الجمعة، 17 يوليو 2026

يوم كانت المعاني تمشي بأسمائها بقلم الراقي أحمد عبد المالك احمد

 حين نبحث عن المعاني لا نطرق ابواب الكلمات اولا بل نصغي إلى ذلك الصمت الذي يسبق ولادتها. 

فالمعنى الحقيقي لا يسكن مجمع القواميس بل يختبئ في التجارب التي عبرت القلب وتركته اكثر اتساعا. 

وكل قصيدة ليست الا محاولة اخرى لالتقاط ذلك البرق الخاطف قبل ان يذوب في عتمة النسيان محاولة لأن نمنح ما لا يرى وجها وما لا يقال صوتا وما لا يلمس اثرا يبقى. 

ومن هنا تبدا هذه القصيدة لا لتجيب عن الأسئلة بل لتجعلها اكثر حياة ولتدلنا على ان الطريق الى مدينة المعاني لا ينتهي عند كلمة بل يبدا منها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يوم كانت المعاني تمشي بأسمائها


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 


قبل أن يتعلم الطين كيف يتهجى خطاه

كانت المعاني تمشي بأسمائها


لا تحتاج إلى شاهد


ولا تحمل بطاقة تعريف


كان الصدق يعرف وجهه


إذا مر على الماء


وكانت الرحمة تنام مطمئنة


لأن أحدا لم يساومها بعد


وكان الزمن نهرا


لا ساعة


وكان الحب شجرة


لا قضية


وكانت الحقيقة تمشي عارية


دون أن تخاف العيون


وكان الصمت يجلس فوق التلال


كراهب قديم


يحرس أسرار النجوم


ولم يكن للخوف بيت


ولا للندم قبر


ولا للغياب مملكة


لأن الإنسان


لم يكن قد اخترع أسماء خساراته بعد


ثم جاء


جاء حاملا قلبا يتسع للنور والهاوية


 

وعقلا قادرا على تسمية الأشياء


 

وتغيير أسمائها


في اللحظة نفسها


 

فأخذ من الطمع عباءته


 

وسماه طموحا


 

وأخذ من الجبن ظله


وسماه حكمة

 

وأخذ من القسوة سيفها


وسماه عدلا


 


وأخذ من الهروب طريقه


 

وسماه سلاما


 


ومنذ ذلك اليوم


 


بدأت المعاني تفقد ملامحها


 


صار الصدق


 


كلما نظر إلى المرآة


 


يرى كاذبا يشبهه


 


وصارت الرحمة


 


تسمع اسمها


 


في أبواب الضعفاء


 


ولا تجد نفسها


 


وصار الحب


 


يقرأ رسائل كتبت باسمه


 


ولم يكتب منها حرفا


 


واجتمعت المعاني ذات مساء


 


في آخر الضوء


 


حين كان الغروب يطوي أعلام النهار


 


وقالت الحقيقة


 


لقد صرنا غرباء عن أسمائنا


 


وقالت الرحمة


 


لم يعد الناس يفرقون بيني وبين الشفقة


 


وقال الزمن


 


كلما أسرعت اتهموني


 


وكلما أبطأت لعنوني


 


وقال الصمت


 


لقد تكلم الجميع باسمي


 


حتى لم يعد أحد يسمعني


 


عندها


 


وقف الضمير


 


وكان أصغرهم سنا


 


وأثقلهم حملا


 


وقال


 


لن نستعيد أسماءنا


 


ما دام الإنسان يكتب تاريخنا وحده


 


فلنبن مدينة


 


لا يحكمها البشر


 


ولا تسكنها الأجساد


 


مدينة


 


يكون فيها للمعاني حق الكلام


 


وللأخطاء حق الاعتراف


 


وللأسئلة حق البقاء


 


فبنت المعاني مدينتها


 


من حجارة لم ترها عين


 


وشيدت محكمتها


 


من أبواب لا تفتح إلا من الداخل


 


وأنشأت أرشيفا


 


يحفظ ما نسيه الناس


 


عن أنفسهم


 


ومنذ ذلك اليوم


 


صار لكل دمعة ملف


 


ولكل وعد سجل


 


ولكل خذلان رقم قضية


 


وصارت المعاني


 


تعقد جلساتها سرا


 


كلما نام العالم


 


وتراجع أوراق البشر


 


واحدا واحدا


 


ولا تزال المحكمة قائمة


 


ولا تزال الملفات تزداد


 


ولا تزال المعاني


 


تبحث في الأوراق القديمة


 


عن أول إنسان


 


غير اسم الخطيئة


 


ثم أقنع نفسه


 


أنها فضيلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقلم د/أحمد عبدالمالك أحمد 

جمهورية مصر العربية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .