الرَّمَادِ الأَوَّل
أيا صاحِ، ما للحزنِ في القلبِ ماكِثُ
كأنَّ الليالي بالجراحِ تُوارِثُ
نَمَتْ في ضُلوعِ الصبرِ نارٌ دفينةٌ
إذا هبَّ ريحُ الفقدِ فيها تَنافَثُ
غدونا نُرَبّي في الدواخلِ لوعةً
ويأكلُنا شوقٌ عتيقٌ عابثُ
تغيَّبَ قومٌ كُنْتَ تحسبُ ظلَّهُمْ
إذا ضاقَ هذا الكونُ فهو الموارثُ
فلما انثنوا عنّا كأنَّ خيامَنا
بلا أهلِها، ريحُ الخرابِ تجاثثُ
ومِلتَ على أوجاعِكَ السودِ حائرًا
وفي الصدرِ وادٍ للحنينِ مُكارثُ
تُفَتِّشُ عن وجهِ الطفولةِ باكيًا
وقد شابَ من فرطِ الأسى وهو يلهثُ
فيا ابنَ الأسى، لا تنحنِ اليومَ خائبًا
فإنَّ المنايا بالكرامِ تُحادثُ
وما خُلِقَ الأحرارُ إلا لشدَّةٍ
إذا ضَعُفَ الجبناءُ فيها تَشامخوا
شربنا كؤوسَ الفقدِ حتى كأنَّنا
خُلِقنا لكي نبقى وننزفُ ونمكثُ
رأينا الوجوهَ البيضَ تخذلُ عهدَها
وفي القلبِ عهدٌ للوفاءِ يُقاتثُ
فلا تأمنِ الدنيا، فكم من مودَّةٍ
تُزيِّنُ ثوبَ الودِّ ثم تُخَبِّثُ
ولكنَّ في الأرواحِ سرًّا من العُلا
إذا انكسرتْ قامتْ، وإنْ هدَّها انبعثْ
كبرنا، وفي أعماقِنا طفلُ دهشةٍ
يُنادِي: أليسَ الضوءُ يومًا سيورثُ؟
وأينَ الليالي البيضُ؟ أينَ براءةٌ
تُعانقُ قلبًا ما تعلَّمَ يعبثُ؟
وأينَ الوجوهُ الطيباتُ إذا دَعَتْ
أجابَتْ بلا خوفٍ، ولا الوجهُ يَعبسُ؟
فقلنا لهُ: يا طفلُ، إنَّا وإنْ غَوَتْ
بنا الريحُ، فالإيمانُ فينا يُحَدِّثُ
سنزرعُ فوقَ اليأسِ مجدًا مؤثَّلًا
إذا قيلَ ماتَ الحلمُ، فالحلمُ يُبعثُ
ونبني من الأحزانِ صرحًا مهيبًا
إذا سقطَ الطغيانُ يومًا سيُورثُ
فما نحنُ إلا السيفُ إنْ مسَّهُ الأذى
يزدْ حدُّهُ، والنصلُ بالنارِ يُشحذُ
وما المجدُ إلا أن تقومَ من الرَّدى
وفي كفِّكَ العليا يقينٌ يُؤرَّثُ
سأمضي، وإنْ ضاقتْ عليَّ مذاهبي
ففي القلبِ ربٌّ للكسيرِ يُغيثُ
إذا سقطتْ أحلامُ عمري فإنني
على جمرِها حتى المماتِ سألبثُ