إنَّ مَعْدِنَ الإنْسَانِ الحَقِيقِيِّ لَا تَمْتَحِنُهُ الرَّخَاءُ، بَلْ تَصْقُلُهُ وَاقِفُ وَالعُهُودُ. وَمَنْ حَمَلَ فِي صَدْرِهِ قَلْباً وَفِيّاً، فَقَدْ حَازَ أَسْمَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ وَأَنْبَلَهَا. الرَّاسِخُونَ عَلَى الوَفَاءِ هُمْ نُجُومٌ تُضِيءُ عَتْمَةَ العَالَمِ، يَبْنُونَ مَدَائِنَ مِنَ الثِّقَةِ لَا تَهْدِمُهَا الأَيَّامُ، وَيَبْقَوْنَ كَمَا هُمْ؛ نَقَاءً يَتَجَدَّدُ، وَعَهْداً يَتَأَبَّدُ. وَهَنِيئاً لِمَنْ كَانَ الوَفَاءُ لَهُ طَبْعاً، وَالإِخْلَاصُ فِي حَيَاتِهِ عُنْوَاناً.
-عنوان القصيده:مِيثَاقُ النَّقَاءِ وَرَايَةُ الوَفَاءِ
عَلَى عَهْدِ النَّقَاءِ نَقِيمُ دَهْراً
وَنَحْفَظُ فِي الحَنَايَا مَنْ نَوَدُّ
إِذَا خَانَ الزَّمَانُ وَمَالَ خَلٌّ
فَإِنَّ وَفَاءَنَا حِصْنٌ مُشَدُّ
خُلِقْنَا وَالمُرُوءَةُ فِي دِمَانَا
فَلَا نَبْغِي بِمَا نُعْطِيهِ رَدّاً
وَنَسْمُو بِالعُهُودِ إِذَا أُضِيعَتْ
وَنَبْنِي فَوْقَ هَامِ النَّجْمِ مَجْداً
يَقُولُونَ: الوَفَاءُ غَدَا قَلِيلًا
فَقُلْتُ: مَعَادِنُ الأَخْيَارِ تَبْدُو
وَمَا كُلُّ القُلُوبِ تَصُونُ وُدّاً
وَلَا كُلُّ الأَيَادِي سَوْفَ تَمْتَدُّ
وَلَكِنَّا إِذَا قُلْنَا وَفَيْنَا
وَلَا نَخْشَى مَلَاماً حِينَ نَشْدُو
طَرِيقُ الحُرِّ إِخْلَاصٌ وَصِدْقٌ
وَعَيْنُ الرِّيمِ عَنْ خُلْفٍ تُرَدُّ
حَمَلْنَا فِي حَنَايَا النَّفْسِ عَهْداً
بِأَنْ نَبْقَى عَلَى الأَيَّامِ سَنَدْ
فَلَا الأَيَّامُ تُنْسِينَا وِدَاداً
وَلَا العَتَبُ المُرِيرُ لَنَا يَصُدُّ
سَنَذْكُرُ مَنْ مَشَى مَعَنَا بِصِدْقٍ
وَنَمْنَحُهُ كِلَا الكَفَّيْنِ وَرْدَا
وَنَحْفَظُ غَيْبَةَ الأَصْحَابِ دَوْماً
وَنُصْلِحُ مَا أَصَابَ الدَّهْرَ هَدْا
وَمَنْ طَلَبَ الصَّدَيقَ بِغَيْرِ عَيْبٍ
أَقَامَ الدَّهْرَ لَيْسَ لَهُ شَقِيقُ
وَلَكِنَّا نَصُونُ لَهُ خَطَايَا
وَنَحْمِلُهُ إِذَا ضَاقَ الطَّرِيقُ
إِذَا غَابَ الخَلِيلُ رَعَيْتُ عَهْداً
بِظَهْرِ الغَيْبِ يَحْرُسُهُ الوَثِيقُ
وَلَا نَصْغِي لِقَوْلِ عَدُولِ سُوءٍ
يُرِيدُ النَّأْيَ هَمُّ هُوَ الحَرِيقُ
أُخِلَّاءُ الصَّفَاءِ لَنَا كَنْزٌ
وَإِنْ عَصَفَتْ بِأَيَّامِي المَضِيقُ
نَشُدُّ عُرَى الإِخَاءِ بِكُلِّ صِدْقٍ
فَمَا يَنْفَكُّ عَنْ يَدِنَا الرَّفِيقُ
وَإِنْ عَرَضَ الزَّمَانُ لَنَا جَفَاءً
غَفَرْنَا، فَالوَفَاءُ لَنَا بَرِيقُ
سَنَبْقَى لِلْأَنَامِ مَنَارَ صِدْقٍ
وَيُورِقُ مِنْ شَمَائِلِنَا العَتِيقُ
وَإِنَّ الأَهْلَ فِي الأَيَّامِ ذُخْرٌ
إِذَا نَزَلَتْ بِسَاحَتِنَا الكُرُوبُ
هُمُ الدِّرْعُ الحَصِينُ لِكُلِّ خَطْبٍ
وَشَمْسٌ لَا تُغَيِّبُهَا الغُيُوبُ
نَصُونُ الرَّحِمَ مَادُمْنَا نَعِيشُ
وَلَوْ عَصَفَتْ بِأُلْفَتِنَا الخُطُوبُ
فَمَا نَقْطَعْ لِذِي قُرْبَى وِدَاداً
وَلَا تَقْسُو عَلَى الأَهْلِ القُلُوبُ
نَغُضُّ الطَّرْفَ عَنْ زَلَّاتِ قَوْمِي
وَنَحْمِلُ عَنْهُمُ مَا قَدْ يَنُوبُ
هُمُ العِزُّ التَّلِيدُ إِذَا افْتَخَرْنَا
وَمِنْ أَنْوَارِهِمْ نُورٌ يَذُوبُ
سَنَبْقَى حِصْنَهُمْ فِي كُلِّ حِينٍ
وَيَجْمَعُنَا بِمَنْ نَهْوَى القَرِيبُ
فَلَا رَحِمٌ نُضِيعُ لَهُ ذِمَاماً
وَلَا عَهْدٌ مَعَ الأَهْلِ يَخِيبُ
هِيَ الشِّيَمُ التِي فِينَا اسْتَقَرَّتْ
وَمِنْ نَبْعِ الكِرَامِ لَنَا مَرَدُّ
إِذَا أَزِفَ الرَّحِيلُ وَبَانَ حَيٌّ
يَظَلُّ وَفَاؤُنَا لِلْعَهْدِ عَهْدَا
وَفِي خِتَامِ هَذَا المِيثَاقِ المَنْظُومِ، يَبْقَى الوَفَاءُ هُوَ الرِّسَالَةَ الأَبَدِيَّةَ التِي نَحْمِلُهَا فِي حَلِّنَا وَتَرْحَالِنَا؛ هُوَ صِدْقُ المَشَاعِرِ المَبْذُولَةِ لِلْعَهْدِ، وَحِفْظُ الوُدِّ لِلصَّدِيقِ فِي مَغِيبِهِ، وَبِرُّ الرَّحِمِ التِي مَعَهَا نَقْوَى وَنَعْتَزُّ. فَمَنْ جَعَلَ الوَفَاءَ مَذْهَبَهُ، طَابَ ذِكْرُهُ فِي العَالَمِينَ، وَبَقِيَ أَثَرُهُ طَيِّباً كَالمِسْكِ لَا يَزُولُ بِمُرُورِ السِّنِينِ.
بقلمي أميره محمد سورية
الخميس 16/7/2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .