سأبتعدُ قليلاً...
سأبتعدُ قليلاً...
لا لأنَّ الطريقَ أثقلَ من خطايَ
ولا.. لأنَّ في القلبِ عجزَ المسافرِ
حين يشيخُ التعبُ في عينيهِ
لكنَّ الضجيجَ كان يعلو
كريحٍ مالحةٍ تجلدُ نوافذَ الروح
وكانت السماءُ المشحونةُ
تمطرُ شوكاً
كلَّما حاولتُ أن أفتحَ نافذةً للأمل
فكَّرتُ كثيراً...
وقلَّبتُ دفاترَ العمرِ ورقةً ورقة
أقرأُ وجوهَ الأمسِ
وأصغي إلى حفيفِ الذكرياتِ
وهي تتساقطُ
كسعف نخيلٍ يابسٍ
على ضفةِ الانتظار
لم أكنْ حائراً...
فبعضُ النهاياتِ تُولدُ معنا
كما يولدُ الظلُّ مع الجسد
وبعضُ الحقائق....
لا تحتاجُ إلى براهينَ كثيرة
يكفي أن تلمسَ القلبَ ليعرفَها
الشمعةُ...
مهما نشرتْ دفءَها
في الجهاتِ الأربع
ومهما رسمتْ حولها دوائرَ الضوء
لا بدَّ أن تذوبَ قطرةً قطرة
حتى تصيرَ رماداً في قاعِ وحدتِها
والموجعُ حقاً...
أنَّها قد تذوبُ
من أجلِ نافذةٍ لا ترى نورَها
أو من أجلِ عابرٍ...
لا يلتفتُ إليها وهي تحترق
كنتُ أرى الطرقَ الملتويةَ
تمتدُّ أمامي ...
كأفاعٍ سوداءَ تزحفُ تحتَ العشب
وأرى الخديعةَ
تبدِّلُ أقنعتَها كلَّ صباح
وكان يظنُّ أنني لا أرى...
أنَّ عينيَّ غافلتانِ
عن تفاصيلِ المشهد
وأنَّ قلبي لا يفقهُ لغةَ الظلال.
لكنني كنتُ أعرفُ...
وأصمتُ.
أعرفُ كلَّ منعطفٍ في تلك الدروب
وأتركهُ يمضي إلى آخرِ الطريق
كمن يراقبُ زورقاً مثقوباً
يبتعدُ في النهرِ حتى يبتلعهُ الماء
ورغمَ تجاهلي...
كان شيءٌ في داخلي ينكسرُ بصمت
وكان الوجعُ ينمو
كجذرِ شجرةٍ خفيّة
تحتَ ترابِ الروح
لقد تعوَّدتُ أن أبدو ساذجاً أحياناً
لا جهلاً...
بل حفاظاً على الرحلة
وحبّاً لما تبقّى من أغنياتِ المساء
لكنَّ الرحلاتِ كلَّها
لا تستحقُّ أن نغرقَ معها
ولا كلُّ الموانئِ
جديرةٌ بأن نلقيَ عندها آخرَ مراسينا
لذلك...
سأبتعدُ قليلاً
مثلَ نهرٍ يغيّرُ مجراهُ في هدوء
ومثلِ نخلةٍ تكتفي بالصمتِ
حين يكثرُ حولها
صخبُ الرياح
قاسم عبدالعزيز الدوسري