العيد والسعيد عزف الوريد
كانت ليلةُ عيدِ الفطر في تونس مختلفةً هذا العام. المدينة ترتدي فرحتها، وأصواتُ التكبير تملأ الأفق، ورائحةُ الحلويات تتسلل من البيوت كأنها دعوةٌ للحياة من جديد. الشوارعُ مضاءة، والناس يبتسمون لبعضهم بقلوبٍ خفيفة بعد شهرٍ من الصبر.
خرجت الفتاة "عيد" رفقة صديقتها "سديم" بعد صلاة العشاء، ترتدي ثوبًا بسيطًا بلون السماء. كانت تحب أجواء العيد، وهي التي وُلدت يوم عيد فأطلقت عليها أمها هذا الاسم، لكنها في تلك الليلة شعرت بشيءٍ أعمق من الفرح… شعرت بتفاؤل لا تعرف سببه.
وفي زحمة المارة، وبين ضحكات الأطفال وأصوات المفرقعات، التفتت "عيد" لتحدّث صديقتها… لكنها لم تجدها بجانبها. تسارعت نبضات قلبها فجأة، وأخذت تبحث بعينيها في الوجوه المتشابكة. نادت اسمها أكثر من مرة، لكن صوتها ضاع وسط الضجيج. اتصلت بها على جوالها عدة مرات، لكنها كانت خارج التغطية.
شعرت بارتباك مفاجئ؛ لم تكن تخاف الزحام عادة، لكن فكرة أن تضيع في ليلة العيد أربكتها. وقفت لحظة تحاول أن تهدأ، وضغطت على كفّيها حتى تهدأ من روعها. قالت في سرّها: "اهدئي يا عيد… لن يحدث شيء."
رأت مقهى أنيقًا يطلّ على البحر غير بعيد، فترددت قليلًا، ثم قررت أن تجلس فيه لبعض الوقت. كانت بحاجة إلى أن تلتقط أنفاسها، وأن تراجع نفسها قبل أن تعود أدراجها إلى المنزل. جلست قرب النافذة، وطلبت كأس عصير. راحت ترشفه ببطء، وعيناها تتابعان انعكاس الأضواء على سطح الماء. شيئًا فشيئًا هدأت ضربات قلبها، وشعرت أن البحر يسحب قلقها معه. كتبت رسالة نصية لصديقتها، وأخبرتها أنها ستعود إلى البيت عندما تستعيد هدوءها.
فجأة سمعت صوتًا يقول برفق:
– عيدك مبارك… هل تسمحين لي بالجلوس؟
– ت... تفضل!
رفعت نظرها، فرأت جارها المهذب بابتسامة صادقة ونظرة هادئة. لامست نظراتها تفاصيل الشاب، واسمه "سعيد". في صوته دفء يشبه صباح العيد، وفي حضوره طمأنينة غريبة. تبادلا التهاني أولًا، ثم بدأ حديث بسيط عن العيد والذكريات ورائحة الكعك في البيوت. كان "سعيد" يتكلم بعفوية جميلة، كلماته تصل إلى قلبها قبل أذنها. شعرت "عيد" أن هذه الجلسة ليست مصادفة عابرة.
قال لها مبتسمًا:
– العيد ليس فقط ثيابًا جديدة… أحيانًا يكون بداية جديدة أيضًا.
رقص قلبها قليلًا. لم تكن تتوقع أن يحمل العيد لها أكثر من فرح عابر، لكن شيئًا ما في داخلها كان يخبرها أن هذه اللحظة ستغير قدرها للأفضل وللأجمل. ومع صوت الألعاب النارية في السماء، ساد صمت قصير بينهما. نظرت "عيد" إلى الأفق، ثم إلى وجه "سعيد" الحالم، وسألت نفسها: هل يمكن لعيد الفطر أن يكون عيدًا لقلبي أيضًا؟
أنهت عصيرها وهمّت بالنهوض، صافحت "سعيد"، وقبل أن يفترقا، قال لها بهدوء:
سنلتقي يومًا يا عيد...
ستكونين فرحتي هذا العيد،
وستكونين سكينةً لقلبي العنيد،
وستكونين دعاءً استُجيب في ليلة مباركة،
وستكونين عيدي السعيد… يا عيد،
ستكونين أملي يا عيد...
أملًا أبدأ به عامي الجديد.
ومنذ تلك الليلة، لم يعد عيد الآنسة "عيد" مجرد مناسبة… بل صار بداية لأجمل حكاية.
د. بثينة الباروني
تونس 🇹🇳 في 15 فيفري 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .