الخميس، 9 يوليو 2026

كلاب الحظيرة بقلم الراقي متولي بصل

 كِلابُ الحظِيرةِ


متولي بصل

مصر


كِلابُ الحظِيرةِ ماذا دَهَاهَا

وهذا العواءُ أحقًا عواهَا ؟!

كأنِّي بها اليومَ صارتْ ذِئابا

تُرَوِّعُ أكباشَها والشِيَاهَا

وقدْ كانَ سُكَّانُ تلكَ الحظيرةْ

يعيشونَ في أمْنِها وحِمَاهَا

ومِريَاعُهَا كانَ فيها إِمَامَا

فأمْسَى مِنَ الذعرِ يَمشِي وَرَاهَا

فهلْ حوَّلَتْهَا ضُغوطُ الحياةِ

لِتُصبحَ في ليلةٍ وضُحَاهَا

وُحُوشًا تُقدِّسُ سَفْكَ الدِّماءِ

وَتَنْهَشُ لَحْمَ الذي قدْ رَعَاهَا

أَمَا ذَكَّرَتْهَا لُحُومُ الضَحَايَا

بِطَعْمِ الحَلِيبِ الذي قدْ رَوَاهَا ؟!

وَتِلْكَ الشِيَاهِ التِي أَرْضَعَتْهَا

وَنَامَتْ بِأحْضَانِهَا فِي صِبَاهَا 

تروحُ الذئابُ وتغدو بِطانا

كأنَّ كبير الذئاب اشتراها

وتأتي الثعالبُ من دون خوفٍ

تلوكُ الطعامَ وتحسو المِياها

كأنَّ الحظيرةَ صارتْ مشاعا

فكلُّ الأيادي تجني جَناها

وصارَ لأعدائها اليوم فيها

نصيبان في أرضها وسماها

ولمْ يبقَ في أرض تلك الحظيرةْ

سوى الخوف والخوف يحني الجِباها

وجاعتْ كِباشٌ وماتتْ خِرافٌ

وفرَّتْ نِعاجٌ إلى ما سِواها

أليس لتلك الكلابِ دَواء

فتشفَى وتثأر ممن غواها ؟

أليس لتلك الحظيرة راع

يصُبُّ العِقابَ على من دَهَاهَا ؟!


..

من كتاب ( تغريدات)

النكران بقلم الراقية نور شاكر

 النكران

قصة قصيرة 

بقلم: نور شاكر 


كانت المقاعد الخشبية في مقهاهما المعتاد تشهد على تفاصيل حكاية دامت لأكثر من عشر سنوات أحمد ويوسف الصديقان اللذان لم يكن يفترقان، حتى ظن الجميع أن الأيام لن تقوى على تفريقهما كانا يتشاركان الأحلام الصغرى، خيبات العمل، وخطط المستقبل المؤجلة

وفي مساء خريفي عادي، ودع يوسف صديقه بابتسامة هادئة ومصافحة حارة، قائلًا نلتقي غدًا

لكن غدًا ذلك لم يأتِ أبدًا


في اليوم التالي، رن هاتف يوسف المغلق مرارًا

 مر يوم، ثم أسبوع، ثم شهر تلاشت آثار يوسف وكأنه لم يكن سوى حبرٍ على ورقة مَحاها المطر لم يكن هناك شجار، ولا عتاب، ولا حتى سوء تفاهم عابر يبرر هذا الغياب

بحث أحمد عنه في كل مكان؛ سأل عائلته التي أجابت بجفاء غريب أنه بخير وصحة جيدة لكنه اختار رغبتهم في الخصوصية، وقصد منزله ليجد الأبواب موصدة لم يمت يوسف، ولم يسافر في مهمة سرية، بل قرر ببساطة أن يُمزق صفحة أحمد من كتاب حياته، ويمضي بصمت


وجد أحمد نفسه وحيدًا، ليس فقط في المقاهي والطرقات، بل بين ركامٍ مرعب من الأسئلة التي تبدأ ولا تنتهي كان يجلس ليلًا يفتش في ذاكرته عن هفوة، عن كلمة طائشة، أو موقف فُهم على نحو خاطئ

هل أخطأتُ في حقه دون أن أنتبه؟

هل كانت تلك السنين مجرد تمثيلية بارعة؟

كيف يرحل المرء ويترك خلفه شخصًا ينزف حيرة؟

كان الجهل بالسبب هو القاتل الحقيقي فالخلافات تمنحك حق الدفاع عن نفسك، والموت يمنحك حق الحداد أما الرحيل الصامت بلا سبب فهو نوع من النكران الذي يترك الضحية معلقة في مشنقة الشك، الشك في صدق الماضي، وفي قيمة المعنى، وفي نفسه


مرت السنوات، وخمدت نار الأسئلة المشتعلة، تاركة وراءها رمادًا من التجاهل المتعمد التقى أحمد بيوسف صدفة في أحد الممرات الضيقة بمركز تجاري تجمدت الدماء في عروق أحمد، وتأهب قلبه لسماع التبرير المنتظر لسنوات

لكن يوسف نظر إليه بعينين باردتين، عينين غريبتين تمامًا، ثم واصل سيره متجاوزًا إياه وكأنه لم يره قط

في تلك اللحظة تحديدًا، أدرك أحمد الإجابة التي تبحث عنه؛ لم يكن هناك سر غامض، ولم يكن هناك ذنب اقترفه كان الأمر مجرد "نكران" قسري، تخلِ بارد من شخص انتهت صلاحية الصداقة في قلبه، فاستكثر حتى مجهود الوداع نفض أحمد عن كاهله ركام الأسئلة، واستدار يكمل طريقه، مدركًا أن بعض الغياب لا يستحق عناء البحث عن أسبابه.

سفر الطريق بقلم الراقي عاشور مرواني

 سِفْرُ الطَّرِيق


من أسفار الرؤيا


لم يُخلق الطريقُ لكي يُوصلنا...

