الجمهورية المؤجّلة
الفصل الرابع عشر: ماذا لو انتهت الحرب غدًا؟
لنتخيل، ولو للحظة،
أن الحرب انتهت صباح الغد.
لا قصف.
لا جبهات.
لا بيانات نارية.
لا أخبار عاجلة عن قتلى جدد.
ولا انتهاك لحقوق الإنسان...
كأن الإختطاف والاغتصاب،
والتعذيب في السجون السرية،
وتجنيد الأطفال، والتجويع المتعمد لملايين البشر،
كلها توقفت فجأة بمجرد أن صمتت المدافع.
صمت.
الصمت الذي انتظره اليمنيون سنوات طويلة.
سيحتفل الناس.
سيخرج كثيرون إلى الشوارع.
سيبكي آخرون من شدة الإرهاق.
وسيظن العالم أن المأساة انتهت.
لكن الحقيقة ستكون أعقد بكثير.
نهاية الحرب
ليست نهاية آثارها.
إنها فقط نهاية الفصل الأكثر صخبًا.
المدن يمكن إعادة بنائها.
لكن ماذا عن الثقة المهدمة؟
الطرق يمكن إصلاحها.
لكن ماذا عن العلاقات التي مزقتها سنوات الكراهية؟
المؤسسات يمكن إعادة فتحها.
لكن ماذا عن النفوس التي تعلمت العيش داخل الخوف؟
هذه هي الأسئلة التي تنتظر اليمن بعد الحرب،
وهي في كثير من الأحيان أصعب من الحرب نفسها.
اعتاد الناس أن ينظروا إلى السلام
كأنه خط النهاية.
بينما هو في الحقيقة خط البداية.
بداية المواجهة مع كل ما تم تأجيله.
من سيحاسب؟
ومن سيُسامَح؟
ومن سيُعترف بألمه؟
ومن سيُطلب منه أن ينسى؟
كل طرف يمتلك روايته الخاصة،
وشهداءه،
ومظلومياته.
وحين يأتي السلام،
تصطدم هذه الروايات ببعضها.
فتنتقل المعركة من الأرض
إلى الذاكرة.
السلام ليس مجرد اتفاق سياسي،
بل عملية شاقة لإعادة بناء قصة مشتركة.
قصة يستطيع المختلفون أن يعيشوا داخلها معًا،
حتى لو لم يتفقوا على كل شيء.
هناك خطر آخر،
خطر الحنين إلى الحرب.
ليس حنينًا إلى الدم،
بل حنينًا إلى اليقين الذي وفرته.
الحرب تبسط العالم:
تخبرك من هو العدو،
ومن هو الصديق،
ومن هو البطل،
ومن هو الخائن.
أما السلام فيعيد التعقيد،
ويعيد الأسئلة،
ويفرض التعايش مع حقائق غير مريحة.
ثم هناك اقتصاد الحرب.
المصالح التي ولدت خلال السنوات الطويلة
لن تتبخر.
الشبكات لن تتنازل عن مواقعها طوعًا.
بل ستسعى إلى إعادة إنتاج نفسها
بأشكال جديدة.
أخطر لحظة في أي سلام
ليست لحظة التوقيع،
بل السنوات التي تليه.
السنوات التي يتقرر فيها
ما إذا كانت الحرب قد انتهت فعلًا،
أم أنها غيّرت ملابسها فقط.
رغم كل ذلك،
يبقى السلام فرصة لا تعوض.
ليس لأنه سيحل كل شيء،
بل لأنه يعيد فتح باب المستقبل.
الحرب تغلق الزمن.
تجعل كل يوم نسخة من اليوم السابق.
أما السلام فيسمح للناس
أن يتخيلوا الغد من جديد.
السؤال الذي يجب أن يشغل اليمنيين ليس:
متى ستنتهي الحرب؟
بل:
أي سلام نريد؟
سلام يوقف الرصاص فقط؟
أم سلام يعيد بناء الإنسان،
والدولة،
والعلاقة بينهما؟
------
–الأثوري محمد عبدالمجيد نعمان. يوليو 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .