النكران
قصة قصيرة
بقلم: نور شاكر
كانت المقاعد الخشبية في مقهاهما المعتاد تشهد على تفاصيل حكاية دامت لأكثر من عشر سنوات أحمد ويوسف الصديقان اللذان لم يكن يفترقان، حتى ظن الجميع أن الأيام لن تقوى على تفريقهما كانا يتشاركان الأحلام الصغرى، خيبات العمل، وخطط المستقبل المؤجلة
وفي مساء خريفي عادي، ودع يوسف صديقه بابتسامة هادئة ومصافحة حارة، قائلًا نلتقي غدًا
لكن غدًا ذلك لم يأتِ أبدًا
في اليوم التالي، رن هاتف يوسف المغلق مرارًا
مر يوم، ثم أسبوع، ثم شهر تلاشت آثار يوسف وكأنه لم يكن سوى حبرٍ على ورقة مَحاها المطر لم يكن هناك شجار، ولا عتاب، ولا حتى سوء تفاهم عابر يبرر هذا الغياب
بحث أحمد عنه في كل مكان؛ سأل عائلته التي أجابت بجفاء غريب أنه بخير وصحة جيدة لكنه اختار رغبتهم في الخصوصية، وقصد منزله ليجد الأبواب موصدة لم يمت يوسف، ولم يسافر في مهمة سرية، بل قرر ببساطة أن يُمزق صفحة أحمد من كتاب حياته، ويمضي بصمت
وجد أحمد نفسه وحيدًا، ليس فقط في المقاهي والطرقات، بل بين ركامٍ مرعب من الأسئلة التي تبدأ ولا تنتهي كان يجلس ليلًا يفتش في ذاكرته عن هفوة، عن كلمة طائشة، أو موقف فُهم على نحو خاطئ
هل أخطأتُ في حقه دون أن أنتبه؟
هل كانت تلك السنين مجرد تمثيلية بارعة؟
كيف يرحل المرء ويترك خلفه شخصًا ينزف حيرة؟
كان الجهل بالسبب هو القاتل الحقيقي فالخلافات تمنحك حق الدفاع عن نفسك، والموت يمنحك حق الحداد أما الرحيل الصامت بلا سبب فهو نوع من النكران الذي يترك الضحية معلقة في مشنقة الشك، الشك في صدق الماضي، وفي قيمة المعنى، وفي نفسه
مرت السنوات، وخمدت نار الأسئلة المشتعلة، تاركة وراءها رمادًا من التجاهل المتعمد التقى أحمد بيوسف صدفة في أحد الممرات الضيقة بمركز تجاري تجمدت الدماء في عروق أحمد، وتأهب قلبه لسماع التبرير المنتظر لسنوات
لكن يوسف نظر إليه بعينين باردتين، عينين غريبتين تمامًا، ثم واصل سيره متجاوزًا إياه وكأنه لم يره قط
في تلك اللحظة تحديدًا، أدرك أحمد الإجابة التي تبحث عنه؛ لم يكن هناك سر غامض، ولم يكن هناك ذنب اقترفه كان الأمر مجرد "نكران" قسري، تخلِ بارد من شخص انتهت صلاحية الصداقة في قلبه، فاستكثر حتى مجهود الوداع نفض أحمد عن كاهله ركام الأسئلة، واستدار يكمل طريقه، مدركًا أن بعض الغياب لا يستحق عناء البحث عن أسبابه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .