بعد طول فراق، لأن ضياع الكلمة ليس ضياع لفظ... بل ضياع ذاكرة أمة، وضياع تاريخ لا يعود إذا رحل.


ثم قال ابن مالك:


أردت أن أجعل العلم أقرب إلى القلوب، لأن العربية لا تحتاج إلى من يهابها، بل إلى من يعشقها، فإذا أحبوها حملوها إلى المستقبل كما حملناها نحن من قبل، وبقيت حية في الصدور قبل السطور.


فانحنت الرؤوس...


وخيم على المجلس صمت مهيب...


ثم ابتسمت العربية، وقالت:


الآن أدركت لماذا بقيت أسماؤكم حية...


لأن أحدا منكم لم يسع ليكون أكبر من العربية...


بل سعى أن يجعل العربية أكبر من الجميع.


ثم نهض الحراس...


وتصافحوا كما يتصافح الإخوة الذين جمعتهم أمانة واحدة، لا زمان واحد.


وأغلقت صفحات التاريخ...


وعاد كل واحد منهم إلى عصره...


وبقيت العربية وحدها.


اقتربت من المقاعد التي كانت تضج قبل لحظات بأحاديث العلم، ومررت بكفها عليها برفق، ثم قالت:


ما أثقل هذا الصمت...


وسكتت لحظة...


ثم ابتسمت وقالت:


لكنه الصمت الذي يسبق ميلاد حارس جديد.


ثم أغلقت كتبهم برفق، وهمست:


رحل الحراس... وبقيت المفاتيح.


مفاتيح أبواب لم تفتح كلها بعد...


ومفاتيح عقول ما زالت تنتظر من يوقظها.


ثم رفعت بصرها إلى أبنائها، وقالت:


فلا تغلقوا بابا فتحوه لكم...


ولا تهدموا جدارا رفعوه بأعمارهم...


ولا تجعلوا ما بنوه في سنين، يضيع في غفلة لحظة.


فإن الأمم لا تسقط حين يضعف لسانها فحسب، بل حين تنسى أن لغتها كانت يوما سر نهضتها، وأن كل حرف فيها يحمل أثرا من عالم، وكل قاعدة فيها تحمل بصمة عقل، وكل كلمة فيها تحفظ وجها من وجوه تاريخها.


ثم خيم السكون...


غير أن صوت حافظ إبراهيم ظل يتردد في أرجاء المجلس:


> أنا البحر في أحشائه الدر كامن

فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟


ثم همست العربية:


فاللغة لا يخلدها من يتغنى بها...


بل يخلدها من يعيش لها، ويحملها أمانة، ويورثها علما، ويجعلها نبضا في قلب كل جيل.


د. حسين عبدالله الراشد


جميع الحقوق الأدبية محفوظة ©

الاثنين، 13 يوليو 2026

وتتساقط الأقنعة بقلم الراقية د.عزة سند

 وتتساقط الأقنعة

بقلم د٠ عزه حمدى سند 

ليس كل ما نراه حقيقة، فبعض الوجوه تجيد ارتداء الأقنعة، وبعض الكلمات تُتقن صناعة الانطباعات، حتى نظن أننا عرفنا أصحابها، بينما الحقيقة ما زالت تنتظر امتحان المواقف.

قد يلبس الإنسان قناع الطيبة، أو التدين، أو حسن الخلق، أو الوفاء، ويظل محافظًا على صورته ما دامت الظروف تسير في صالحه. لكن الحياة لا تبقى على حال، وما إن تهب رياح الاختبار، حتى تبدأ الأقنعة في التساقط واحدًا تلو الآخر.

فالمواقف لا تصنع الأخلاق، بل تكشفها. وهي لا تغير معادن الناس، وإنما تُظهر ما كان مستترًا في أعماقهم. لذلك قيل: إن الشدائد تُعرِّف الرجال، لأن الحقيقة لا تحتاج إلى زينة، ولا إلى تمثيل.

وليس المقصود أن نشك في كل من حولنا، أو أن ننظر إلى الناس بعين الريبة، فبين البشر من يحمل قلبًا صادقًا، وسريرةً نقية، ويظل كما هو في الرخاء والشدة، في القرب والبعد، وفي الاتفاق والاختلاف.

إن أخطر الأقنعة هي تلك التي تُتخذ وسيلةً لخداع الآخرين أو تحقيق المصالح. أما صاحب الخلق الحقيقي، فلا يحتاج إلى قناع، لأن أفعاله تسبق أقواله، وثباته في المواقف يغنيه عن ادعاء الفضيلة.

ولعل أعظم اختبار للإنسان ليس فيما يقوله عن نفسه، بل فيما يفعله عندما تتعارض مصالحه مع مبادئه. هناك فقط تتجلى الحقيقة، ويعرف كل إنسان معدن نفسه قبل أن يعرفه الناس.

فلنحرص أن تكون أخلاقنا ثابتة لا تتبدل بتبدل الظروف، وأن يكون ظاهرنا امتدادًا لباطننا، فلا نحتاج إلى أقنعة نخفي بها حقيقتنا، لأن أجمل ما في الإنسان أن يعيش صادقًا مع الله، ثم مع نفسه، ثم مع الناس.

فالأقنعة قد تنجح في إخفاء الحقيقة زمنًا، لكنها لا تصمد أمام المواقف. أما الصدق، فإنه لا يخشى الاختبار، لأن النور لا يحتاج إلى من يبرهن على وجوده.

د. عزة حمدي سند

صيحة البركان بقلم الراقي محمد بن سنوسي

 صيحة البركان 

مرتحلا بين أشواك الخطر بلغة المطمئن يقضم بمزاح من لوعة المشهد بكل فرح متمرغا في الهواء ضاربا عرض الحائط قوانين الجاذبية و تدابير السلامة محلقا بالمناسبة بين أنياب بركان سكن برهة متوعدا كل معتد على حرمته بالنيل منه ولو بعد حين.

خطوات خطر تجسدت في قصة طافت الدنيا معلنة يمنيا حمل على كتفيه تجسيد دور سبايدرمان في الواقع بلا أدنى احتياط وبلا حسرة على ما كان سيضيع وبلا أدنى تقدير لحرمة الذات البشرية و واجب صونها وعدم الغوص في صور و مغريات التهلكة.

وبعيدا عن صكوك الغفران و أحكام توزعت بين الجنة والنار وبعيدا عن مشاهد التهور الممنهج التي تحولت لروتين يومي مقابل دراهم معدودة وبعيدا عن جمال سيرة و بهاء إسم القعقاع وتاريخه المشرق وما يحمله من مرادفات لانتصارات صارخة بأرض الوغى جعلت إسقاط لوائه ضربا من الخيال.

بعيدا عن كل هذا تردد بداخلي صدى نجوم أفلت بلا اعتبار وشموسا غابت بين دهاليز القرارات المجحفة والتدمير الممنهج للنوابغ والشموع المنيرة بعز الظلمات.

فببلاد العرب كم من قعقاع في الرياضيات تاه وكم من قعقاع في الطب هاجر وكم من قعقاع في التخطيط أفل بأرضه وأشرق بالغرب وكم من قعقاع حلق عاليا بعيدا عن الديار لأن الأهل أحكموا الخناق عليه دافعين إياه للاستسلام ففجّر طاقاته بأرض الغزاة ذلك أنهم احتضنوه مكرمين كفاءاته و أسكنوه المخابر بكل عزة فانبثقت النظريات والاختراعات والابداعات.

فالمكان الطبيعي للقعقاع كان بطولة العالم للتسلق حاملا راية الوطن في التظاهرات الرياضية العالمية الكبرى و عبوره آلية لجلب انتباه العالم لمآسي اليمن وغبن شعبه عبر ميدالية ذهبية تنير صفحات الأيام و القنوات و القرارات و تعيد أنظار العالم لإبداعات نقوش التاريخ الذي نسجته قطرات مأرب وحروف جرهم وبلاغة حضرموت.

فيا ليت القعقاع يعود منتصرا للحق تحت لواء عزة أهل الأرض و أولويتهم بخيراتها وحقوقهم في عيش كريم عوض العبث بالحياة انطلاقا من كوخ بدائي مرورا بنيران البركان لكتابة حروف بيضاء نضير كمشة من بقايا الأوراق و ياليت الأمة تكرم بحق كل قعقاع في مختلف ألوان الحياة. 

محمد بن سنوسي

 من سيدي بلعباس

 الجزائر

الجمهورية المؤجلة بقلم الراقي الأثوري محمد عبد المجيد

 الجمهورية المؤجّلة

الفصل الرابع عشر: ماذا لو انتهت الحرب غدًا؟


لنتخيل، ولو للحظة،

أن الحرب انتهت صباح الغد.


لا قصف.

لا جبهات.

لا بيانات نارية.

لا أخبار عاجلة عن قتلى جدد.

ولا انتهاك لحقوق الإنسان...

كأن الإختطاف والاغتصاب،

والتعذيب في السجون السرية،

وتجنيد الأطفال، والتجويع المتعمد لملايين البشر،

كلها توقفت فجأة بمجرد أن صمتت المدافع.


صمت.

الصمت الذي انتظره اليمنيون سنوات طويلة.


سيحتفل الناس.

سيخرج كثيرون إلى الشوارع.

سيبكي آخرون من شدة الإرهاق.

وسيظن العالم أن المأساة انتهت.

لكن الحقيقة ستكون أعقد بكثير.


نهاية الحرب

ليست نهاية آثارها.

إنها فقط نهاية الفصل الأكثر صخبًا.


المدن يمكن إعادة بنائها.

لكن ماذا عن الثقة المهدمة؟

الطرق يمكن إصلاحها.

لكن ماذا عن العلاقات التي مزقتها سنوات الكراهية؟

المؤسسات يمكن إعادة فتحها.

لكن ماذا عن النفوس التي تعلمت العيش داخل الخوف؟


هذه هي الأسئلة التي تنتظر اليمن بعد الحرب،

وهي في كثير من الأحيان أصعب من الحرب نفسها.


اعتاد الناس أن ينظروا إلى السلام

كأنه خط النهاية.

بينما هو في الحقيقة خط البداية.

بداية المواجهة مع كل ما تم تأجيله.


من سيحاسب؟

ومن سيُسامَح؟

ومن سيُعترف بألمه؟

ومن سيُطلب منه أن ينسى؟


كل طرف يمتلك روايته الخاصة،

وشهداءه،

ومظلومياته.

وحين يأتي السلام،

تصطدم هذه الروايات ببعضها.

فتنتقل المعركة من الأرض

إلى الذاكرة.


السلام ليس مجرد اتفاق سياسي،

بل عملية شاقة لإعادة بناء قصة مشتركة.

قصة يستطيع المختلفون أن يعيشوا داخلها معًا،

حتى لو لم يتفقوا على كل شيء.


هناك خطر آخر،

خطر الحنين إلى الحرب.

ليس حنينًا إلى الدم،

بل حنينًا إلى اليقين الذي وفرته.


الحرب تبسط العالم:

تخبرك من هو العدو،

ومن هو الصديق،

ومن هو البطل،

ومن هو الخائن.


أما السلام فيعيد التعقيد،

ويعيد الأسئلة،

ويفرض التعايش مع حقائق غير مريحة.


ثم هناك اقتصاد الحرب.

المصالح التي ولدت خلال السنوات الطويلة

لن تتبخر.

الشبكات لن تتنازل عن مواقعها طوعًا.

بل ستسعى إلى إعادة إنتاج نفسها

بأشكال جديدة.


أخطر لحظة في أي سلام

ليست لحظة التوقيع،

بل السنوات التي تليه.

السنوات التي يتقرر فيها

ما إذا كانت الحرب قد انتهت فعلًا،

أم أنها غيّرت ملابسها فقط.


رغم كل ذلك،

يبقى السلام فرصة لا تعوض.


ليس لأنه سيحل كل شيء،

بل لأنه يعيد فتح باب المستقبل.


الحرب تغلق الزمن.

تجعل كل يوم نسخة من اليوم السابق.

أما السلام فيسمح للناس

أن يتخيلوا الغد من جديد.


السؤال الذي يجب أن يشغل اليمنيين ليس:

متى ستنتهي الحرب؟


بل:

أي سلام نريد؟


سلام يوقف الرصاص فقط؟

أم سلام يعيد بناء الإنسان،

والدولة،

والعلاقة بينهما؟


------


–الأثوري محمد عبدالمجيد نعمان. يوليو 2026

مشكاة الروح بقلم الراقية مديحة ضبع خالد

 مِشْكَاةُ الرُّوح

✍️الشاعرة الحرة 🎀مديحة ضبع خالد🎀

رُوحِي المُدَلَّلَةُ اسْتَقَرَّ ضِيَاؤُهَا

فِي مُهْجَتِي وَتَوَهَّجَتْ أَنْوَارُ

وَتَمَادَتِ الأَيَّامُ تَحْمِلُ عِطْرَهَا

فَكَأَنَّمَا فِي خَافِقِي أَزْهَارُ

إِنْ مَسَّنِي وَهْنُ الحَيَاةِ تَلَفَّتَتْ

نَحْوِي، فَيَخْضَرُّ الرُّبَى وَالدَّارُ

وَإِذَا ادْلَهَمَّ الخَطْبُ فِي أُفُقِ المُنَى

هَبَّتْ وَفِي كَفَّيْهَا الإِبْصَارُ

لَا تَرْتَضِي إِلَّا السَّمَاحَةَ مَنْهَجًا

وَبِهَدْيِهَا يَسْمُو الفُؤَادُ وَيَغَارُ

وَتَرَى الجَمَالَ بِكُلِّ شَيْءٍ حَوْلَهَا

حَتَّى كَأَنَّ الكَوْنَ فِيهِ نَضَارُ

رُوحِي وَإِنْ عَبَثَ الزَّمَانُ بِدَرْبِهَا

فَالصَّبْرُ مِنْ أَعْمَاقِهَا مِدْرَارُ

مَا زَالَ فِيهَا مِنْ نَقَاءِ سَرِيرَةٍ

مَا يَسْتَبِي القُلُوبَ وَالأَبْصَارُ

رُوحِي المُدَلَّلَةُ الَّتِي أَهْوَى الرِّضَا

فِي ظِلِّهَا، وَبِقُرْبِهَا أَخْتَارُ

سَتَظَلُّ أَجْمَلَ مَا ادَّخَرْتُ مِنَ المُنَى

مَا دَامَ فِي صَ

دْرِي لِقَلْبِي دَارُ

صلاة المداد ونور المحراب بقلم الراقي صالح أحمد الحصيني النوبي

 العُنْوَان: صَـلَاةُ المِـدَادِ.. وَنُـورُ المِـحْرَابِ


البَحْر: بَحْرُ البَسِيطِ النَّقِي

 (مُسْتَفْعِلُنْ\ فَاعِلُنْ\ مُسْتَفْعِلُنْ\ فَعِلُنْ)

القَافِيَة: نُونِيَّةٌ مَنْصُوبَةٌ بِتَنْوِينٍ أَصِيلٍ



مَـا حِـكْمَـةُ الحَـرْفِ إلَّا أَنْ يَكُـونَ سَـنَـا 

يَمْشِيْ عَلَى الأَرْضِ فِيْ أَثْوَابِ مُؤْتَمَـنَـا


لَـيْـسَ الـمَـجَـازُ تُـرَابَـاً فِـيْ مَـوَاطِـنِـهِ 

بَلْ هَيْكَـلُ الـرُّوحِ مِذْ رَامَتْ بِـهِ سَـكَـنَـا


مَاتَ الصّخَبْ فِيْ مَدَى الأَيَّامِ وَانْطَفَأَتْ 

أَبْـوَاقُ زَيْـفٍ وَلَـمْ تَـتْـرُكْ لَـنَـا حَـزَنَـا


وَاسْتَوْطَـنَ النَّجْـمُ صَدْرَ الكَـوْنِ رَاقِـيَـةً 

تِلْكَ الحُـرُوفُ الَّـتِيْ لَا تَـعْـرِفُ الـوَهَـنَـا


هُنَا المَحَارِيْبُ تَـسْـتَـسْـقِـيْ غَـمَـائِـمَـهَـا 

يَـا صَاحِ، لَا تَـرْجُ إِلَّا الصِّـدْقَ لِيْ وَطَـنَـا


قَدْ قَـامَ صَناعُ هَـذَا الـفَـجْـرِ يَـبْـذُلُ مَـا 

يُحيِيْ الـبَـيَـانَ وَيَجْلُـو عَـنْـهُ مَـا دَجَـنَـا


شَـادُوا مَـنَـاراً لِأَهْـلِ الـمَـجْـدِ يَـعْـرِفُـهُ 

كُـلُّ الـظَّـمَـاءِ، وَنَـالُـوا فَـوْقَـهُ الـمِـنَـنَـا


إِنْ لَـمْ يَكُنْ هَدْيُ هَذَا الحَـرْفِ مَكْـرُ مَـةً 

تَـبْـنِـيْ النُّـفُـوسَ،فَـإِنَّ العُـمْـرَ قَدْ غُـبِـنَـا


مِـثْـلُ السَّـحَـابِ إِذَا انْحَـدَرَتْ مَـوَاطِـرُهُ 

يُحْيِيْ المَوَاتَ وَيَكْسُو الرَّوْضَ وَالوَطَنَـا


سَـلَامُ مَـنْ تَـعِـبَـتْ أَقْـلَامُـهُ شَـرَفَـاً 

فَـمَـا بَـاعَ عَـهْـدَ الـحِـبْـرِ يَـوْمَـاً بِـثَـمَـنَـا


فَـامْـضِ كَمَا النَّهْـرِ لَا يَخْـشَى مَـصَـائِـرَهُ 

وَانْـشُـرْ ضِـيَـاءَكَ فِـيْ الآفَـاقِ مُـقْـتَـرِنَـا


البُرُوفِيسُور م.د. صَالِح أَحْمَد الحُصَيْنِي النُّوبِي

الإِثْنَيْن، 28 ذُو الحِجَّة 1447 هـ /: 13 يُولْيُو 2026 م


مُعْجَمُ القَصِيدَة

سَنَا: الضياء الساطع مرتفعاً.

مَوَاطِنِهِ: أماكن استقراره وأصوله.

سَكَنَا: المأوى والمحل المستقر.

الصَّخَبْ: الضجيج والاضطراب الفاني.

الوَهَنَا: الضعف والفتور والوهي.

دَجَنَا: أظلم وتلبّد بالسواد.

الـمِنَنَا: العطايا والمنح الجليلة.

غُبِنَا: خسر وضاع هباءً.

مَوَاطِرُهُ: غيومه المحملة بالمطر.

مُقْتَرِنَا: متصلاً ومصاحباً للخلود.

يقين الجغرافيا بقلم الراقي سعيد العكيشي

 يقين الجغرافيا 

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

الجغرافيا يقين، 

الوطن شك

التاريخ دمية رثة،

الأحلام سراب


دلفت باب الخمسين 

مثقلًا

بأسمال العمر، 

برماد الرغبات

بقمح الشعر، 

ومجاعة الشعراء


أجُسُّ بأنفاسي 

أصابعَ الريح،

فلا ألمسُ 

إلّا خيالًا أعرجَ 

لا يعود

إلا بعكاز العدم

وصراخًا أبكمَ يدورُ 

في حلقِ الفراغ،

ثم يسقطُ أنينًا 

من حنجرةِ الألم.


التفتُّ

لأحصي

ما تبقّى منّي،

فلم أجدْ

إلّا طريقًا ضريرًا

يعبرني،

ويتحسّسُ

أثري

في المجاز.


سعيد العكيشي/اليمن

سراب بقلم الراقية عبير ال عبد الله

 سراب

قالوا: إن الجمال وجه...

ولم يعلموا أن الوجه أول ما يستعيره الزمن.

الجمال أن تبقى الروح مضيئة حين تنطفئ الأشياء.

أن تبتسم وقلبك يحمل وجعه بصمت، وأن تنصت كأنك تمنح الآخر وطنًا.

أخذ المرض مني ما استطاع... سرق من جسدي قوته، وأرهق خطاي، وترك على ملامحي أثر معركة لم أخترها.

لكن... لم يأخذ قلبي، ولم ينتزع مني ذلك الإنسان الذي أحببته في داخلي.

وحين ضاقت بي الأيام، مددت يدي إليك، لا أطلب معجزة، بل كفًا تقول لي: أنا هنا.

لكن الهواء وحده صافح أصابعي.

عندها فقط سألت الغياب:

هل كنت سرابًا منذ البداية؟

أم أن المحن لا تسرق الأحبة... بل تزيح الأقنعة، ليظهر من كان يمر بجوار الروح، لا إليها؟


بقلمي عبير آل عبد الله🇮🇶

مرآة الروح بقلم الراقي د.محمد شعوفي

 مرآة الروح:


 في سكون المحطات المتقدمة من العمر، ينهمر الوعي كأنه غيث متأخر يعيد ترتيب ملامح الروح. 

حينها، ندرك أن الزمن ليس مجرد تعاقبٍ بارد للأيام، بل هو الدرب الأكبر الذي تتكشف فيه حقيقة الإنسان لنفسه. 

وكلما امتد بنا الطريق، لفحتنا الأسئلة الوجودية الأكثر عمقًا؛ وهي لا تطرق أبوابنا مرة واحدة لتمضي، بل تعود في صورٍ شتى، تحمل في كل عودة وعيًا جديدًا، وتدعونا لقفزة جريئة نحو ذواتنا بعيونٍ غسلها النضج. 

أكتب هذه السطور لا لأستعرض محطاتٍ مضت، بل لأفتح نافذةً سرية على الأعماق، أطل منها على ذلك الإنسان الذي تشكّل بصمتٍ بين مطارق الإخفاق وسندان النجاح، وبين فرحٍ يمر كالفراشة وألمٍ يقيم كالجبال.

فما كانت رحلة العمر، في جوهرها الصافي، إلا هجرةً مستمرة نحو الداخل، حيث كل خطوةٍ تسقط قناعًا وتكشف وجهًا حقيقيًا لم أكن أعرفه. 

إن الزمن مرآةٌ مصقولة تعكس ما نخشى مواجهته في أنفسنا قبل ما نتجمل به أمام الناس، وكل عبورٍ فيها يترك أثرًا لا يُمحى، وإن غاب عن العين ظل حاضرًا في الروح. 

وفي كل منعطف، تعود الأسئلة ذاتها ولكن بنبرة أشد حكمة، وكأن الحياة لا تبحث عن إجاباتٍ تلقينية، بل تبحث عن إنسان يتشكل مع التجربة، ويتسع قلبه مع كل عبور. 

من أنا حقًا بعد كل هذه الأعوام؟

أتوقف هنيهة أمام السؤال قبل أن أجيب، فالإجابة السريعة تخون عمق ما عشت. 

أذلك الشاب الذي كان يحلم بامتلاك كل الطرق، أم هذا الرجل الذي تعلّم أن المشي في الدرب هو المعلم الأكبر؟

حين ألتفت اليوم لتأمل ما عبرت، أرى العمر بحرًا لجيًّا تتلاطم فيه الأمواج؛ مدٌّ يحملني برفقٍ نحو شواطئ السكينة، وجزرٌ قسري يعيد نحت صخور الروح لتصبح أكثر صلابة ومقاومة. 

لم أعد ذلك الشخص الذي بدأ العبور وعيناه تفيضان بالدهشة الساذجة؛ فكل تجربة تركت ندبتها أو نورها، وكل وداعٍ علّمني بألم أن بعض النهايات ليست انكسارًا، بل هي بوابة الانعتاق ووعي جديد بحدود الذات. 

لقد قادتني الأقدار إلى دروبٍ لم أخطط لها، ومشيت مرارًا على حبلٍ مشدود بين رغبة التمسك بما أحب، وشجاعة الإفلات مما انتهت صلاحيته في حياتي. 

وفي اللحظات الحرجة التي خُيّل إليّ فيها أنني أهوي، انبثقت من داخلي قوةٌ كامنة لم أكن أعلم بوجودها؛ لتؤكد لي أن الشدائد لا تأتي لتهشيم الإنسان, بل لتكشف له عن ينابيع صموده المخبوءة. 

هناك تعلّمت أن الصبر ليس استسلامًا ذليلًا، بل هو فعل مقاومةٍ هادئة، ويقينٌ صارم بأن لكل ليلٍ فجرًا يمزق دجاه. 

لقد تصالحت مع الزمن بأعداده الثلاثة بعد خصومة طويلة. 

فما عاد الماضي سجنًا للندم، بل غدا مكتبة حافلة بالدروس؛ أحتفظ بما أنضج الروح، وأترك ما يثقلها ليمضي. 

وما عاد المستقبل فضاءً موحشًا يغذيه الخوف، بل رأيته أفقًا يتسع بقدر ما يتسع داخلي للأمل والعمل. 

أما الحاضر، فهو الميدان الحقيقي والوحيد الذي أملك فيه جذوة القرار، لأصنع الفارق وأكتب الصفحة التي ستشهد علي غدًا. 

تغيرت الفصول، وتبدلت الوجوه، ونزعت عني أوهام الاتكاء على الخارج، فتعلمت كيف أنحني أمام الريح العاتية دون أن أنكسر، وكيف أحمي جذوري وإن تمايلت الأغصان.

واكتشفت أن أعظم إنجاز للمرء ليس أن يبدو كاملًا في أعين البشر، بل أن يكون صادقًا متسقًا مع نفسه.

لذلك، تخففت من أثقال التصنع، ووقفت أمام حقيقتي العارية بقوتها وضعفها؛ فالاعتراف بالهشاشة الإنسانية ليس هزيمة، بل هو عتبة الوعي الأولى نحو الاكتمال. 

إن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على الانكسار دون فقدان الإيمان بالحياة، وفي التألم دون خسارة النبل الإنساني. 

وفي المقابل، لم تكن لحظات الفرح عابرة، بل كانت ينبوعًا أعود إليه كلما أظلمت المسالك. 

لقد تعلمت كيف ألتقط قبس النور من بين ركام التفاصيل البسيطة؛ فالامتنان للنعم الصغيرة هو الذي يمنح الأيام بهجتها الحقيقية. 

والألم والفرح ليسا نقيضين، بل هما خيطا مغزل واحد ينسج وعي الإنسان؛ الأول يمنح الروح عمقها الرأسي، والثاني يمنحها تمددها الأفقي، وبينهما تولد الحكمة التي لا تُدرك في بطون الكتب، بل تُعجن بماء العمر وعرق التجارب. 

اليوم، لا أقف على مسيرة حياتي بصفة القاضي الصارم الذي يجلد نفسه، بل بصفة الشاهد المستنير. 

أشهد أن ما حُرمت منه بالأمس كان صمام أمان لتوازني اليوم، وأن ما تأخر عني جاء في وقته الدقيق عندما أصبحت مؤهلًا لحمله وحمايته. 

فالزمن الذي يسلبنا الأشياء، يعوضنا برؤية أعمق لقيمتها؛ فكم من بابٍ أُغلق في وجهي، فإذا بأبوابٍ باطنية تنفتح بالسكينة والرحمة. 

إن العمر الحقيقي لا يُحسب بعدد السنين التي ذوت، بل بعمق الأثر الطيب الذي نتركه في قلوب من مررنا بهم، وبما غرسناه من خيرٍ ينمو في غيابنا.

وإليكم، يا رفاق السير في دروب الحياة: 

لا تزهدوا في يومٍ عادي، ولا تحتقروا لفتة هادئة. 

فكثيرًا ما تولد التحولات الكبرى من رحم التفاصيل الصغيرة؛ كلمة صادقة، أو ابتسامة نقية، قد تغير مجرى حياة بأكملها.

اجمعوا من التعثر عزيمة، ومن النجاح تواضعًا، ومن الفراق درسًا بليغًا، فالعيش بقلوبٍ يقظة وثقة ممتدة هو الغاية الأسمى. 

وفي ختام هذه السطور، أشهد أن العمر لم يكن خصمًا يبارزني، بل كان الأستاذ الأكثر إخلاصًا.

كل التفاصيل، بمرها وحلوها، كانت خيوطًا ترتق نسيج روحي، وتدفعني للتصالح مع ذاتي والامتنان للحياة بكل ما أعطت وما منعت. 

ولعل أثمن ما خرجت به من هذا العبور، أن "الوصول" ليس الغاية الكبرى، بل إن الدرب وتفاصيله هو الذي يمنح الوصول معناه وجدارته. 

وحين أقترب اليوم من مرآتي، لا أرى فيها وجهًا اكتمل، بل أثرًا لا يزال يتشكل. 

فكل انعكاسٍ فيها يُشبه بذرة غرستها الأيام، لم تكفّ عن السعي نحو ضوءٍ لم تبلغه بعد. 

فهل يشيخ من تبقى في قلبه نبضٌ للتعلّم، وفي روحه توقٌ للنمو؟ 

بقلم:

د. محمد شعوفي 

13 يوليو 2026م.

يا زائرا قبري بقلم الراقي هاني الجوراني

 يا زائراً قبري..

يا زائراً قبري تمهل لحظةً

فأنا بقايا الحلمِ بعدَ فواتهِ

هذي الرمالُ تضمُ صوتَ حكايتي

وتخبئُ الآهاتِ بينَ رفاتهِ

قد كنتُ أمشي في الحياةِ كأنني

أبني من الأيامِ صرحَ نجاتهِ

حتى أتاني الموتُ يحملُ موعداً

فتركتُ دنيا الناس بعدَ شتاتهِ

ما كنتُ أحسبُ أنَ عمري لحظةُ

تمضي كبرقِ الصيفِ في أوقاتهِ

أمشي وتسبقني السنينُ كأنها

ريحُ تسوقُ العمرَ في خطواتِهِ

لا تسألِ القبرَ الصغيرَ عن الأسى

فالصمتُ أبلغُ من جميعِ عباراتِهِ

أنا من زرعتُ الحبَ بينَ أحبّتي

وتركتُ طيبَ الذكرِ في خطواتهِ

فإذا وجدتَ قصائدي بينَ الثرى

فاقرأْ سلامَ القلبِ في أبياتهِ

لا تبكني فاللهُ أرحمُ راحمٍ

والعبدُ يرجو العفوَ في عثراتهِ

ما لي سوى بابِ الكريمِ فإنهُ

بابٌ يُضاءُ بنورِ رحماتِهِ

فاجعل قبري روضةً وطمأنينةً

واسقِ الفؤادَ سحائبَ نفحاتهِ

وإذا مررتَ على الترابِ فقلْ لهُ

عبدٌ مضى يرجو جميلَ صفاتهِ

قد غابَ جسدي عن عيونِ أحبتي

لكنني أرجو لقاءَ اللهِ في جنّاتِهِ

قالَ الزائرُ : يا ساكنَ القبرِ الذي

أبقى الحنينَ بمهجتي وحشاتهِ

هل كنتَ تدري أنَ يومَ رحيلِكَ

سيجيءُ قبلَ تمامِ كلَ أماناتهِ؟

فأجبتهُ : يا من وقفتَ بجانبي

لا تحزننَ على انقضاءِ حياتهِ

فالعمرُ نهرٌ لا يقيمُ بجانبٍ

يجري إلى المولى بفيضِ ثباتهِ

كم عشتُ أحلاماً وكم حملتُ الأسى

ومضيتُ رغمَ جراحهِ وآهاتهِ

واليومَ ما أبغي من الدنيا سوى

عفوَ الإلهِ وواسع البركاتهِ

إن كانَ جسدي قد توارى صامتاً

فالروحُ ترجو واسعَ رحماتهِ

فاذكرْ فقيدَكَ بالدعاءِ فإنهُ

زادُ المسافرِ في طريقِ نجاتهِ

وامضِ الحياةَ ولا تؤجل توبةً

فالعمرُ يمضي أسرعَ خطواتِهِ

وازرع جميلَ الخيرِ بينَ أحبةٍ

تبقى المكارمُ بعدَ طولِ وفاتهِ

   بقلم: هاني الجوراني

سفر النور بقلم الراقي عاشور مرواني

 سِفْرُ النُّور


من أسفار الرؤيا 


لم يدخلِ النورُ

كما تدخلُ الأشياءُ.


دخل

كما تستيقظُ العينُ

على اسمِها الأول.


كان الظلامُ

يقيمُ في الرؤية،

لا في الجهات.


وكانتِ الأشياءُ

تمرُّ بي

دون أن تتركَ في القلب

أثرًا

يشبهها.


وحين لامسني

أولُ خيطٍ من الضوء،


لم يتبدَّلِ العالمُ...


بل انزاحَ عن وجهي

القناعُ

الذي كنتُ أراه

وجهًا.


أدركتُ

أن الحقيقةَ

لا تُولدُ ساعةَ نراها،


بل كانت تنتظرُ

أن نبلغَها.


كم بابٍ

ظللتُ أطرقه

وكان المفتاحُ

ينامُ

في راحتي.


وكم نهرٍ

انحنيتُ عليه

أطلبُ صورةَ وجهي،


بينما كانت السماءُ

تتدرَّبُ

على انعكاسي.


ثم رأيتُ الخوفَ...


نسَّاجًا أعمى

يحيكُ للعَيْنِ

ستائرَ من دخان.


ورأيتُ الغرورَ...


يصنعُ من المرايا

سجنًا شفافًا،

يدخلُه صاحبُه

ولا يرى

غيرَ صدى نفسِه.


أما الذكرياتُ...


فكانت غبارًا

يهبطُ ببطءٍ

على نوافذِ الروح،

حتى حسبتُ

أن النهارَ

نسي الطريقَ إليَّ.


ولما سقطَ

أولُ حجاب،


لم يهتفِ الضوءُ

بانتصارِه.


اقتربَ

كما تقتربُ المياهُ

من جذورِ الشجر...


في صمت.


ومنذ تلك اللحظة،


كلما ظننتُ

أنني بلغتُ،


اتَّسعتِ الرؤيةُ

حتى صار الأفقُ

يبدأ

حيث ينتهي يقيني.


فعرفتُ


أن النورَ

ليس جوابًا...


بل قدرةٌ

على احتمالِ

الأسئلة.


ولمَّا عاد القلبُ

إلى قلبِه،


رأيتُ الأشياءَ

تخلعُ أسماءَها

واحدًا

بعد آخر،


حتى بقيَ الحضورُ

عارِيًا

من كلِّ تعريف.


عندها


لم أسألْ:


أين الطريق؟


كانت الخطوةُ

تكتبُه.


ولم أسألْ:


من أنا؟


كان الصمتُ

ينطقُ بي.


وحين فتحتُ عينيَّ،


لم تُشرقِ الشمسُ

لأوَّلِ مرَّة...


بل انطفأ

آخرُ ظلامٍ

كان يحملُ اسمي


عاشور مرواني

لا سمر في الحرب بقلم الراقي فاروق بوتمجت

 لا سمر في الحرب


في ليلة خرساء، تشبه الموت في جموده، جلس حسام الدين متكئًا على جذع شجرة زيتون عجوز، شاهدةٍ على ما تبقى من وطنه المحترق. كانت السماء ملبدة بالدخان، والنجوم قد اختبأت كأنها تخجل من أن تراقب نزيف الأرض.


هو لم يكن محاربًا، بل معلمًا للتاريخ، عاشقًا للحكايا والسهرات الطويلة، يحفظ أبيات الشعر، ويعزف على العود في ليالي القرية البسيطة. لكنه اليوم يحمل بندقية، ويحرس خرائب كانت بالأمس بيوتًا، وأطلالًا كانت ساحاتٍ للفرح.


همس في داخله: "أين اختفى السمر؟ أين ذهب صوت الحكاية؟ لقد سُرقت منا الليالي المضيئة، وأُطفئت المصابيح في عيون العشاق."


في الخندق المجاور، كانت فاطمة –الطفلة التي علّمها أول حرف– قد صارت تداوي الجرحى بضمادات من القماش القديم. لا تغني، لا تضحك، بل تضع يديها على الجرح كأنها تضعها على قلبها.


أما العم سعيد، الذي كان يروي لأحفاده قصص البطولة تحت شجرة التوت، فقد صار شارد الذهن، لا يحكي شيئًا، وكأنه بلع الكلمات.


---


في هدنة مؤقتة، عاد حسام الدين إلى قريته، مشى بين الأزقة المهدمة، سأل الجدران عن الذين رحلوا، ولم يجب أحد. جلس قرب أمه، وقدّمت له كوب زعتر ساخن. سألته بهمس مرتجف: – أما زلت تحب السهرات يا بني؟


فأجاب وهو ينظر إلى النار الباهتة: – انتهى السمر يا أمي... لا سمر في الحرب. لم يبق إلا الحذر، والانتظار، وخوف ينام معنا في البطانيات.


---


في الليلة التالية، وقبل أن يعود إلى الجبهة، كتب على جدار قديم بجانب المدرسة:


> "حين تصمت البنادق، سنروي من جديد. وحين تعود الأرواح إلى الأجساد، سنغني للسمر، سنغني للسلام..."


بقلم الاستاذ: فاروق بوتمجت( الجزائر)