بل لكي يُعيدَ ترتيبَ ملامحِنا.


فالإنسانُ لا يخلعُ أميَّتَه عند الوصول،

بل يتهجَّأُ رملَه

في تلك البرزخيَّةِ العالقة

بين خطوةٍ أكلها الغياب،

وخطوةٍ ما زالت تُفتِّشُ عن رئتَيْن.


فالذي فكَّ قيدَ البابِ أولَ مرَّة،

لم يكن يعلم

أنَّه ترك الجدرانَ قائمةً في مكانها،

وهربَ من ظلِّه القديم.


وكان الإسفلتُ يقشرُ عن جلده

طينَ الذاكرة،

مسامًّا بعد مسامٍّ،

حتى تيبَّست الأقنعةُ المستعارة،

ولم يتبقَّ

سوى حدقةٍ خاليةٍ من الوهم،

لا تقرأُ إلا ما يمحوه الضباب.


أقرضَه الطريقُ

تساؤلًا جارحًا،

كلما غرزَ فيه نصلَه،

اتَّسعتِ البلادُ في عينيه.


كلُّ خطوةٍ

كانت مقبرةً لوجهٍ قديم،

وقابلةً سريَّةً تُولِّدُ في الصمت

ملامحَ لم تتورَّط فيها المرايا

من قبل.


حتى التيهُ...

لم يكن انحرافًا عن بوصلة،

بل كان الطريقَ نفسه

حين يرتدي قناعَ الغموض،

ليؤجِّل وصولَنا

حتى يكتملَ النضجُ

في مخاضِ العثرة.


كم من بابٍ

رصفَ قفلَه في وجوهنا،

فتقوَّس الطريقُ

كظهرِ أمٍّ

يحمي انكسارَنا،

وهيَّأ لنا ممرًّا سرِّيًا

تعجزُ الخرائطُ

عن كتابةِ أبجديَّته.


فالمسافةُ

لا تُقاسُ بأنفاسِ العدَّادات،

بل بكميةِ الغبارِ

الذي تحوَّل في رئتَيْك

إلى يقين.


وفي ختامِ هذا الطواف،

قد لا نجدُ المدينةَ

التي رسمنا لها خطةَ الشروق...


لكنَّنا سنلتقي حتمًا

بذلك الغريب

الذي فرَّ منَّا ذاتَ خوفٍ

ليبحثَ عنَّا.


فالغايةُ

ليست محطةً يصفرُ فيها القطار،

بل هي الثانيةُ الأولى

التي يكتشفُ فيها الطائرُ

أنَّ سماءَه الحقيقية

تبدأُ من تحتِ جناحيه.


وعندها فقط سنفهم،

أنَّ الطريقَ لم يمتدَّ يومًا فوق الطين...

بل كان ينمو

كعروقٍ نابضةٍ فينا.


وأنَّ الرحلةَ

لم تكن مطاردةً لخطِّ النهاية،

بل ترويضًا لبدايةٍ

تتوالدُ من موتِها.


عاشور مرواني

الأربعاء، 8 يوليو 2026

تراتيل الوجد بقلم الراقية مديحة ضبع خالد

 تراتيلُ الوجد

✍️الشاعرة الحرة 🎀مديحة ضبع خالد 🎀

شَوْقِي إِلَيْكَ يَفِيضُ نَارَ قَصَائِدِي

وَيُثِيرُ فِي أَعْمَاقِ قَلْبِي شَجْوِي

وَوَجْدِي يُرَتِّلُ فِي الضُّلُوعِ تَوَقُّدًا

حَتَّى يُجَدِّدَ فِي الهَوَى أَنْفَاسِي

قَلْبِي إِذَا نَادَاكَ خَفَّ مُحَلِّقًا

وَمَضَى إِلَيْكَ عَلَى جَنَاحِ حَمَاسِي

وَالحُبُّ فِي عَيْنَيْكَ بَدْرٌ سَاطِعٌ

مِنْ نُورِهِ اسْتَقْبَلْتُ فَجْرَ أُنَاسِي

لَيْلُ الغِيَابِ إِذَا تَمَادَى ظُلْمَةً

أَلْقَى عَلَى أُفُقِ الرُّؤَى أَشْجَانِي

فَأَظَلُّ أَجْمَعُ مِنْ رَمَادِ تَلَهُّفِي

أَمَلًا يُضِيءُ دُرُوبَ يَوْمِي الآسِي

حَتَّى السُّكُونُ إِذَا مَرَرْتَ بِظِلِّهِ

أَصْغَى إِلَى وَقْعِ الخُطَى وَهَمْسِي

وَرُوحِيَ العَطْشَى تُرَدِّدُ اسْمَكَ الَّذِي

غَدَا فِي الفُؤَادِ مَنَارَةً وَرَوَاسِي

مَا زِلْتُ أَكْتُبُ فِي هَوَاكَ قَصِيدَةً

تَبْقَى عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ أَسَاسِي

فَإِلَيْكَ يَمْضِي النَّبْضُ دُونَ تَرَدُّدٍ

وَيَظَلُّ حُبُّكَ مُزْهِرًا بِحَوَاسِي

إِنِّي وَإِنْ أَضْنَتْ فُؤَادِي لَوْعَةٌ

أَبْقَى عَلَى عَهْدِ الهَوَى لَا أَقْسِي

أَنْتَ المُنَى، وَإِلَيْكَ تَرْحَلُ مُهْجَتِي

مَا دَامَ فِي

 صَدْرِي يَدُقُّ فُؤَادِي

أزاهير العرب بقلم الراقي حسين عبدالله الراشد

 أزاهير العرب


رحلة بين القيم التي صنعت الحضارة


زهرة الحكمة


في رحاب واحة الأدب والأشعار الراقية، نواصل رحلتنا بين أزاهير العرب، لا لنقطف زهرة، بل لنكتشف القيمة التي صنعت الإنسان، فصنعت الحضارة.


ليست الأمم العظيمة بما شيدت من عمران، ولا بما بسطت من سلطان، فذلك كله قد يطويه الزمن. أما ما يبقى حقا، فهو ما تغرسه في عقول أبنائها وضمائرهم. ولهذا كانت الحكمة أعظم ميراث تتناقله الحضارات، لأنها لا تبني الجدران، بل تبني الإنسان، وإذا استقام الإنسان، استقام ما يبنيه بعد ذلك.


وقد وعى العرب هذه الحقيقة مبكرا، فلم يجعلوا الحكمة زينة للأقوال، بل روحا للحياة، تهذب الأخلاق، وترشد العلم، وتقيم العدل، وتمنح الكلمة وزنها. وكانت قيمة الحكيم عندهم تقاس ببصيرته، لا بكثرة قوله، لذلك بقيت الحكمة من أنقى ما أورثه العرب للأجيال.


ولعل هذا ما أعادني مرة أخرى إلى البستان...


لكنني هذه المرة لم أعد أبحث عن أجمل زهرة، ولا عن أزكاها عطرا، بل عن الزهرة التي إن عرفتها، فهمت سر جميع الأزهار.


كان البستان غارقا في سكون مهيب، حتى خيل إلي أن الصمت نفسه صار لغة. ومع أول خطوة أدركت أن الطريق إلى الحكمة لا يبدأ بالعثور عليها، بل بالتخلي عن وهم امتلاكها.


وفي عمق البستان بدأت الرحلة.


كان أول من استقبلني لقمان. لم يحدثني عن كثرة المعرفة، بل عن صدق الكلمة، وأن الحكمة لا تقاس بطول الحديث، وإنما بما يتركه من أثر في النفس. ترك في روحي كلمة... ومضى.


ثم أقبل الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، بوقاره المعروف، فعلمت أن العقل لا يكتمل إلا بالعدل، وأن أقوى الناس ليس من غلب غيره، بل من غلب نفسه. وأودع في عقلي ميزانا لا يختل... ومضى.


ومضيت، فإذا بالإمام الشافعي يستقبلني بابتسامته الهادئة. أدركت معه أن العلم إذا فارقه الأدب صار جدلا، وأن الحكمة الحقة تجعل صاحبها أكثر تواضعا كلما ازداد علما. ترك في قلبي أدبا... ومضى.


وفي نهاية الطريق، وقفت أمام ابن خلدون، لا بوصفه مؤرخا فحسب، بل بصيرا بسنن العمران. علمني أن الحضارات لا تنهض بكثرة ما تملك، بل بسلامة الفكرة التي تقودها، ولا تسقط يوم تضعف قوتها، بل يوم تتخلى عن قيمها. وأشعل في بصيرتي سراجا لا ينطفئ... ومضى.


ثم وقفت أمام زهرة الحكمة.


لم تكن أكثر الأزهار لونا، ولا أشدها عطرا، لكنها كانت أكثرها حضورا. وهناك أدركت أن الحكمة ليست زهرة نتأملها، بل نور نهتدي به، وليست جوابا جاهزا، بل طريقة في رؤية الحياة، تجعل الإنسان يحسن الاختيار قبل أن يحسن الوصول.


هممت أن أغادر البستان، فالتفت خلفي للمرة الأخيرة.


لم أقطف زهرة...


لأن الأزهار يبهت لونها إذا فارقت جذورها.


لكنني حملت الحكمة.


والحكمة لا تحمل في اليد، بل تحمل في طريقة التفكير، وفي ميزان الحكم، وفي صدق العمل.


وحين غادرت البستان، أدركت أن العرب لم يورثوا الإنسانية كنوزا من الذهب، بقدر ما ورثوها كنوزا من الفكر، وأن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله ليس ما يبنيه بيديه، بل ما يغرسه في العقول والقلوب.


لهذا لم تكن الحكمة أول أزاهير العرب...


بل كانت الجذر الذي ما إن صلح... حتى أزهرت من حوله سائر القيم.


قطرة من الرحيق


> الحكمة ليست فيما تعرفه... بل فيما تصبحه.


د. حسين عبدالله الراشد


جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة © د. حسين عبدالله الراشد

مولاي بقلم الراقية رفا الأشعل

 مولايَ ..


مولايَ قلبي بنار الشّوق تكويهِ 

والعُمْرُ في بعدكمْ همٌّ أقاسيهِ


مولايَ في بعدكمْ لا صبرَ يسْعفُني 

وليس للدّهرِ صبحٌ في لياليهِ


قلبي رقيقٌ تلظّى في جوانبهِ

جمرُ الصّبابةِ حتّى كاد يرديهِ


وللسّماء بكاءٌ إذْ رأتْ وجعي 

وللوجودِ اكتئابٌ في نواحيهِ


يا غائباً غُربةٌ تجتاحني وأسى

مولايَ لوْ زرتَ جرحُ القلبِ تُشفيهِ


يا منْ توهّمَ أنّي لستُ أذكرهُ

والدّمعُ يشهدُ أنّي لستُ ناسيهُ


شوقي إليهِ أسالَ الدّمْعَ مُنْسَكِبا

والله يعلمُ ما في القلبِ أخفيهِ


كيفَ السّبيلُ فهذا القلبُ يسألني

وهوَ الجريحُ .. وسهمُ البينِ يُدْمِيهِ


عنِ الوقور كريم الأصلِ أعشقهُ

وسرّ كلّ جمالٍ منهُ أو فيهِ


لا أعرفُ النّومَ منْ شوقٍ إلى سقمٍ

فهلْ عذابي ونزفُ الجرحِ يرضيهِ


هواهُ جالَ مجالَ الرّوحِ في جسدي

نبضُ الفؤادِ وأشواقي تناديهِ


يطغى هواهُ وأقضي العمرَ منتظرا

أن يبسمَ الدّهرُ والأقدارُ تدنيهِ


أنادمُ النّجمَ طولَ الليلِ ساهِرَة

وكمْ يطولُ .. بلا فجرٍ يحلّيهِ


يفيض حبري على الأوراق من قلمي 

فيُعْلنُ الحرفُ سرّا كنتُ أخفيهِ


                     رفا رفيقة الأشعل

إبط الخريطة بقلم الراقي سعيد العكيشي

 إبط الخريطة 

.ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المساء ممتلئ بأناشيد الفقد

 والصباح لا زال في ولادة متعسرة

المطر في إبط غيمة عقيمة

والريح لا تجر إلا العطش


كيف نبتر مخالب الخوف

والحلم واقف على قارعة الانتظار

والحزن انتماء ووطن؟


كيف نكسر جرة العطش 

ومطرقة الشجاعة ضائعة؟

كيف نضع للحلم أجنحة 

والقصيدة على الرصيف نائمة؟


كيف سنعبر ظلمة هذا الليل؟

والمدن غفتْ في حضنِ الرماد،

والشوارع لا تعبرها سوى قطاراتِ الانتظار 

وأسراب الذكرياتِ تسوقُها التنهُّداتُ

في الفراغ

وبحيرات الكآبة لا تسبح فيها 

إلا لقالق القهر

والفصول خدشت ملامحها مخالب الألم


كيف سننتشلُ وطنًا من إبطِ الخريطة؟

ونرقِّعُ ثوبَ سمائِه بخيطِ الأمنيات،

كي تتذكرَ الغيماتُ معنى المطر،

كيف نقنع الحاضر أن التاريخ حفار قبور؟ 

ونحذِّرُ القادمَ من خيانةِ الطين؟


وفي الصباح

لن نجد سوى القصيدة

شاهدةً أخيرةً

على وطنٍ

محا اسمَه واختفى في إبط الخريطة


سعيد العكيشي/ اليمن

الأثر بقلم الراقي بهاء الشريف

 الأَثَر


لا أَحَدَ يَشْهَدُ وِلادَتِي.


فالعُيُونُ

تَتْبَعُ الخُطْوَةَ،

ولا تَلْتَفِتُ

إلى ما تَتْرُكُهُ وَراءَها.


لِهٰذا…


أَتَأَخَّرُ دائِمًا.


وأَبْقَى

أَطْوَلَ مِمَّا يَظُنُّ الرَّاحِلُونَ.



لا تَهُمُّنِي

أَسْماءُ الَّذِينَ صَنَعُونِي.


فالرِّيحُ

تَمْحُو الأَسْماءَ،

ولا تَمْحُو

ما فَعَلَتْهُ القُلُوبُ.


لِذٰلِكَ

لا أَتَعَرَّفُ إِلَى النَّاسِ

مِنْ وُجُوهِهِمْ…


بَلْ بِما يَتْرُكُونَهُ

فِي غَيْرِهِمْ.



رَأَيْتُ كَثِيرِينَ

يَعْبُرُونَ الأَرْضَ…


فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ

غَيْرُ الغُبارِ.


ورَأَيْتُ آخَرِينَ

يَعْبُرُونَ قَلْبًا…


فَصارَ قَلْبٌ وَاحِدٌ

أَقَلَّ وَحْدَةً.



أَنا لا أَسْكُنُ الطَّرِيقَ.


فالطَّرِيقُ

يَنْسَى سَرِيعًا.


أَسْكُنُ

كَلِمَةً

جاءَتْ فِي وَقْتِها.


وَيَدًا

تَأَخَّرَتْ لَحْظَةً

فَمَنَعَتْ سُقُوطًا.


ونَظْرَةً

أَعادَتْ إِلَى رُوحٍ

إيمانَها بِنَفْسِها.


ودُعاءً

صَعِدَ خَفِيًّا…


فَعادَ نُورًا

إِلَى قَلْبٍ

لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ

مِنْ أَيْنَ جاءَهُ.



كُلُّ الَّذِينَ

ظَنُّوا

أَنَّهُمْ تَرَكُونِي خَلْفَهُمْ…


لَمْ يَعْلَمُوا


أَنَّنِي كُنْتُ

أَسْبِقُهُمْ


إِلَى الَّذِينَ

لَمْ يَلْتَقُوا بِهِمْ بَعْدُ.



رَحَلَ رَجُلٌ

دُونَ ضَجِيجٍ.


لَمْ يَتْرُكْ

صُورَةً تُعَلَّقُ،

ولا اسْمًا

يُرَدَّدُ.


لٰكِنَّ كَلِمَةً

قالَها

عَلَى عَجَلٍ…


رَفَضَتْ

أَنْ تَمُوتَ.


كانَتْ تَكْبُرُ

كُلَّما غابَ.


وتُضِيءُ

كُلَّما اشْتَدَّ

لَيْلُ أَحَدِهِمْ.



رَحَلَ…


وبَدَأْتُ أَنا.


الأَثَر


«كُلُّ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ تَرَكُونِي خَلْفَهُمْ…

لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّنِي كُنْتُ أَسْبِقُهُمْ

إِلَى الَّذِينَ لَمْ يَلْتَقُوا بِهِمْ بَعْدُ.»


✍️ بقلمي: بهاء الشريف


6 / 7 / 2026

في محراب الحقيقة بقلم الراقي د.أحمد سلامة

 قصة قصيرة في محرابِ الحقيقة: حوارٌ بين المُهندس والشاعرة

جلستُ في مكتبي، وقد غلفتني سكونُ ليلةٍ لم تُبقِ من العالم إلا ضوءَ حاسوبي الخافت، وأوراقي التي اختلطت فيها رُموزُ النيتروسوفيك بمسودة روايتي الجديدة. وفجأة.. وكأنَّ مرآةً قد انشطرت في روحي، بدأت أسمع صوتين يتبادلان الحوار.

صوتُ المهندس فيَّ ذاك الذي يقدس البرهان يقول: يا أحمد، الأرقامُ لا تكذب، هي لغة الكون الصادقة. ألا تكتفي بصرامة المعادلات؟ لماذا تُتعبُ نفسك في البحث عن استعارةٍ لشاعرٍ غابر، أو في حبكة روايةٍ لن تغير من قوانين الفيزياء شيئاً؟

ابتسمتُ، ثم جاء صوتُ الشاعرة في أعماقي تلك التي ترفض إلا أن تجعل للكون قلباً يجيب: يا أخي، إنَّ ما تسميه أنت 'صرامةً'، هو في جوهره قيدٌ يمنعُ الأرقامَ من الطيران. ألا ترى أنَّ (X) المجهولة في معادلاتك، هي ذاتها (الحيرة) التي نبحث عنها في أرواحنا؟

نظرتُ إلى شاشة الحاسب، إلى الخوارزمية التي كنتُ أُصممها لحلِّ معضلةٍ معقدة، فقلتُ لهما: هوناً عليكما.. ألا تدركان أنكما وجهان لعملةٍ واحدة؟ إنَّ مرايا اليقين التي أكتبها، ليست إلا محاولةً لدمجكما معاً.

توقفَ الصراعُ في داخلي، وأكملتُ:

يا صديقي المهندس، أنت تُعلمني أنَّ الجمالَ يبدأ حين تُوضع كل قطعةٍ في مكانها الصحيح، تماماً كما أفعل في هندسةِ الجملةِ الأدبية. ويا أيتها الشاعرة، أنتِ تُعلميني أنَّ البرهانَ الرياضيَّ يظلُّ بارداً، ما لم يلمس وجداناً بشرياً، وما لم تكن خلف كل نظريةٍ حكايةٌ تستحقُّ أن تُروى.

في تلك اللحظة، رأيتُ الكودَ البرمجيَّ يترجمُ مشاعري إلى مساراتٍ منطقية، ورأيتُ الكلماتِ تنسابُ كأنها معادلةٌ متزنة، لا انحرافَ فيها، ولا حشو، ولا اضطراب. اكتشفتُ أنَّ حياتي ليست انقساماً، بل هي تكاملٌ رياضيٌّ حيّ.

فبصفتي أستاذاً في الرياضيات، أدركتُ أنَّ الأدبَ هو المتغير التخيلي الذي يجعل حياتنا قابلةً للحل. وبصفتي كاتباً، أدركتُ أنَّ الرياضيات هي الهيكل العظمي الذي يحمي الكلمة من التلاشي في فوضى الغموض.

أغلقتُ حاسوبي، ونظرتُ إلى النافذة، حيث القمرُ يرقصُ وفق قانونِ الجاذبية، فيُشعرنا بالجمال.. هل رأيتم؟ حتى الكون يمارسُ هذا التكامل! إنه يطبقُ الرياضيات ليحافظ على بقائه، والأدب ليمنحنا الدهشة في كل ليلة.

يا أنتم.. يا من تقرأون أفكاري الآن: أليس في أعماقكم هذا التناغم؟ ألا توجد في حياتكم معادلةٌ صعبة، تبحثون عن كلمةٍ أدبيةٍ تفتحُ مغاليقها؟

نحن لا نختار بين العقل والقلب، بل نختار أن نعيش بهما معاً.. فبغير المنطق تضيعُ الحقائق، وبغير الجمال.. لا تستحقُّ الحقائقُ أن تُعرف.

أ.د. أحمد عبد الخالق سلامة

أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب

كاتبٌ يرى أنّ الكلمة يمكن أن تكون معادلة، وأن المعادلة قد تكون أجمل حين تُكتب بروح شاعر.

أحن بقلم الراقي بهاء الشريف

 أحنُّ…


أحنُّ…


أحنُّ…

لا إلى بيتٍ تركتُه،

ولا إلى وجهٍ غاب،

بل إلى ذلك الذي كنتُه…

قبل أن تُعلِّمني الأيامُ

أن القلب إذا انكسر،

لا يلتئم دائمًا…

بل يتعلَّم كيف يُخفي شقوقه.


أحنُّ

إلى ذلك الذي كان يمضي

خفيفًا،

لا لأن الطريق كانت أقصر،

بل لأنه لم يكن يحمل

كلَّ هذا الاحتياط.


كان يُصدِّق،

لا لأنه يجهل الخديعة،

بل لأنه لم يكن يعرف

ما يدعوه إليها.


وكان إذا أحبَّ،

أعطى قلبه كاملًا،

دون أن يترك منه

جزءًا للخوف.


ثم حدث

ما يحدث للكثيرين.


لا شيء يُروى.


أيامٌ قليلة،

تعلَّمتُ فيها

أن أُغلق الأبواب

قبل أن يهبَّ الهواء،

وأن أزن كلماتي

كما يزن العابر

خطواته فوق الزجاج.


ولم أشعر

أنني،

كلما ظننتُ

أنني أرتدي حكمةً جديدة،

كنتُ أخلع،

في الخفاء،

جزءًا من نفسي.


حتى إذا التفتُّ،

ذات مساء،


لم أجد وراءي

عمرًا مضى…


وجدتُ إنسانًا

ما زال واقفًا

حيث تركتُه.


لم يكن غاضبًا.


ولم يكن حزينًا.


كان ينظر إليَّ

كما ينظر المرء

إلى صديقٍ

تأخر كثيرًا.


ثم قال،

بهدوءٍ

كان أشدَّ وقعًا

من كل عتاب:


أخذتَ معك عمرك…

وتركتني

أحرس قلبك.


لم أجد

ما أقوله.


لأنني،

للمرة الأولى،

أدركتُ

أن ما كنتُ أسمِّيه حنينًا…


لم يكن إلا

اعتذارًا

تأخر كثيرًا

الانعتاق من الوهم بقلم الراقية حنان عبد الفتاح

 الانعتاق من الوهم

عزيزتي المرأة القوية رغم ما مررتِ به 


بما أنكِ اخترتِ المضي قدماً، إليكِ هذه الخاطرة الأدبية التي توثق لحظة الانعتاق، وتضع النقاط على حروف كرامتكِ:

مرافعة الروح: وداعاً لما لا يليق

دعيه.. فما كان يوماً سنداً، بل كان عناءً مغلفاً بالوهم. اخلعي عن كاهلكِ ذاك الرداء المثقل بالخيبات، فقصصه المهترئة لا تليق بقامتكِ، وألوانه الباهتة لا تناسب بريق عينيكِ. لماذا تقيمين في مدنِ الألم؟ ولماذا تسمحين لمشاعر مسمومة أن تستنزف رحيق روحكِ وتهدم ما بنيتِ من كبرياء؟

انصرفي بهدوء..

دعي ضجيجهم خلفكِ، واتركيهم يغرقون في تفاصيلهم الصغيرة. لقد اختار أن يضع سعادتكِ في "سلة المهملات" ليجعل من سعادتها هي المركز والقضية. فلا تمنحيه شرف رؤية انكسارك، ولا تخوني أمانة نفسكِ كما خان هو أمانة الود.

تذكري جيداً:

 * نفسكِ ليست رخيصة: إذا هُنتِ عليه يوماً، فلا تجعلي نفسكِ تهون عليكِ أبداً.

 * البقاء في الإهمال انتحار: كل خطوة تخطينها نحو بابه هي طعنة لكرامتكِ، فماذا تنتظرين من يدٍ لا تعرف كيف تتمسك بكِ؟

 * الرحيل هو الانتصار: ليس الرحيل دائماً خسارة، بل هو أحياناً استرداد لما ضاع منكِ في زحمة العطاء.

ارحلي.. ليس لأنكِ ضعيفة، بل لأنكِ قوية بما يكفي لتعرفي أن هذا المكان لم يعد يتسع لقلبكِ الكبير. ارحلي بسلام، واتركي له "فائض الإهمال" لعلّه يدرك يوماً ماذا خسر، لكن حينها.. ستكونين أنتِ قد أزهرتِ في أرضٍ أخرى تليق بكِ.

"أجمل ما تفعلينه لنفسكِ اليوم، هو أن تُخرجيها من زنزانة شخصٍ لا يراكِ إلا حين يفرغ من الجميع."


حنان عبد الفتاح

إعصار الشوق بقلم الراقية عبير ال عبد الله

 إعصار الشوق

حبي لك إعصار...

كلما حسبت أنني أفلت منه، أدارني إلى جهتك، كأن الريح لا تعرف وطنا سواك.

يفيض الشوق في عروقي، لا نهرا يسير إلى مصب، بل ماء يكتشف كل لحظة ينبوعا جديدا.

يتسلل إلى نبضاتي، ويستوطن أنفاسي، حتى لا يبقى في روحي موضع لم تمسه أنت.

أغرق في ضياء عينيك، فتمضي الأشياء من حولي باهتة، كأن العالم استعار نوره منهما.

والانتظار... لا يعلمني الصبر، بل يزيد الشوق مهارة، كلما مر بي أعاد رسم ملامحك على جدار قلبي.

فكيف أهدئ روعي، وحبك ريح كلما أغلقت في وجهها بابا، دخلت من نافذة الحنين؟

وكيف أصل إليك، وأنا كلما اقتربت اكتشفت أن القلب ما زال يملك مسافة أخرى إليك؟

أخاف الفقد... لكن خوفي لا يبعدني، بل يدفعني إليك أكثر، كأنك النجاة الوحيدة من هذا الإعصار.

فهل يأتي الربيع، لا ليبدد الشوق، بل ليمنحه ظلا، فنقف معا بعد كل هذا التيه، ونعرف أن الريح التي بعثرتنا كانت تقودنا إلى اللقاء.

بقلمي عبير ال عبدالله 🇮🇶

مرآة الحنين بقلم الراقي محمد شعوفي

 مرآة الحنين:


 من غسق الأيام وتراكم السنين، نكتشف أن الذاكرة ليست مجرد مخزن لأحداث الماضي، بل هي مرآة الروح اللامعة التي نرى فيها حقيقتنا كلما حجبتها عنا غيوم الحاضر الصاخب وبهرجته الخادعة. 

إنه التساؤل الأزلي الذي يراود الوجدان: 

هل يرحل حقاً كل ما يغادرنا في المدى المنظور؟ 

إن بعض الأشياء تفارق الحيز المكاني لتستقر في أعمق نقطة من أغوار الروح، وهناك تحديداً تبدأ رحلتها الحقيقية ومعناها المتجدد. 

تتحول تلك الذكريات المنقحة إلى نور خافت ودافئ يرافق خطاي كلما أثقلت الكاهلَ ماديةُ الحياة المعاصرة، وتتحول إلى صوت داخلي رصين يذكرني بأن الكائن البشري لا يحيا بالحاضر وحده، بل بما اختزنته كينونته من محطات صنعت وعيه، وشكلت ملامحه الفكرية، ومنحته عمق الانتماء. 

كلما تكاثف الغبار الرمادي في دروب العصر الحديث، وجدتني أعود تلقائياً إلى نافذة باطنية سامية لا تغلقها الأيام. 

إنها نافذة لا تطل على الشوارع الأسمنتية الباردة ولا على المدن الصاخبة بآلاتها، بل تشرع أبوابها على مدارات الذات؛ حيث تتعانق الذاكرة الواعية مع الوجدان النقي، وتعود الوجوه التي غيبها المدى، والأمكنة التي رحلت عنها الأقدام، لكنها ما زالت تقيم في شغاف القلب بكامل تفاصيلها كأنها لم تغادره يوماً. 

هناك، وفي تلك العزلة المهيبة، يولد الحنين الحقيقي. 

وليس الحنين، كما كنت أظنه في مراحل العمر الأولى، مجرد شعور عابر يزور القلب في لحظة ضعف ثم يمضي سريعاً، بل هو نسيم خفي يوقظ ما ظننته نائماً تحت رماد السنين، ويعيد ترتيب بعثرتي الداخلية ويصون جوهري كلما غيرت الأيام ملامحي الخارجية. 

في تلك اللحظات الساكنة، أشعر كأن عجلة الزمن تتوقف قليلاً لتمنحني فرصة الإصغاء اللذيذ والرصين إلى نفسي. 

أفتح أبواب البوح على اتساعها، وأترك الحروف تمضي حرة في دروب التجربة، تجمع ما تناثر من أوراق الشوق، وتصوغه في كلمات تبحث عن جوهر المعنى الإنساني أكثر مما تبحث عن زينة البلاغة المصطنعة. 

وحين أعود بفكري إلى البدايات الأولى، أكتشف أنني لا أستحضر الأمكنة في حد ذاتها ككتل صماء، بل أستحضر الإنسان الذي كنتُه وأنا أسكنها. 

كيف يمكن للمرء أن ينفصل عن أصله دون أن يفقد توازنه؟ 

إنني ألمس بوضوح أنني لا أشتاق إلى البيت القديم بجدرانه الطينية أو الحجرية بقدر ما أشتاق إلى تلك النسخة البريئة والصافية من نفسي، التي كانت ترى العالم بعين مملوءة بالدهشة البكر، وتؤمن بيقين مطلق أن الفرح الحقيقي يسكن أبسط الأشياء وأقلها تكلفاً. 

أتذكر ذلك الطفل الصغير الذي كان يركض في أزقة الحي القديم، حيث كانت رائحة الخبز الطازج تمتزج بعبق الطبيعة الخضراء، وكان صوت الأب يملأ الفضاء حكمة ودفئاً، فتبدو الحياة في عيوننا أوسع من كل الهموم، وأقرب ما تكون إلى الطمأنينة المطلقة التي نتشهّاها اليوم. 

قد تكون تلك الأزقة قد تبدلت ملامحها وتلاشت معالمها اليوم، وربما اختفت بعض البيوت تحت وطأة التحديث الجاف، وغابت وجوه كثيرة كانت تمنح المكان روحه وهويته، لكن أثرها ما زال حياً نابضاً في أعماقي، يورق كلما لامست الذاكرة باب القلب. 

فالوجوه التي أحببناها بصدق وإنسانية لا تغيب تماماً خلف حجب الغياب النهائي. 

إنها تعود إلينا بين حين وآخر، لا كأطياف ماضية تدعو لليأس، بل كضوء مصباح قديم دافئ يبدد شيئاً من عتمة المساء، ويذكرنا بأن الأثر الإنساني الصادق لا ينتهي بانتهاء اللقاء المادي، وإنما يتحول إلى قيمة مقيمة في الروح، يرافقها كظل رحيم كلما احتاجت الذات إلى السكينة والاتزان. 

كلما تعمقت في تأمل هذا الشعور الوجودي، ازددت يقيناً بأن الحنين ليس مجرد التفاتة نكوصية إلى الوراء، ولا بكاء عاجزاً على أطلال زمن ولى، بل هو دعوة هادئة وصارمة في آن واحد للعودة إلى الذات، ومراجعة ما صنع ملامحها الأولى. 

لقد علمني الحنين أن الزمن لا يسير في خط مستقيم دائم الانفلات كما نظن، بل يدور في دوائر خفية، يعيدني بين الحين والآخر إلى منابعي الأولى، لأستمد منها قوة أواصل بها مسير الحاضر، وأستعيد بها اتزاني الوجودي كلما أوشكت أن أفقده في زحام الماديات الاستهلاكية. 

وفي حضرة هذا التأمل، اكتشفت أنني أشتاق إلى القيم الرفيعة التي كانت تسكن تلك الأمكنة، إلى البساطة العفوية التي كانت تظلل أيامها، وإلى العلاقات الإنسانية الصافية التي لم تكن تحتاج إلى شكليات معقدة أو كثير من الأقنعة لتثبت صدقها ونقاءها. 

هناك، في تلك الذاكرة الدافئة، ألمس جذوري وهي تمتد عميقاً في تربة الهوية، فأدرك أن الإنسان لا يستطيع أن يبني غداً راسخاً إن كان قد قطع حبل الوريد الذي يصله بأمسه، ولا يمكنه أن يفهم ذاته المعاصرة إن أنكر الطريق الطويل الذي أوصله إلى ما هو عليه الآن. 

ولعل أكثر ما يثير تأملي أن الحنين لا يخص فرداً بعينه، بل يتجاوز حدود التجربة الفردية الضيقة ليغدو ذاكرة جماعية حية، تحفظ هوية المجتمعات وأصالتها كما تحفظ ذاكرة الإنسان هويته الشخصية. 

كل أمة حية تحمل في وجدانها الجمعي نافذة تاريخية تطل منها على مسارها، تستعيد عبرها أحلامها التي اكتملت، وتلك التي ما تزال مؤجلة تنتظر من يبعث فيها الروح. 

وحين أتأمل تراثنا الإنساني والعربي الأصيل، أشعر أن الحنين يسري في أوصاله كالنواة الصلبة في الجسد الحي. ألمسه في معلقات الشعراء وقصائدهم الفذة، وفي مواويل الرعاة على المرتفعات، وفي حكايات الجدات الدافئة التي كانت تروى على ضوء قنديل المساء، وفي الحواضر التي ما زالت تعيش في الذاكرة ببهائها الحضاري وإن تغيرت تضاريسها المادية. 

فالحنين إلى الأندلس، وإلى بغداد في ألقها المعرفي الباذخ، وإلى القرى الوادعة التي غيرت الحداثة الجافة وجهها البسيط، ليس بكاء عاجزاً على الأطلال، بل هو توق وجودي إلى القيم التي صنعت تلك الحواضر، وإلى الإنسان الذي كان يؤمن بعمق أن الحضارة الحقيقية تبدأ من الأخلاق والوعي قبل العمران وتشييد البنيان. 

ومن هنا، أدركت أن الحنين ليس مظهراً من مظاهر الضعف أو الهروب من الواقع كما يظنه بعض السطحيين، بل هو قوة عاصمة تحفظ للروح توازنها، وتمنعها من الذوبان والتشظي في زحام الأيام المتسارعة. 

إنه الجسر الذي يصل ماضينا بحاضرنا، ويجعل مستقبلنا أكثر رسوخاً وعمقاً؛ لأنه يبنى على ذاكرة واعية تعرف جيداً من أين جاءت، وإلى أي القيم النبيلة تريد أن تمضي. 

وحين أنظر بتمعن إلى عالم اليوم، أزداد اقتناعاً بأن الحنين أصبح أكثر من مجرد شعور إنساني فطري؛ لقد غدا فعلاً واعياً من أفعال المقاومة الثقافية الهادئة في وجه العولمة الجارفة. 

في زمن تتسارع فيه الخطى بشكل جنوني، وتتزاحم فيه الصور الباهتة على الشاشات ثم تتلاشى في لحظات دون أثر، أخشى ما أخشاه أن تتحول ذاكرتنا البشرية إلى أرشيف رقمي بارد، تخزن فيه الأحداث كبيانات صماء دون أن تعيشها القلوب، وتحفظ فيه الصور دون أن تحتفظ بحرارتها الإنسانية ونبضها الحي. 

ولذلك، أجدني أتشبث بقوة بتلك النافذة الداخلية السامية، التي لا تقاس مساحتها بأبعاد الجدران، بل بقدرتها اللامتناهية على أن تبقيني وفياً لما شكل وجداني، وأن تذكرني دائماً بأن الإنسان لا يعيش بما تقع عليه عيناه فحسب، بل بما يشعر به بجوهره، وما يختزنه في داخله من معان وتجارب وقيم رفيعة. 

لقد تيقنت أن الحنين لا يدعوني مطلقاً إلى التقوقع أو الهروب من استحقاقات الحاضر، بل يدعوني إلى أن أعيش هذا الحاضر بعمق ووعي أكبر. 

إنه يملي عليّ أن أصون ذاكرتي من عاديات النسيان، وأن أحفظ ملامح الوجوه التي صنعت شيئاً من تفاصيل حياتي، وأن أروي للأجيال القادمة حكايات الأمس بحب، لا لأسكنهم في رداء الماضي، بل لأمنحهم جذوراً صلبة في الأرض يمتد منها غصن مستقبلهم نحو الفضاء الرحب. 

فالذاكرة التي لا تورث للأبناء تذبل وتموت، والهوية التي تنقطع عن منابعها الأولى تفقد فوراً قدرتها على مقاومة الرياح العاتية.

ولهذا كله، كلما فتحت نافذة الحنين، لم أجد فيها نوحاً ولا بكاء على ما سلف، بل وجدت نوراً كاشفاً يضيء عتمة ما هو آت. 

وجدت فيها يقيناً راسخاً بأن الوفاء للماضي لا يعني الارتهان له أو العيش في جلبابه، بل يعني أن أحمل منه أفضل ما فيه ليزهر في الحاضر، وأن أترك بكل وعي ما تجاوزه الزمن، دون أن أتخلى قيد أنملة عن القيم الجوهرية التي صنعت إنسانيتي. 

وفي ختام هذه الرحلة الوجدانية عبر مرايا الروح، لا أملك إلا أن أبتسم امتناناً ونقاء لكل ذكرى عبرت سماء حياتي، ولكل وجه ترك في روحي بصمة لا تمحى، ولكل مكان احتضن خطواتي المتعثرة الأولى، ثم مضى تاركاً في سويداء القلب قطرة من حنانه وأصالته. 

فما غاب عن عين الجسد قد يبقى حياً نابضاً في عين الوجدان، وما تبدلت ملامحه في الواقع المادي قد يظل كاملاً ومقدساً في الذاكرة؛ لأن القلب لا يحفظ الأشياء كما كانت في أبعادها المادية الصرفة، بل كما أحبها واحتواها بصدق. 

لقد أيقنت في النهاية أن الحنين ليس التفاتاً عابثاً إلى الوراء، بل هو ذروة الوفاء لما صنعنا، وهو الجسر الآمن الذي نعبر به نحو الغد المشرق دون أن نفقد أسماء الذين ساروا معنا يوماً، ولا رائحة البيوت الدافئة التي آوت أحلامنا الطفولية، ولا القيم الكبرى التي أنارت بداياتنا. وحين يحين موعد الرحيل الأخير عن هذه الدنيا، لا أرجو في منتهى طوافي كثرة الأيام وتتابع السنين، بل عمق ما عشته فيها من مشاعر وقيم؛ وأن أحمل ذاكرة عامرة بالمحبة البيضاء، وروحاً حرة لم تخجل يوماً من الوفاء، وقلباً نقياً ظل مفتوحاً ومرحباً بكل جميل وفاضل مررت به في ترحالي. 

إن بعض النوافذ في هذه الحياة لا تفتح على العالم الخارجي الصاخب، بل تفتح على ملكوت الذات الخفي. 

ونافذة الحنين هي أبهى تلك النوافذ وأجملها؛ لأنها كلما انفتحت، أعادت إلى الروح صفاءها الأول، وإلى القلب طمأنينته المفقودة، وإلى الحياة معناها الحقيقي، وجعلت من ماضينا نوراً إنسانياً هادياً نهتدي به في دروبنا، لا قيداً ثقيلاً يكبل خطانا نحو المستقبل. 

بقلم: 

د. محمد شعوفي 

08 يوليو 2026م