من أسرار البلاغة العربية
الرسالة التي لم تفتح منذ ألف عام
ليست الحضارات بما شيدت من قصور، ولا بما خلفت من آثار، بل بما غرسته في الإنسان من فكرة، وما أورثته للأجيال من كلمة بقيت حية بعد أن صمتت الألسنة، واستمرت تهدي العقول بعد أن غاب أصحابها. ومن بين أمم الأرض، لم تعرف أمة قدست الكلمة كما عرفها العرب، حتى جعلوا للحرف ميزانا، وللمعنى رسالة، وللجمال غاية، وللبيان طريقا يبلغ بالعقل القلب، وبالقلب الحقيقة.
ولم تكن العربية عظيمة لأنها أكثر اللغات مفردات، ولا لأنها أوسعها اشتقاقا، بل لأنها أدركت منذ فجرها أن الكلمة ليست لفظا يقال، وإنما أمانة تحمل، ومسؤولية تؤدى، وأثر يبقى. فلم تترك الحرف نهبا للاضطراب، ولا المعنى أسير المصادفة، ولا الجمال رهين التكلف، بل شيدت للكلمة علوما تحرسها، حتى غدت العربية لا تعلم الإنسان كيف يتكلم فحسب، بل كيف يفكر، وكيف يشعر، وكيف يجعل من الكلمة رسالة، ومن البيان حضارة.
فكان النحو حارس اللسان، والصرف مهندس البنيان، ثم جاءت البلاغة، لا لتزين الكلام، بل لتوقظ روحه، حتى إذا خرجت الكلمة من صاحبها، بلغت العقل قبل السمع، والقلب قبل الذاكرة.
ومن رحم البلاغة ولدت ثلاثة علوم عظيمة، لم يعرف واحد منها طريق الكبرياء، لأن كل واحد منها كان يدرك أن اكتماله في صاحبيه؛ علم المعاني الذي يمنح الكلمة حكمتها، وعلم البيان الذي يكسوها صورتها، وعلم البديع الذي يهبها جمالها. فإذا اجتمعت هذه الثلاثة، لم يولد كلام حسن فحسب...
بل ولدت الكلمة التي تعيش أطول من صاحبها.
فالكلمات قد تملأ السطور... أما البلاغة فتملأ العصور.
وقد ينسى التاريخ أسماء المتكلمين... لكنه لا ينسى الكلمة التي أيقظت عقلا، أو أحيت أمة، أو صنعت إنسانا.
ولعل أبلغ ما يروى في ذلك...
أن أمناء إحدى المكتبات العربية العتيقة، وبينما كانوا يزيحون غبار القرون عن خزائن لم تمتد إليها يد منذ أزمان بعيدة، عثروا على رق قديم، لم يحمل اسم مؤلف، ولا تاريخ كتابة، ولا خاتما يعرف بصاحبه.
لكن الذي استوقفهم...
لم يكن قدم الرق...
ولا اصفرار صفحاته...
بل عنوانه.
"من البلاغة... إلى أبنائي."
لقد مضت قرون طويلة منذ افترقنا، حتى حسب الناس أن البلاغة اسما يردد، لا روحا تسكن الكلمة، وأنها زينة تلحق بالكلام بعد اكتماله، وما علموا أنها أول ما يولد فيه، وآخر ما يفارقه.
لقد رأيت أقلاما تكثر من الألفاظ، وتفتقر إلى المعاني...
ورأيت خطباء تهتز لهم المنابر، ولا تهتز لهم القلوب...
ورأيت شعراء أحكموا الوزن، وأضاعوا نبض الفكرة...
ورأيت كتّابا بهروا الأبصار بعباراتهم، لكنهم عجزوا أن يبنوا عقلا، أو يوقظوا ضميرا، أو يتركوا أثرا.
فعلمت أن كثيرا من الناس حفظوا أسماءكم...
ولكن قليلا منهم أدرك رسالتكم.
فليس كل فصيح بليغا...
وليس كل جميل مؤثرا...
فالبلاغة لا تقاس بما يقال... بل بما يبقى بعد أن يقال.
يا علم المعاني...
أنت أول من أودعت بين يديه سر الكلمة.
إياك أن تنشغل بحسن العبارة قبل صدق مقصدها.
فليس كل حق يقال في كل مقام...
وليس كل معنى يبلغ القلوب بالطريق نفسه.
ازن الكلمة قبل أن تخرج...
فإن موضعها جزء من معناها، كما أن معناها جزء من حياتها.
فالكلمة إذا أخطأت مقامها... أخطأت رسالتها.
وقد تكون العبارة صحيحة... ولكنها لا تبلغ حتى تعرف متى تقال، ولمن تقال، وكيف تقال.
ويا علم البيان...
لقد جعلتك عين المعنى التي يرى بها، ولسانه الذي ينطق به.
فلا تجعل الصورة تسبق الحقيقة...
ولا تجعل الخيال يحجب المقصود.
إن التشبيه لم يخلق للإبهار...
ولا الاستعارة للتكلف...
ولا الكناية للغموض...
ولا المجاز ليضل الطريق...
بل خلقت لتقرب البعيد، وتكشف الخفي، وتجعل المعنى يرى كما يرى النور في وضح النهار.
فإذا خدمت الصورة الحقيقة... خلدت الكلمة.
وإذا نافستها... ضاعتا معا.
وتذكر دائما...
وأجمل البيان، ما جعل القلوب تبصر ما عجزت العيون عن رؤيته.
ويا علم البديع...
أنت أكثر أبنائي تعرضا لسوء الفهم...
فكم من الناس حسبوك زينة للكلام، وما علموا أن الجمال إذا انفصل عن الحكمة، أصبح عبئا عليها، وأن اللفظ إذا تجمل بغير معنى، كان كالثوب الفاخر على جسد بلا روح.
إياك أن تجعل الحروف تتباهى بنفسها...
ولا تجعل السجع يطغى على الفكرة...
ولا تجعل الجناس يشغل السامع عن الرسالة...
ولا تجعل الطباق غاية بعد أن كان وسيلة.
فما خلقت لتستعرض الألفاظ حسنها...
بل لتمنح الحقيقة نورها.
فالجمال إذا خدم المعنى... ازداد المعنى إشراقا.
وإذا نافس المعنى... أطفأ نوره.
وتذكر دائما...
إن أجمل العبارات ليست أكثرها زخرفة... بل أكثرها صدقا.
فالحرف قد يدهش لحظة... أما المعنى فيبقى عمرا.
ثم ساد آخر الرسالة سكون...
لا يشبه سكون انتهاء الكلام...
بل يشبه سكون الحكمة بعد اكتمالها.
وفي أسفل الرق...
وجدوا كلمات كتبت بخط أكثر ثباتا، كأنها لم تكن خاتمة رسالة...
بل وصية البلاغة لأبنائها.
إلى أبنائي جميعا...
@
إذا رأيتم الناس يختلفون فيكم...
فلا تختلفوا.
وإذا رأيتم أحدكم يفاخر بعلمه...
فليتذكر أن الكلمة لا يحملها علم واحد.
فالمعاني يمنحها عقلها...
والبيان يمنحها صورتها...
والبديع يمنحها جمالها...
أما البلاغة... فهي الروح التي تجمعكم جميعا.
واعلموا...
أن الكلمة لا تعيش لأنها جميلة...
بل لأنها صادقة.
ولا تخلد لأنها مزخرفة...
بل لأنها أيقظت إنسانا، أو أنارت عقلا، أو أصلحت قلبا.
وقد يظن الناس أن البلاغة باب من أبواب الأدب...
وهي في حقيقتها...
خلق قبل أن تكون علما.
وصدق قبل أن تكون صناعة.
وأمانة قبل أن تكون مهارة.
فإذا اجتمع الصدق، والحكمة، والجمال... ولدت البلاغة.
ثم أعاد أمين المكتبة الرق إلى موضعه...
وأغلق الصندوق كما وجده...
لكن شيئا واحدا لم يستطع أن يعيده...
تلك الرسالة.
فقد خرجت من بين السطور...
ولم تعد حبيسة الرق...
بل مضت تبحث عن كل قلب يؤمن أن للكلمة رسالة، وللحرف أمانة، وللبيان مسؤولية.
وأدرك، في تلك اللحظة، أن البلاغة لم تكن تكتب إلى علم المعاني، ولا إلى علم البيان، ولا إلى علم البديع وحدهم...
بل كانت تكتب إلى كل من أمسك قلما...
وإلى كل من نطق كلمة...
وإلى كل من حمل رسالة.
وهنا...
ابتسمت العربية.
ولم تزد على كلمات قليلة...
لكنها كانت أثقل من مجلدات كاملة.
لا تكتبوا لتكثر الكلمات...
بل اكتبوا ليكثر أثرها.
ولا تتسابقوا إلى براعة العبارة...
بل تسابقوا إلى صدق الفكرة.
فليس البيان أن تبهر العيون...
بل أن توقظ البصائر.
وليست البلاغة أن تكسو الحقيقة ثوبا جديدا...
بل أن تكشف عنها الغبار، حتى يراها الناس كما هي.
ثم رفعت بصرها، وقالت:
قد تموت الأقلام...
وقد تجف المحابر...
وقد يغيب الكتّاب...
لكن الكلمة التي ولدت من الحق، وربتها الحكمة، ورسمها البيان، وجملها البديع...
لا تموت.
ثم أغلقت الرق...
لا لتطوي الرسالة...
بل لتفتح بابا جديدا لكل من يكتب.
وقالت، وكأنها تخاطب كل جيل يأتي بعدها:
أنا العربية...
لا أخلد بكثرة من يكتبني...
بل بصدق من يفهمني.
ولا أزهو بفصاحة اللسان...
بل بأمانة البيان.
فإذا صدق المعنى...
واستنار البيان...
وتجمل البديع...
ولدت البلاغة.
وإذا ولدت البلاغة...
لم تعد الكلمة حبرا على ورق...
بل أصبحت نورا يهدي، وأثرا يبقى، ورسالة لا يطويها الزمن.
د. حسين عبدالله الراشد
جميع الحقوق الأدبية محفوظة ©@
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .