مجلس حراس الضاد
مشهد أدبي متخيل في حضرة العربية وعلمائها
ليست اللغة أصواتا تعبر الهواء، ولا حروفا تستقر على الورق...
اللغة عمر أمة، وذاكرة حضارة، وصوت التاريخ حين يتحدث، وهي الوطن الوحيد الذي يحمله الإنسان معه أينما ارتحل.
هي الجسر الذي يعبر عليه الماضي ليصافح الحاضر، والنبض الذي يصل الأجيال بعضها ببعض. فإذا ضاعت اللغة، ضاعت الحكايات، وغدا الماضي غريبا عن أبنائه.
قد تبنى المدن بالحجارة، وتشيد القصور بالرخام، وترسم الحدود بالسيوف...
أما الأمم، فلا تبقى إلا بلغاتها.
ولهذا لم تكن العربية يوما ميراثا نتسلمه من آبائنا، بل أمانة يحملها كل جيل، ثم يسلمها لمن بعده أكثر رسوخا، وأغنى علما، وأجمل بيانا.
بها حفظت الأمة دينها، ودونت علومها، وروت تاريخها، وأنشدت شعرها، وصاغت حضارتها، وفتحت للعقل آفاقا، وللبيان أبوابا، وللإنسان هوية لا يبدلها الزمن.
وكلما هم الزمن أن يمس حرفا من حروفها، قام لها رجل؛ هذا يحرس نحوها، وذاك يغوص في أسرارها، وثالث يجمع كنوزها، ورابع يكسوها ثوب البيان، حتى خيل للتاريخ أن العربية لا تنجب علماء...
بل تنجب أمناء.
وفي زمن كثرت فيه الأصوات، وقل الإصغاء، وقفت العربية تتأمل أبناءها. لم تخش على بقائها، فهي لغة القرآن، ولكنها اشتاقت إلى رجال اختلفوا في مسائلها، ولم يختلفوا عليها، وتنافسوا في خدمتها، لا في المجد بها.
ولذلك... حين اشتاقت العربية إلى أوفيائها، لم تفتح كتابا... بل فتحت التاريخ.
فانفرجت صفحاته، وتنحت القرون، وامتد من أعماق الزمن طريق تضيئه حروف لم يطفئها الغياب.
ودخل الحراس...
تقدم أبو الأسود الدؤلي، ثم الخليل بن أحمد، ثم سيبويه، والجاحظ، وابن جني، وابن منظور، وابن مالك.
ابتسمت العربية وقالت:
مرحبا بحراس الضاد... لقد طال الشوق إلى مجلس يجتمع فيه العلم بلا منافسة، والفضل بلا ادعاء، وتكون العربية فيه الغاية، لا الطريق إلى الغاية.
جلسوا جميعا، ولم يكن في المجلس من يرى نفسه فوق صاحبه...
لأن اللغة التي جمعتهم... كانت أكبر منهم جميعا.
عندها نهضت العربية، ونظرت إليهم بعين الأم التي ترى أبناءها بعد طول غياب، ثم قالت:
أيها الأمناء... لقد حفظ التاريخ أسماءكم، ورددتها الأجيال جيلا بعد جيل، ولكن بقي سؤال لم يكتبه مؤرخ، ولم تجب عنه كتبكم...
ما الذي كنتم تخافون عليه أكثر... أنفسكم، أم أنا؟
نظر بعضهم إلى بعض...
فقال أبو الأسود الدؤلي:
ما خفت على نفسي يوما... فالرجال يرحلون، أما الأمة فإذا انكسر لسانها، انكسرت هيبتها. لذلك خفت عليك، لا علي.
وقال الخليل بن أحمد:
كلما فتحت بابا من أبوابك، أدركت أنني لم أصل إلا إلى عتبته، وأن العربية بحر لا يحيط به عقل واحد، ولا يكفيه عمر واحد. وما كتبناه لم يكن إلا محاولة للاقتراب من جمالك.
وقال سيبويه:
تعلمت أن العالم لا يقاس بما كتب، بل بما يتركه من أثر. وما أردت أن يبقى اسمي، بل أردت أن تبقى العربية معلمة للأجيال، فإذا بقيت هي، فلا يهم أين يذكر اسمي.
وتبسم الجاحظ، وقال:
ما خشيت عليك من قلة المتكلمين، بل من كثرة الكلام إذا فارق الفكر، ومن البيان إذا خلا من المعنى؛ فالكلمة إذا فقدت روحها، فقدت سلطانها على القلوب، وصارت صوتا لا يهدي، وحرفا لا يبني.
وقال ابن جني:
كلما كشفت سرا من أسرارك، أيقنت أن العربية ليست لغة تحفظ فحسب، بل عالم لا ينتهي اكتشافه. وما أخشاه عليها أن يظن أبناؤها أنهم بلغوا نهايتها، وهي ما تزال تدعوهم إلى بدايتها.
وضم ابن منظور كتابه إلى صدره، وقال:
جمعت كلماتك كما يجمع الأب أبناءه بعد طول فراق، لأن ضياع الكلمة ليس ضياع لفظ... بل ضياع ذاكرة أمة، وضياع تاريخ لا يعود إذا رحل.
ثم قال ابن مالك:
أردت أن أجعل العلم أقرب إلى القلوب، لأن العربية لا تحتاج إلى من يهابها، بل إلى من يعشقها، فإذا أحبوها حملوها إلى المستقبل كما حملناها نحن من قبل، وبقيت حية في الصدور قبل السطور.
فانحنت الرؤوس...
وخيم على المجلس صمت مهيب...
ثم ابتسمت العربية، وقالت:
الآن أدركت لماذا بقيت أسماؤكم حية...
لأن أحدا منكم لم يسع ليكون أكبر من العربية...
بل سعى أن يجعل العربية أكبر من الجميع.
ثم نهض الحراس...
وتصافحوا كما يتصافح الإخوة الذين جمعتهم أمانة واحدة، لا زمان واحد.
وأغلقت صفحات التاريخ...
وعاد كل واحد منهم إلى عصره...
وبقيت العربية وحدها.
اقتربت من المقاعد التي كانت تضج قبل لحظات بأحاديث العلم، ومررت بكفها عليها برفق، ثم قالت:
ما أثقل هذا الصمت...
وسكتت لحظة...
ثم ابتسمت وقالت:
لكنه الصمت الذي يسبق ميلاد حارس جديد.
ثم أغلقت كتبهم برفق، وهمست:
رحل الحراس... وبقيت المفاتيح.
مفاتيح أبواب لم تفتح كلها بعد...
ومفاتيح عقول ما زالت تنتظر من يوقظها.
ثم رفعت بصرها إلى أبنائها، وقالت:
فلا تغلقوا بابا فتحوه لكم...
ولا تهدموا جدارا رفعوه بأعمارهم...
ولا تجعلوا ما بنوه في سنين، يضيع في غفلة لحظة.
فإن الأمم لا تسقط حين يضعف لسانها فحسب، بل حين تنسى أن لغتها كانت يوما سر نهضتها، وأن كل حرف فيها يحمل أثرا من عالم، وكل قاعدة فيها تحمل بصمة عقل، وكل كلمة فيها تحفظ وجها من وجوه تاريخها.
ثم خيم السكون...
غير أن صوت حافظ إبراهيم ظل يتردد في أرجاء المجلس:
> أنا البحر في أحشائه الدر كامن
فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟
ثم همست العربية:
فاللغة لا يخلدها من يتغنى بها...
بل يخلدها من يعيش لها، ويحملها أمانة، ويورثها علما، ويجعلها نبضا في قلب كل جيل.
د. حسين عبدالله الراشد
جميع الحقوق الأدبية محفوظة ©