الخميس، 9 يوليو 2026

وتركت ذاتي هناك بقلم الراقية د.عزة سند

 وتركت ذاتى هناك 

بقلم د٠ عزه حمدى سند

لم أتركْ ذاتي.. بل كبرتُ بها

نعم... تركتُ ذاتي هناك، على عتبةِ بيتِ أهلي، يوم غادرتُ أحمل في قلبي عمرًا كاملًا من الذكريات، وأمضي إلى مستقبلٍ لم أكن أعرف ملامحه.

تركتُ ضحكةً كانت تنطلق بلا سبب، وخطواتٍ لا تعرف سوى الخفة، وأيامًا كان حضنُ أمي فيها وطنًا، وكان وجودُ أبي أمانًا لا تُدرك قيمتُه إلا حين تبتعد عنه المسافات.

تركتُ الدلال الذي كان يسبق طلبي، والاحتواء الذي كان يمسح دمعتي قبل أن تولد، وتركتُ قلبًا لم يكن يعرف من هموم الدنيا إلا أطرافها.

ثم فتحتُ بابًا آخر من أبواب الحياة...

هناك لم أعد تلك الفتاة التي تنتظر من يحمل عنها الأعباء، بل أصبحتُ أنا السند، وأنا الحضن، وأنا اليد التي تربّت على الأكتاف المتعبة، والقلب الذي يخفي وجعه؛ ليزرع الطمأنينة في قلوب من يحب.

وتعلّمتُ أن البيوت لا تُشاد بالحجارة وحدها، بل بالصبر، وأن الأسرة لا يحفظها الحب وحده، بل يحفظها التغاضي، والرحمة، وحسن الظن، والتضحية، والدعاء الصادق في جوف الليل.

وكلما عدتُ إلى بيت أهلي، شعرتُ أن الزمن قد أبطأ خُطاه انتظارًا لي. ألامس الجدران، فتهمس بضحكات طفولتي، وأجلس في مكاني القديم، فأشعر أن السنين، مهما تعاقبت، لم تستطع أن تنتزع تلك الطفلة من أعماقي.

أبتسم...

لا لأن الماضي كان أجمل من الحاضر، بل لأن لكل مرحلةٍ جمالًا لا يتكرر. هناك كنتُ ابنةً أغفو مطمئنةً بين جناحي والديَّ، وهنا أصبحتُ زوجةً وأمًّا، أصنع الطمأنينة لغيري، وإن أخفيتُ خلف ابتسامتي شيئًا من تعبي.

وكم هو عجيبٌ أمر المرأة...

تغادر بيتًا لتبني بيتًا، وتودّع مرحلةً لتبدأ أخرى، وتترك شيئًا من طفولتها؛ لينبت في قلبها بحرٌ من الحنان، ويتسع صدرها للحب والعطاء.

قد تتعب، وقد تذرف دموعها خفيةً، وقد يثقلها حمل الأيام، لكنها ما إن ترى ثمرة تعبها في ابتسامة أبنائها، وسكينة بيتها، حتى تدرك أن كل ما بذلته كان يستحق.

واليوم، حين ألتفتُ إلى الوراء، لا أقول إنني فقدتُ ذاتي...

بل أقول: تركتُ هناك النسخة الأولى من روحي؛ تلك التي عاشت أجمل البدايات، ثم مضت بي الحياة لأولد من جديد؛ امرأةً أكثر قوةً، وأرحب قلبًا، وأعمق إيمانًا، وأكثر امتنانًا لله على كل نعمة، وكل ابتلاء، وكل محطةٍ صنعت مني ما أنا عليه اليوم.

فالمرأة لا تترك ذاتها حين تغادر بيت أهلها...

إنما تحمل جذورها في قلبها، وتمضي بها إلى بيتٍ جديد، فتغرسها حبًّا، وتسقيها صبرًا، حتى تزهر أمًّا حنونًا، وزوجةً صالحة، وروحًا تمنح من حولها الدفء دون أن تنتظر المقابل.

وتلك هي هبةُ الله للمرأة أن يتسع قلبها لكل هذا الحب، وأن تبقى، مهما تغيّرت الأيام، وفيةً لأول بيتٍ احتضن أحلامها، وللبيت الذي احتضن رسالتها.

 د. عزة حمدي سند

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .