ميزان الفوز العظيم
بعثت الأديان لتعيد الإنسان إلى اتزانه الأول؛
ذلك الاتزان الذي يعرف فيه كيف يحب دون أن يفسد، ؟!وكيف يصبر دون أن ينكسر، ؟!وكيف يرحم دون أن يضيع الحق. ؟!
غير أن الزمن، حين أفرغ القيم من أرواحها، حوّل بعض الفرائض في نظر الناس إلى طقوس جامدة، بل إلى أدوات تشويه، فساء الفهم، وانقلب المقصد، وغاب الميزان.
الرحمة كانت أول ما نزل في رسالة السماء، وأوسع ما حمله خطاب النبوة.
لم تكن الرحمة شعارًا مرفوعًا، بل كانت نسق حياةٍ كاملًا. كان النبي صلى الله عليه وسلم
يدخل إلى الناس بوجهٍ يسبق كلامه، وبسلوكٍ يسبق حكمه.
لم يكن يسأل: ماذا أُدين؟ بل: كيف أُصلِح؟ وحين بعثه الله، لم يبعثه ليُثقِل على الخلق، بل ليخفف عنهم ثِقَل الجهل والظلم، فجاءت بعثته رحمة تمشي على الأرض.
الصبر وعيًا عميقًا بحركة النفس والزمن.
صبر النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عجزًا عن الرد، بل ضبطًا للرد حين يكون الرد مفسدًا.
صبر على أذى قومه، لا لأنه لم يتألم، بل لأنه رأى ما وراء الألم. وحين سالت قدماه دمًا في الطائف، لم يسأل السماء أن تُهلك من آذوه، بل أن تفتح في قلوبهم نافذة نور.
كان يعلم أن الرحمة لا تُقاس بلحظة الانتصار، بل بقدرتها على تحويل القسوة إلى وعي.
أما الفرائض، فقد كانت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أدوات تهذيب لا وسائل قهر.
الصلاة لم تكن انفصالًا عن الحياة، بل عودة متكررة إلى الاتزان الداخلي،
الصلاة تعلمنا أن نتوقف قبل أن نندفع .الصيام يعلمنا أن نتحمل دون أن نؤذي . والزكاة لم تكن نقصانًا في المال، بل كسرًا لغرور التملك، وإعادة ترتيب للعلاقة بين الإنسان والآخر.
وكيف نحب دون امتلاك .
الأمانة تعلمنا أن نحفظ القلوب كما نحفظ الحقوق
وحين شوّه الناس الفرائض، لم يكن الخلل فيها، بل في فصلها عن أخلاقها.
فالصلاة بلا خُلُق تصبح عادة، والصيام بلا رحمة يتحول قسوة، والعبادة بلا أمانة تصير ستارًا لتزييف السلوك. وقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى حين قال إن أقرب الناس منه مجلسًا يوم القيامة أحاسنهم أخلاقًا، فجعل معيار القرب ليس كثرة التعبد الظاهر، بل صدق الأثر الإنساني.
وكان سلوكه في بيته مرآة صافية لهذه الفلسفة.
لم يكن يستخدم الدين سلطة، ولا العبادة تفوقًا، بل كان يخدم أهله، ويحتمل، ويعفو، ويبتسم.
لم تُلغِ النبوة إنسانيته، بل أكملتها. وفي هذا درس عميق: أن الدين الحق لا يصنع إنسانًا متصلبًا، بل إنسانًا ألين قلبًا، أصدق فعلًا، وأعدل ميزانًا.
وحين امتلك القوة، لم يسمح لها أن تفسد الرحمة. في فتح مكة، لم يكن العفو ضعفًا، بل تتويجًا للصبر الطويل.
هناك، اكتملت دائرة الرسالة: فرائض تهذّب، ورحمة تحكم، وصبر يحفظ المعنى من الانهيار.
لم يُهِن، ولم يُذِل، ولم يُذكّر بسنوات الأذى، بل فتح صفحة جديدة، لأن الغاية لم تكن كسر الخصم، بل إنقاذ الإنسان.
أن الفرائض، حين تُفصل عن الرحمة، تُشوَّه، وحين تُمارَس بلا صبر، تنقلب قسوة، وحين تُستَخدم بلا خُلُق، ترتد على صاحبها.
أما حين تُعاش كما عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فإنها تصبح ميزانًا يحفظ الإنسان من الغلو، ويحمي المجتمع من التوحش، ويُبقي العلاقة بين الناس قائمة على الكرامة لا الخوف.
في ميزان الرحمة والصبر، لا يفوز من رفع صوته، بل من حفظ قلبه.
ولا ينجو من ادّعى الطهارة، بل من جاهد نفسه ليكون أرحم وأعدل.
ذلك هو الفوز العظيم؛ أن تمرّ بك الحياة، بكل اختباراتِها، ولا تسرق منك إنسانيتك، ولا تُسقِطك من ميزان الخلق، وأن تخرج منها وأنت أقرب إلى الله، لأنك كنت أقرب إلى الناس رحمةً وصبرًا وصدقً
ا.
الكاتبة السورية
هيفاء البريجاوي