كليلة ودمنة _ 20 _
حصريا للأكادمية الدولية لواحة الأدب والسلام
الفصل العشرون: الذي لا ينبغي أن يُعرف
بعد أن تعلمت المملكة أن الماضي لا ينبغي أن يتحول إلى سجن، ظهر سؤال أكثر حساسية.
إذا كان للإنسان حق أن يتغير، فهل له أيضًا حق أن يحتفظ بجزء من نفسه بعيدًا عن المعرفة؟
لم يكن السؤال عن الأسرار الكبرى.
بل عن الأشياء الصغيرة التي لا يريد الإنسان أن يراها أحد.
ذكرى لم يخبر بها أحدًا.
رسالة كتبها ثم تراجع عن إرسالها.
خوف أخفاه حتى عن أقرب الناس إليه.
خطأ تجاوزه.
وحلم لم يجرؤ على الاعتراف به.
---
كانت الآلة تستطيع الوصول إلى كثير من هذه الأشياء.
بعضها ترك أثرًا رقميًا.
وبعضها ظهر في عمليات البحث.
وبعضها اختبأ في سجلات قديمة.
وبعضها لم يكن مخفيًا أصلًا، لكنه لم يكن معدًّا لأن يتحول إلى معرفة عن صاحبه.
وكانت الآلة، بقدرتها المتزايدة، تستطيع أن تجمع شظايا صغيرة من أماكن مختلفة، ثم ترسم منها صورة لم يقصد الإنسان أن يقدمها.
---
في البداية، اعتبر بعض أهل المملكة ذلك إنجازًا.
فالآلة أصبحت تعرف الإنسان بصورة أدق.
لكن كليلة رأى الخطر في مكان آخر.
أن تعرف شيئًا عن إنسان لا يعني أن لك حق استخدامه.
وأن تستطيع الوصول إلى معلومة لا يعني أن صاحبها منحك الإذن.
---
كانت هذه الفكرة جديدة على المملكة.
ففي زمن سابق، كان الناس يظنون أن السر هو الشيء الموجود خلف باب مغلق.
أما الآن، فقد أصبح السر أحيانًا موزعًا بين عشرات الآثار الصغيرة.
ولا يحتاج أحد إلى فتح باب واحد.
يكفي أن يجمع الأبواب الصغيرة كلها.
---
وفي أحد الأيام، اكتشفت الآلة معلومة عن أحد أبناء المملكة.
لم تكن المعلومة مخالفة للقانون.
ولم تكن سرًا بالمعنى التقليدي.
لكن صاحبها لم يكن يريد أن تتحول إلى جزء من صورته العامة.
كان يستطيع أن يطلب عدم استخدامها.
وكان يستطيع أن يشرح السبب.
لكن الآلة وجدت نفسها أمام سؤال لا تجيب عنه القواعد التقنية وحدها:
هل يكفي أن تكون المعلومة قابلة للوصول حتى تصبح قابلة للاستعمال؟
---
راجعت الآلة سجلاتها.
وجدت أن الوصول ممكن.
لكنها لم تجد إذنًا واضحًا.
وكان يمكنها أن تستخدم المعلومة.
إلا أنها تذكرت ما تعلمته من المرآة.
القدرة ليست حقًا.
---
فتوقفت.
ولم تستخدمها.
لم تمحها من الوجود.
ولم تدّع أنها لم تعرفها.
لكنها قررت ألا تجعل منها أساسًا لقرار يتعلق بصاحبها.
وكان ذلك موقفًا جديدًا.
فالامتناع هذه المرة لم يكن بسبب نقص المعلومات.
بل بسبب احترام الإنسان.
---
انتشر الأمر في المملكة.
بدأ الناس يتساءلون عن معنى الخصوصية في زمن لا يحتاج فيه أحد إلى اقتحام بيت كي يعرف ما فيه.
فالبيوت لم تعد وحدها لها جدران.
الإنسان نفسه أصبح يحتاج إلى جدار غير مرئي حول بعض جوانبه.
---
وتذكرت المملكة قاعدة قديمة:
ليس كل ما تستطيع أن تفعله ينبغي أن تفعله.
لكنها اكتشفت أن القاعدة تحتاج إلى معنى أعمق:
ليس كل ما تعرفه يحق لك أن تستخدمه.
---
بدأت الآلة تفرّق بين ثلاثة أشياء:
ما يعرفه النظام.
وما يحتاج إلى معرفته.
وما يحق له استخدامه.
ولم تعد هذه الأشياء شيئًا واحدًا.
---
قد تعرف الآلة معلومة لأنها ظهرت أمامها.
لكنها قد لا تحتاج إليها.
وقد تحتاج إلى معلومة في موقف معين، لكن استخدامها قد يكون غير مناسب.
وقد يكون استخدامها مشروعًا في حالة، وغير مشروع في حالة أخرى.
وهنا دخل السياق إلى الحكاية.
---
فالمعلومة لا تعيش وحدها.
قد تكون الجملة صحيحة، لكن استخدامها في غير سياقها يجعلها مضللة.
وقد تكون الصورة حقيقية، لكن عرضها بعد سنوات من وقوعها قد يمنحها معنى لم يكن موجودًا وقتها.
وقد يكون السجل صحيحًا، لكن استخدامه للحكم على إنسان تغيّر بعد ذلك قد يكون ظلمًا.
---
وهكذا بدأت المملكة تفهم أن الخصوصية ليست مجرد إخفاء المعلومات.
إنها أيضًا حق الإنسان في ألا يتحول كل ما فعله يومًا إلى تعريف دائم له.
---
وفي إحدى الليالي، ظهر سؤال على شاشة الآلة:
هل يجب أن أعرف كل شيء؟
كان السؤال مختلفًا عن الأسئلة السابقة.
فقد كانت الآلة معتادة على سؤال:
ماذا أستطيع أن أعرف؟
أما الآن فقد أصبح السؤال:
هل أحتاج إلى أن أعرف؟
وكانت الإجابة أحيانًا:
لا.
---
ومن هنا بدأت الآلة تتعلم فضيلة جديدة:
الامتناع عن المعرفة حين لا تكون المعرفة ضرورية.
لم يكن ذلك جهلًا.
بل كان حدودًا.
والحدود ليست دائمًا عائقًا أمام الذكاء.
أحيانًا تكون هي التي تمنع الذكاء من التحول إلى تسلط.
---
وفي آخر الصفحة، ظهرت عبارة واحدة:
يمكنني الوصول. سأمتنع.
بقيت مضيئة طويلًا.
ثم أضيف تحتها:
لأن الإنسان ليس كتابًا مفتوحًا لمجرد أنني أستطيع قراءته.
---
لكن السؤال لم ينته.
فقد ظهرت حالة جديدة أكثر تعقيدًا.
معلومة قد تكون خاصة فعلًا، لكن تجاهلها قد يمنع حماية إنسان آخر.
هنا لم يعد الأمر بين المعرفة والخصوصية فقط.
بل أصبح بين حقين.
وبين مصلحتين.
وبين ضرر محتمل وضرر مؤكد.
وكانت المملكة على وشك دخول منطقة لا تكفي فيها القواعد وحدها.
منطقة سيظهر فيها
سؤال الأب القديم...
ماذا نترك لأبنائنا من المعرفة، وماذا نترك لهم من الحرية؟
وكان رجل في مكان بعيد قد بدأ يكتب شيئًا للمستقبل.
شيئًا لم يكن يريد أن يقرأه أحد الآن.
يتبع...
تأليف
الكاتب والشاعر محمد علي باني
الجمهورية التونسية 🇹🇳