وتتساقط الأقنعة
بقلم د٠ عزه حمدى سند
ليس كل ما نراه حقيقة، فبعض الوجوه تجيد ارتداء الأقنعة، وبعض الكلمات تُتقن صناعة الانطباعات، حتى نظن أننا عرفنا أصحابها، بينما الحقيقة ما زالت تنتظر امتحان المواقف.
قد يلبس الإنسان قناع الطيبة، أو التدين، أو حسن الخلق، أو الوفاء، ويظل محافظًا على صورته ما دامت الظروف تسير في صالحه. لكن الحياة لا تبقى على حال، وما إن تهب رياح الاختبار، حتى تبدأ الأقنعة في التساقط واحدًا تلو الآخر.
فالمواقف لا تصنع الأخلاق، بل تكشفها. وهي لا تغير معادن الناس، وإنما تُظهر ما كان مستترًا في أعماقهم. لذلك قيل: إن الشدائد تُعرِّف الرجال، لأن الحقيقة لا تحتاج إلى زينة، ولا إلى تمثيل.
وليس المقصود أن نشك في كل من حولنا، أو أن ننظر إلى الناس بعين الريبة، فبين البشر من يحمل قلبًا صادقًا، وسريرةً نقية، ويظل كما هو في الرخاء والشدة، في القرب والبعد، وفي الاتفاق والاختلاف.
إن أخطر الأقنعة هي تلك التي تُتخذ وسيلةً لخداع الآخرين أو تحقيق المصالح. أما صاحب الخلق الحقيقي، فلا يحتاج إلى قناع، لأن أفعاله تسبق أقواله، وثباته في المواقف يغنيه عن ادعاء الفضيلة.
ولعل أعظم اختبار للإنسان ليس فيما يقوله عن نفسه، بل فيما يفعله عندما تتعارض مصالحه مع مبادئه. هناك فقط تتجلى الحقيقة، ويعرف كل إنسان معدن نفسه قبل أن يعرفه الناس.
فلنحرص أن تكون أخلاقنا ثابتة لا تتبدل بتبدل الظروف، وأن يكون ظاهرنا امتدادًا لباطننا، فلا نحتاج إلى أقنعة نخفي بها حقيقتنا، لأن أجمل ما في الإنسان أن يعيش صادقًا مع الله، ثم مع نفسه، ثم مع الناس.
فالأقنعة قد تنجح في إخفاء الحقيقة زمنًا، لكنها لا تصمد أمام المواقف. أما الصدق، فإنه لا يخشى الاختبار، لأن النور لا يحتاج إلى من يبرهن على وجوده.
د. عزة حمدي سند
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .