حروف الحياة
حيث تتحول المواقف إلى معانٍ... والتجارب إلى حِكم.
وكما تُشرق الشمس كل صباح فتغمر الأرض بنورها، تشرق الواحة بالكلمة الراقية، والفكر الهادف، والأدب الذي يبقى أثره في النفوس. ومن هذا الأفق المشرق، تنطلق حروف الحياة؛ لنقرأ الإنسان قبل أن نقرأ الكلمات، ونلتمس الحكمة في ثنايا التجارب، حرفًا بعد حرف.
على عتبة الحروف
نولد جميعًا، لكن أحدًا لا يولد وهو يعرف الحياة.
تمضي الأيام، فتعلّمنا من معاني الأشياء أكثر مما تعلّمنا من أسمائها، وتكتب في أرواحنا بالمواقف والتجارب ما لا تكتبه الكتب. فكم من لقاءٍ ظننّاه عابرًا، فإذا به يترك أثرًا لا يُنسى، وكم من كلمةٍ صغيرةٍ أحيت أملًا، وكم من موقفٍ عابرٍ كشف من معادن البشر ما عجزت عنه سنوات.
ومن هنا جاءت حروف الحياة.
ليست مواعظ تُلقى، ولا أحكامًا تُوزَّع، وإنما وقفات نتأمل فيها الإنسان، ونقرأ ما وراء التفاصيل التي تبدو صغيرة، بينما تحمل في أعماقها كثيرًا من معاني العمر.
في كل مداد نقف عند قيمة، أو موقف، أو تجربة؛ لنسأل، ونتأمل، ونتعلم، علّنا نرى أنفسنا بوضوحٍ أكبر، ونخرج بمعنى يجعل القلب أكثر سكينة، والعقل أكثر إنصافًا.
فالحياة لا تُفهم دفعةً واحدة، ولا تُختصر في كلمة، وإنما تُقرأ كما تُعاش... حرفًا بعد حرف، ومدادًا بعد مداد.
---
حين يُنسى السلام...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ليست تحيةً فحسب... بل دعاء.
حين نقول: السلام عليكم، فإننا ندعو لمن أمامنا بالأمان والطمأنينة، وأن يكون سالمًا من الخوف والأذى.
وحين نقول: ورحمة الله، فإننا نسأل الله أن تحيطه رحمته، وأن يفيض عليه من لطفه وعفوه.
وحين نقول: وبركاته، فإننا ندعو له بالخير والنماء والبركة في عمره ورزقه وأهله وعمله.
فأيُّ كلامٍ أجمل من كلامٍ يبدأ بالدعاء للآخرين؟
وأيُّ بابٍ إلى القلوب أوسع من باب السلام؟
وقد جعل الإسلام إفشاء السلام سبيلًا إلى المحبة، وربط المحبة بكمال الإيمان، فقال رسول الله ﷺ:
«لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلَا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم.»
رواه مسلم.
ومع ذلك، قد تمر هذه الكلمات العظيمة في بعض المواقف كأنها لم تُقَل.
يلقي إنسانٌ السلام، فلا يجد جوابًا؛ لا لأن صوته لم يُسمع، ولا لأن المكان كان مزدحمًا، وإنما لأن من تلقّى السلام اختار أن يتجاوزه، كأن التحية أقل من أن يُلتفت إليها، أو كأن صاحبها لا يستحق جوابًا.
وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بكلمةٍ قيلت ولم تُرَدّ فحسب، بل بما يكشفه الموقف من نظرة الإنسان إلى الآخرين، ومن فهمه للمكانة، ومن أثر تصرفه في نفس من أمامه.
فالمواقف الصغيرة ليست صغيرةً دائمًا.
فقد تكشف لحظةٌ واحدة ما لا تكشفه أحاديثٌ طويلة، وقد يُظهر تصرفٌ عابر حقيقةً ظلت مستترةً خلف الألقاب، والصور الرسمية، والكلمات المنتقاة.
قد يبدو الإنسان في المجالس لبقًا، وفي المنابر متزنًا، وفي حضرة من يراهم مهمين بشوشًا ومهذبًا؛ لكن أخلاقه الحقيقية قد تظهر في لحظةٍ لا ينتظر فيها مدحًا، ولا يخشى نقدًا، ولا يرى أمامه من يعتقد أنه يحتاج إليه.
هناك...
تسقط الأقنعة.
فالإنسان لا يُعرف فقط من طريقته في التعامل مع من هم أعلى منه منزلة، أو مع من يرجو عندهم مصلحة، بل يُعرف أكثر من طريقته في التعامل مع من يظن أنهم لا يملكون له نفعًا ولا ضرًّا.
وردُّ السلام لا يحتاج إلى وقت، ولا إلى جهد، ولا إلى مكانة، ولا إلى استعدادٍ خاص. إنه كلمةٌ يسيرة، لكن الامتناع عنها قد يترك أثرًا كبيرًا؛ لأن بعض الصمت لا يكون فراغًا، بل رسالة.
وقد يتساءل المرء أمام هذا السلوك:
أهو كِبْرٌ خفي؟
أم شعورٌ بالتفوق؟
أم اعتيادٌ جعل الإنسان لا ينتبه إلى الآخرين؟
أم وهمٌ بأن المكانة تُصنع بالتجاهل؟
لا نستطيع أن نجزم بما في النفوس؛ فالله وحده يعلم السرائر، ولا يحق لنا أن نفتش في نيات البشر، أو أن ننصّب أنفسنا قضاةً على قلوبهم.
لكننا نستطيع أن نتأمل الأفعال وآثارها.
فالأخلاق لا تُقاس بالنوايا المعلنة، وإنما بما يصل إلى الناس من أفعالنا، وبما تتركه تصرفاتنا في نفوسهم.
قد لا يقصد الإنسان الإهانة، لكن تجاهله قد يُشعر الآخر بها. وقد لا يرى في صمته شيئًا، بينما يراه الطرف المقابل انتقاصًا، أو استعلاءً، أو إلغاءً لوجوده.
ولذلك، فحسن الخلق ليس مجرد ما نعتقده عن أنفسنا، بل ما يلمسه الآخرون في تعاملنا.
لسنا مطالبين بأن نفتح أبواب الصداقة لكل من نلقاه، ولا بأن نصطنع المودة، ولا بأن نبالغ في المجاملة؛ لكننا مطالبون بألا نسلب الناس أبسط حقوقهم الإنسانية، وألا نجعل المكانة، أو المنصب، أو المزاج، حاجزًا يمنع كلمةً طيبة أو ردًّا كريمًا.
فالسلام لا ينتقص من الهيبة، بل يزيدها.
والتواضع لا يُسقط المكانة، بل يرفعها.
والإنسان الكبير لا يحتاج إلى تجاهل الآخرين حتى يبدو كبيرًا؛ لأن من يثق بقيمته لا يخشى أن يمنح الناس قدرهم.
وربما كان الأجدر بنا، قبل أن نسأل: لماذا لم يرد فلانٌ السلام؟ أن نسأل أنفسنا:
كيف نتلقى نحن تحيات الآخرين؟
هل نردها بحرارةٍ وصدق؟
هل نلتفت إلى من يحدثنا؟
هل نشعر الناس بأن وجودهم مقدَّر؟
أم أننا، من غير أن نشعر، نكرر السلوك نفسه حين نكون منشغلين، أو متضايقين، أو مطمئنين إلى مكانتنا؟
فالمواقف لا تُكتب دائمًا لنحاكم الآخرين، بل لنراجع أنفسنا.
قد نقرأ موقفًا فنرى فيه شخصًا نعرفه، لكن الحكمة الحقيقية تبدأ حين نرى فيه شيئًا من ذواتنا.
السلام ليس اختبارًا للسان...
بل اختبارٌ للنفس.
اختبارٌ للتواضع، ولحضور القلب، ولقدرة الإنسان على أن يرى من أمامه إنسانًا يستحق الاحترام، بصرف النظر عن منصبه، أو اسمه، أو مكانته.
والسلام لا يكشف أخلاق من ألقاه...
بل يكشف أخلاق من تلقّاه.
فمن ردّه بأحسن منه، أظهر سعة نفسه وجمال خلقه. ومن ردّه بمثله، أدّى حقًّا وحفظ ودًّا. ومن تجاهله، فقد لا يكون أسقط كلمةً عابرةً فحسب، بل ربما أسقط شيئًا من صورته في قلب من أمامه.
وما أسرع الصور التي تصنعها التفاصيل، وما أصعب إصلاحها بعد أن تستقر في النفوس.
لذلك، حين يلقي عليك أحدهم السلام، لا تنظر إلى مكانته قبل أن ترد، ولا تسأل نفسك ماذا يريد منك، ولا تجعل انشغالك، أو مزاجك، أو منصبك، عذرًا دائمًا.
تذكّر فقط أن إنسانًا دعا لك بالسلام، والرحمة، والبركة...
فهل يليق بالدعاء أن يُقابل بالتجاهل؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. حسين عبد الله الراشد@
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .