السبت، 11 يوليو 2026

نبض الوقت بقلم الراقي محمد شعوفي

 نبضُ الوقت:


ما الذي يبقى من الإنسان حين تمضي الأيام، وتتوارى الوجوه، وتصمت الخطوات؟

أهو ما جمع من متاعٍ وألقاب، أم ما تركه في الأرواح من أثر، وفي القلوب من محبة، وفي الذاكرة من حضور؟

كلما أطلت الوقوف أمام هذا السؤال، ازددت يقينًا بأن الزمن ليس مجرد نهرٍ يجرف أعمارنا نحو المصير المحتوم، بل هو المرآة التي تنكشف فيها حقيقة ما كنا عليه.

وقبل أن أغوص في بحر هذا الوجود، أشعر بالحاجة إلى وقفةٍ أخلع فيها أحذية العجلة، وأغسل بصيرتي من غبار الاعتياد، لأصغي إلى ذلك الصوت الخافت الذي يضيع وسط ضجيج الأيام.

فالزمن ليس خطًا مستقيمًا نقطعه ثم نمضي، بل عمقٌ ننزل إلى أغواره، وكلما ازددنا وعيًا به ازددنا معرفةً بأنفسنا.

والوعي هو البوصلة التي تمنعني من الضياع بين كثرة الانشغالات، وتردني إلى حقيقة الأشياء حين تبهرني مظاهرها.

أقف أمام مرآة الزمن، فأراه يتسرب من بين أصابعي كما يتسرب الماء الزلال من الكفين، وينساب تحت قدمي كرمال الصحراء التي لا تعرف السكون، فلا يستطيع أحد أن يمسك بحبةٍ منها بعدما تمضي مع الريح.

وحين أتأمل هذا الانسياب الهادئ، أدرك أن أكبر خسائر الإنسان ليست فيما يفقده من مالٍ أو جاه، وإنما فيما يهدره من عمرٍ لا يعود.

أرى كثيرين يركضون خلف ما يفنى، ويغفلون عما يبقى؛ يعدّون الساعات، لكنهم لا يعدّون ما يتسرب منها من حياة، ويملؤون أيامهم بالحركة، بينما تظل أرواحهم فارغة من المعنى، كأنهم يظنون أن ازدحام المواعيد دليل الامتلاء، وأن كثرة الإنجاز تغني عن عمق الوجود.

تعلمت من الأيام أن الوقت ليس عقارب تدور في صمت، بل هو نسيج حياتي ذاته، ورأس المال الوحيد الذي لا يعوض إذا ضاع، ولا يُشترى إذا نفد.

قد يستعيد الإنسان ماله بعد فقر، وصحته بعد مرض، ومكانته بعد تعثر، لكنه لن يستطيع أن يستعيد دقيقةً واحدة مضت من عمره.

ولهذا بدا لي الوقت أعظم الهبات التي أودعها الله بين أيدينا، وأعظم الأمانات التي سنُسأل عنها؛ ولطالما ردّد الحكماء أن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، غير أنني أراه أيضًا كنهرٍ صافٍ، لا يمنح ماءه مرتين، ولا يعود إلى منبعه مهما اشتاقت إليه القلوب.

كثيرة هي الهدايا التي يتبادلها الناس، أما الوقت، فهو الهدية الوحيدة التي لا يستطيع أحد أن يصنع مثلها، ولا أن يشتريها بثمن، ولا أن يستردها إذا بذلها. وحين أمنح وقتي لإنسان، فإنني لا أهب ساعةً من نهاري فحسب، بل أقتطع جزءًا من عمري لن يعود إليّ أبدًا؛ ولهذا أصبح الوقت في نظري أصدق لغةٍ للمحبة، وأبلغ تعبيرٍ عن الاحترام، وأسمى صور الوفاء. 

ولذلك يحزنني أن أرى عصرنا يقيس النجاح بما نملك ونجمع، لا بما نغرس ونمنح، وبعدد الأعمال المنجزة، لا بعدد الأرواح التي أسعدناها.

فكم من هديةٍ ثمينة لم تستطع أن تملأ فراغ قلب، وكم من ساعة حضورٍ صادق كانت أثمن من كنوز الدنيا كلها. 

لقد علمتني الأيام أن من أحبهم لا يحتاجون إلى الأشياء بقدر حاجتهم إليّ؛ يحتاجون إلى إنسانٍ يصغي إليهم دون استعجال، وينظر إليهم دون أن يخطف بصره هاتفٌ أو شاشة، ويشاركهم لحظاتهم بقلبٍ حاضر، لا بجسدٍ غائب. 

فالحضور الحقيقي لا يُقاس بقرب الأجساد، بل بيقظة الأرواح، وانتباه القلوب، وصدق الإصغاء.

وحين أفهم هذه الحقيقة، أدرك أن كل دقيقةٍ أقضيها فيما لا ينفع، إنما أقتطعها من رصيد عمري، وألقي بها في نهرٍ لن يعود. 

ولهذا أحاول، كلما استطعت، أن أجعل لكل لحظة معنى، ولكل ساعة أثرًا، ولكل يوم بصمةً تستحق أن تبقى في ذاكرتي وذاكرة من أحب. 

ولم أعد أنظر إلى الصمت بوصفه فراغًا يقطعه غياب الأصوات، بل غدا عندي فسحةً تستريح فيها الروح من صخب العالم، وتستعيد فيها ذاتها التي كثيرًا ما تُرهقها ضوضاء الحياة. 

كلما آثرت العزلة الواعية، شعرت بأنني أعود إلى نفسي أكثر صفاءً، فأجمع ما تفرّق من أفكاري، وألملم ما تناثر من مشاعري، وأرى ما كانت تحجبه عني سرعة الأيام.

فالصمت ليس انقطاعًا عن الحياة، بل عودةٌ إليها من بابها الأعمق؛ وفي سكونه تنضج الأسئلة، وتصفو الرؤية، ويهدأ القلب حتى يسمع نبضه الحقيقي.

وكما تحتاج الأرض إلى زمنٍ تستريح فيه لتستعيد خصوبتها، تحتاج الروح إلى لحظاتٍ من السكون تسترد فيها نقاءها، وتتهيأ لمواصلة الطريق بقلب أكثر اتزانًا، وعقل أكثر بصيرة. 

ولأن الوقت يمضي سريعًا كالسحاب، فقد جعل الله للإنسان نعمة الذاكرة، لتكون الوعاء الذي يحفظ التجارب من الضياع، ويمنح الأيام قدرةً على البقاء بعد رحيلها.

غير أن الذاكرة ليست مستودعًا جامدًا للوقائع، وإنما كائنٌ حيّ يعيد تشكيل الماضي كلما أعدتُ تأمله، ويمنحني فرصةً جديدة لفهم نفسي، واكتشاف ما خفي عني وأنا أعيش تلك اللحظات. 

وكم من موقفٍ بدا لي يومًا عابرًا، ثم اكتشفت بعد سنوات أنه كان نقطة تحولٍ غيّرت مسار حياتي، وكم من كلمةٍ سمعتها على عجل، ظلت تتردد في أعماقي حتى صنعت في داخلي وعيًا جديدًا. 

هكذا أفهم الذاكرة؛ إنها ليست مكانًا أسكنه، بل نورًا أهتدي به، وجسرًا أعبر به نحو غدٍ أكثر نضجًا، فكل ألمٍ احتملته أصبح درسًا، وكل خسارةٍ علّمتني معنى الامتلاء، وكل فرحٍ عشته صار شاهدًا على أن الحياة، مهما أثقلتها المحن، ما تزال قادرةً على أن تمنح القلب أسبابًا جديدة للأمل. 

وأدرك أن الزمن لا يختبرني بما يمر من أعوام، بل بما يتركه في داخلي من تحول؛ فالسنون لا تصنع الحكمة وحدها، وإنما تصنعها طريقة استقبالنا لأحداثها، وقدرتنا على أن نحول التجارب إلى نور، والجراح إلى بصيرة، والعثرات إلى درجات نرتقي بها. 

ولذلك أشعر أنني، مع كل ذكرى أستعيدها بوعي، أعيد كتابة شيءٍ من نفسي، وأعيد قراءة صفحاتٍ من عمري بعينٍ أكثر هدوءًا، وأقل اندفاعًا، وأكثر إنصافًا. 

غير أنني تعلمت أيضًا أن للذاكرة وجهًا آخر ينبغي الحذر منه؛ فإذا تحولت إلى سجنٍ للماضي، فقدت رسالتها، وإذا استسلمتُ لحنينٍ لا يعرف حدوده، أصبحت أسيرًا لما انقضى، وغاب عني جمال ما هو آت. 

فالحنين نعمةٌ حين يرقق القلب، لكنه يصبح عبئًا حين يعطل الحياة؛ والماضي مدرسة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى وطنٍ دائم. 

لهذا صرت أحرص على أن أجعل الذاكرة نافذةً أطل منها على الأمس لأتعلم، لا جدارًا أحبس خلفه أيامي، فأستخلص منها الحكمة، ثم أواصل السير، وأحمل الجميل منها في قلبي، وأترك المؤلم في رحمة الله. 

لقد أيقنت أن بعض الجراح لا تُشفى بالنسيان، وإنما بالمعنى الذي نمنحه لها، وأن بعض الراحلين لا يغادرون قلوبنا تمامًا، لكنهم يتحولون مع الزمن إلى دعاء، وإلى امتنان، وإلى أثرٍ هادئ يدفعنا إلى أن نحيا بصورةٍ أجمل مما كنا. 

وهكذا أصبحت الذاكرة رفيقة الطريق لا قيده، ومصباحًا يضيء الحاضر، لا ظلًا يحجبه؛ فالحياة لا تُقاس بعدد ما نختزنه من ذكريات، وإنما بقدرتنا على أن نحوّل تلك الذكريات إلى حكمة، والحكمة إلى عمل، والعمل إلى أثرٍ يبقى بعد أن تمضي الأيام. 

وإذا كان الوقت هو وعاء الحياة، وكانت الذاكرة حارسها الأمين، فإن الحب هو الروح التي تمنحهما معناهما، وتنفخ فيهما سرّ البقاء. 

لقد أدركت، بعد رحلة طويلة مع الأيام، أن الزمن لا يكتسب قيمته بعدد ساعاته، وإنما بما يملؤه من صدق المشاعر، ونبل المقاصد، وجمال الحضور؛ فالحب هو الذي يجعل اللحظة العابرة تستحق أن تُخلَّد، ويحوّل الذكرى إلى نورٍ يرافق الروح كلما أظلمت الدروب. 

ومن هنا بدأت أسائل نفسي قبل أن أسائل الآخرين: 

كم من الساعات أنفقتها فيما لا يضيف إلى حياتي معنى؟ 

وكم من الوجوه مررت بها دون أن أمنحها ابتسامة صادقة؟ 

وكم من الفرص ضاعت لأنني ظننت أن الغد يملك متسعًا لما يؤجل اليوم؟ 

أليس أعجب ما في الإنسان أنه يحرص على كل ما يملك، ثم يفرط في أغلى ما يملك؟ 

أليس مؤلمًا أن نستنزف أعمارنا في ملاحقة ما يزول، بينما نهمل ما يبقى أثره بعد الرحيل؟ 

لقد تعلمت أن العمر لا يقاس بعدد السنوات، بل بعدد اللحظات التي عشتها بوعي، وأحببت فيها بصدق، وأعنت فيها إنسانًا، أو زرعت فيها خيرًا، أو تركت فيها كلمةً طيبةً تنبت في قلبٍ لم أره بعد. 

وما قيمة حياةٍ طويلةٍ إذا خلت من الأثر؟ 

وما جدوى أعوامٍ كثيرة إذا مرت كأنها لم تكن؟ 

إن الإنسان لا يخلده طول البقاء، وإنما يخلده ما يتركه خلفه من علمٍ نافع، أو خلقٍ كريم، أو محبةٍ صادقة تواصل الحياة بعد أن تتوقف خطاه. 

ولذلك لم أعد أسأل نفسي: 

كم بقي من العمر؟ 

بل أصبحت أسألها: 

ماذا سأصنع بما بقي منه؟ وكيف أجعل كل يومٍ صفحةً تستحق أن تُقرأ، وكل لقاءٍ ذكرى تستحق أن تُحفظ، وكل كلمةٍ بذرةً تنبت خيرًا في أرض الحياة؟ 

إن الأيام تمضي على الجميع، لكنها لا تترك الأثر نفسه في الجميع؛ فهناك من يعبر الحياة كنسمةٍ طيبة، يترك خلفه دعاءً لا ينقطع، وابتسامةً لا تُنسى، وذكرًا حسنًا يبقى حيًّا في القلوب، وهناك من يعيش طويلًا، ثم يرحل كأنه لم يمر. 

ومن هنا أيقنت أن الخلود الحقيقي ليس أن يطول العمر، بل أن يفيض بالحياة، وأن يبقى للإنسان أثرٌ يشهد له إذا غاب، ولسانُ خيرٍ يذكره إذا رحل، وعملٌ صالحٌ يمتد نفعه بعد انقطاع أيامه. 

ولهذا أعاهد نفسي أن أتعامل مع الوقت بوصفه أقدس أمانة، فلا أبدده في لغوٍ يورث الندم، بل أجعله طريقًا إلى المعرفة، وجسرًا إلى المحبة، ورسالةً إلى كل من يلتقي بي في رحلة الحياة. 

وسأظل أؤمن أن أعظم استثمارٍ للعمر هو أن يتحول إلى أثر، وأن أسمى ما يتركه الإنسان بعده ليس ما جمعته يداه، بل ما غرسه قلبه في قلوب الآخرين. وفي ختام هذا التأمل، أصل إلى يقينٍ يزداد رسوخًا كلما مضى بي الزمن: 

إن الحياة ليست سباقًا مع السنين، وإنما هي مسؤولية تجاه كل لحظة أُودعت بين يدي، وكل إنسانٍ مرّ في طريقي، وكل فرصةٍ أتيح لي أن أصنع بها خيرًا. 

فإن كان للوقت نبض، فإن هذا النبض لا يُسمع بعقارب الساعات، بل بما تصنعه الرحمة في القلوب، وما يغرسه الحب في الأرواح، وما يتركه العمل الصالح من أثرٍ يمتد بعد انقضاء الأعمار. 

وحين يطوي الزمن آخر صفحاته، لن يبقى معي إلا ما أحسنت غرسه في النفوس، وما أخلصت فيه لله، وما قدمته للإنسان من خيرٍ وجمال. 

ذلك هو الأثر الذي لا يمحوه الزمن، وذلك هو الخلود الذي لا تصنعه السنين، بل تصنعه حياةٌ عاشت بصدق، وأحبت بإخلاص، وأعطت قبل أن ترحل. 

بقلم:

د. محمد شعوفي 

11 يوليو 2026م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .