أقلام لا تجف
المداد الثالث: ابن زيدون
من ذاكرة الأندلس
القلم الذي كتب الأندلس بمداد الخلود
ليست الحضارات بما تشيده من حجارة، بل بما تخلده من كلمات.
فالقصور قد تهدمها السنون، والمدن قد تبدل أسماءها، والدول قد تغيب عن الخرائط، أما الكلمة الصادقة فإنها تمضي من جيل إلى جيل، كأن صاحبها لم يغب يومًا. ولهذا بقيت الأندلس حية في الذاكرة؛ لا لأن أنهارها ما زالت تجري، ولا لأن قصورها ما زالت عامرة، بل لأن شعراءها أودعوا أرواحهم في قصائدهم، فإذا غابوا بقيت أرواحهم تنبض بين السطور.
وفي تلك الأرض التي جعلت من الأدب وجهًا آخر للحضارة، ولد قلم اختزل عصرًا كاملًا في مداده، حتى غدا اسمه مرآة للأندلس، وغدت الأندلس مرآة لاسمه.
إنه أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون، أمير شعراء الأندلس، وصاحب الوزارتين، وأحد أعظم من أنجبتهم العربية، جمع بين سحر الشعر، وروعة النثر، وحكمة السياسة.
نشأ في الرصافة بقرطبة، في بيت عرف بالعلم والقضاء والوجاهة، فتتلمذ على كبار علماء عصره، ونهل من العربية وآدابها، وكانت الطبيعة الأندلسية أول معلم للجمال في وجدانه؛ فالبساتين، والجداول، والنسائم، والسماء الصافية، صارت في شعره كائنًا حيًا؛ يبتسم إذا ابتسم، ويحزن إذا حزن، ويبوح بما يعجز القلب عن قوله. لذلك لم تكن الطبيعة عنده منظرًا يوصف، بل روحًا تتكلم، وقلبًا يخفق بين الأبيات.
ولم يكن ابن زيدون شاعرًا يعتزل الحياة، بل كان من أولئك الذين جمعوا بين هيبة رجل الدولة، ورهافة الشاعر، وبلاغة الكاتب. تقلد الوزارة، وقاد السفارات، وأسهم في صناعة القرار، حتى لقب بـ صاحب الوزارتين، فأثبت أن القلم قد يشارك في صناعة الدولة، لكنه وحده يملك صناعة الخلود. ثم جاءت الوشاية، وأعقبها السجن، فعرف تقلّب الأيام، لكنه خرج من المحنة بقلم أكثر صفاء، وروح أكثر عمقًا، وإحساس أكثر قربًا من الإنسان.
ويربط كثيرون اسم ابن زيدون بولادة بنت المستكفي، وهي أشهر قصة حب في الأدب الأندلسي، لكن ولادة لم تصنع ابن زيدون، بل كشفت للعالم شاعرًا كان عظيمًا قبل الحب، وبقي عظيمًا بعده. ولهذا لم يخلده العشق، بل خلدته الموهبة التي جعلت الدكتور شوقي ضيف يصفه بأنه أعظم شاعر وجداني ظهر في الأندلس.
امتاز شعره بعذوبة الموسيقى، وصفاء اللفظ، ورقة الإحساس، وجمال الصورة، حتى بدا وكأنه لا ينظم القصيدة، بل يسكبها من قلبه. ولم يقتصر عطاؤه على الغزل، بل أجاد الوصف، والمديح، والفخر، والرثاء، فجاء ديوانه مرآة للأندلس في جمالها، وللإنسان في ضعفه وقوته، وفي فرحه وألمه.
وتبقى النونية تاج شعره، وإحدى روائع الأدب العربي الخالدة، حتى سميت بـ اليتيمة، ويقول في مطلعها:
> أضحى التنائي بديلاً من تدانينا
وناب عن طيب لقيانا تجافينا
ولعل النونية لم تخلد لأنها رثت حبًا ضائعًا، بل لأنها منحت الفراق لغة بقيت تتكلم بلسان العاشقين إلى اليوم. لقد خرجت من حدود التجربة الشخصية إلى رحابة التجربة الإنسانية، فأصبحت كلما قرئت، شعر القارئ أنها تحكي شيئًا من حياته هو، لا من حياة صاحبها وحده.
ومن بدائعه أيضًا قصيدته الخالدة:
> إني ذكرتك بالزهراء مشتاقًا
والأفق طلق ومرأى الأرض قد راقا
وفيها يبلغ الفن الأندلسي ذروة جماله؛ فلا يعود المكان إطارًا للقصيدة، بل يصبح أحد أبطالها. فالزهراء في قصيدته ليست مكانًا، بل ذاكرة تمشي، وحنينًا يزهر كلما قرئت الأبيات، حتى تبدو الطبيعة كلها مشاركة للقلب في شوقه ووجدانه.
ولم يقف ابن زيدون عند حدود الشعر، بل كان من كبار كتاب العربية، حتى عدت رسالته الجدية، التي كتبها من سجنه مستعطفًا ابن جهور، من أبلغ نماذج النثر الفني، بما فيها من قوة الحجة، وسمو العبارة، وصدق الشعور. كما جاءت رسالته الهزلية تحفة أدبية نادرة، كتبها بلسان ولادة بنت المستكفي ساخرًا من منافسه ابن عبدوس، فكشفت عن عقل لامع، ولسان يملك البيان كما يملك الشاعر الوزن.
وهكذا لم يكن ابن زيدون شاعر حب فحسب، ولا وزير دولة فحسب، بل كان واحدًا من أولئك الذين منحوا العربية عمرًا جديدًا. كتب قصائده، فإذا بها تعيش بعده قرونًا، وكتب رسائله، فإذا بها تصبح من عيون النثر العربي، وكتب وجدانه، فإذا به يتحول إلى وجدان أمة.
لم يكن ابن زيدون يكتب القصيدة لتعيش أيامه، بل كان يكتبها لتعيش أيامنا.
رحل ابن زيدون، وغابت قرطبة التي أحبها، وسكنت قصور الأندلس صمت القرون، لكن قصائده لم تعرف الرحيل.
فبعض الشعراء يكتبون القصائد... أما ابن زيدون، فقد جعل الأندلس قصيدة لا تنتهي، وجعل من الكلمة وطنًا لا يسقط.
وهكذا تمضي «أقلام لا تجف» في رحلة الوفاء لأعلام الأمة، لا لتستحضر أسماءهم، بل لتعيد إلى أقلامهم نبضها، وتؤكد أن الأدب الصادق لا يورث الكلمات وحدها، بل يورث الذاكرة والخلود.
د. حسين عبدالله الراشد
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .