الجمعة، 10 يوليو 2026

العتبة بقلم الراقي بهاء الشريف

 العَتَبَة


كان كلُّ شيءٍ يستعدُّ لاستقبالي.


المائدةُ تتَّسعُ لمقعدٍ آخر، والبيتُ يحتفظُ بغرفةٍ لم تُفتَح بعد، وكلمةُ «غدًا» تتكرَّر على الألسنة بثقةٍ تجعل الزمن يبدو وفيًّا لما يَعِد.


هناك… بدأتُ أتشكَّل.


لم يكن لي اسمٌ، ولا ملامحُ، ولا تاريخ.


كان يكفيني أن أكون الوعدَ الكامن بين قلبين، والمسافةَ الصامتة بين الحُلْم واكتماله.


كلما قيل: «سنفعل…»


ازددتُ اقترابًا من الحياة.


وكلما رُسمتْ للمستقبل خُطوةٌ جديدة، شعرتُ أن العالم يضيف إليَّ جزءًا آخر، كما لو أنني أُبنى من كلماتٍ لم تُقَل بعد.


ثم…


اختلَّ شيءٌ صغير.


لم تهبطِ السماء.


ولم ينطفئ النهار.


لكن خيطًا واحدًا انقطع في نسيج الوعد، وكان ذلك كافيًا لأبقى حيث أنا.


مذ ذاك…


ظلَّ كلُّ شيءٍ على حاله…


إلَّا معناه.


كانت المائدةُ تُفرش كلَّ مساء، غير أن اتساعها صار يشبه سؤالًا.


وكان البيتُ يشيخ بهدوء، وفي داخله بابٌ لا ينتظر أحدًا، لكنه لا يتعلَّم كيف يُغلَق.


وكانت كلمةُ «غدًا» تُقال كما كانت دائمًا، إلا أن صداها يعود ناقصًا، كأنها أضاعت وجهتها في الطريق.


لم أختفِ.


الأشياءُ التي لا تُولَد لا تعرف كيف تختفي.


إنها تبقى، لا في الذاكرة، بل في الفراغ الدقيق الذي تتركه داخل الأشياء المكتملة.


في الصورة التي لا ينقصها أحد، ومع ذلك لا تكتمل.


وفي الفرح الذي يبلغ تمامه، ثم يترك في القلب ارتباكًا خفيًّا، كأن أحدًا تأخَّر عن الوصول.


لهذا لا يعيش الإنسان عمرًا واحدًا.


يعيش العمر الذي مضى.


ويعيش، في صمتٍ لا يلتفت إليه، عمرًا آخر ظلَّ يتهيَّأ له، ثم توقَّف قبل أن يبدأ.


ولعلَّ أكثر ما يُشكِّلنا ليس ما حدث لنا…


بل ما كان في طريقه إلينا، ثم غيَّر طريقه.


لهذا، حين يداهمك حنينٌ لا يقود إلى ذكرى، أو تشعر بأن في قلبك فراغًا لا يحمل اسمًا، فلا تُعجِل بتفسيره.


فليس كلُّ نقصٍ أثرَ فقد.


بعضُه…


أثرُ حياةٍ كاملة…


كانت على وشك أن تبدأ.


✍🏻 بقلمي: بهاء الشريف

10 يوليو 2026

الذكريات بقلم الراقي عيساني بوبكر

 عنوان النص: الذِّكْرَيَات


أَشْرَعْتُ بَابِي لِلْهَوَى...

فَتَزَاحَمَتْ

حَوْلِي

غُصُونُ الذِّكْرَيَاتِ...

وَأَيْنَعَتْ

أَوْرَاقُ شَوْقٍ

يَسْتَظِلُّ بِهَا فَمِي

مِنْ حَرِّ صَمْتٍ

قَابِعٍ...

مُذْ وَدَّعَتْ

قُلْتُ:

اسْتَرِيحِي

فِي مَرَاتِعِ خَاطِرِي،

وَتَضَوَّعِي

فِي مُهْجَتِي...

فَتَضَوَّعَتْ

طَرَحَتْ

مِنَ الْمَاضِي ثِمَارًا

خِلْتُهَا

لَنْ يُسْتَلَذَّ بِطَعْمِهَا...

إِذْ أَوْجَعَتْ

قِصَصُ الْهَوَى...

تِلْكَ الرَّسَائِلُ عِطْرُهَا،

وَأَمَاكِنٌ

فِي حضْنِهَا...

كَمْ جَمَّعَتْ

وَدُرُوبُ عِشْقٍ

طَرَّزَتْ أَوْقَاتَنَا

بِالْأُغْنِيَاتِ...

وَبِالْأَمَانِي

رَصَّعَتْ

يَا هَوْلَ مَا لَاقَيْتُ بَعْدَكِ...

مَا أَنَا

ذَاكَ الَّذِي

ضَحِكَاتُهُ...

كَمْ أَسْمَعَتْ

فَتَفَرَّعِي

فِي الْأُمْنِيَّاتِ...

وَأَوْرِقِي

فِي الْقَلْبِ...

يَكْفِي مُهْجَتِي

مَا ضَيَّعتْ


بقلم الشاعر: عيساني بوبكر

الجزائر

بين الظفر واللحم بقلم الراقي محمد ابراهيم ابراهيم

 ** بين الظفر واللحم **

حبيبي....

أيها الساكن بين الظفر واللحم

أتراك تذكرني ....

أنا ذاك الوجع العاشق...

ذاك الخيط الأبيض من النار...

الذي يمتد من قلبك إلى اصبعي

أتذكر ليلة الصيف

حين كنا نعد النجوم على جلدي

وكنت تقول...

الظفر يطول كالحزن

واللحم يرتجف كالعاشق...

وبينهما ممر الريح..

الآن أنا الظفر الذي تكسر

وأنت اللحم الذي نزف..

وبيننا مسافة تتسع كالغياب

وتضيق كالأمل....

وفي وسطها ينمو شحر الصمت

أتراك تذكرني...

حين أقطع ظفري الأخير

  فأجدك تسكن تحته 

تغمز لي ...

لن يموت من يعيش

بين الظفر واللحم...

لأنه يعرف سر الجرح...

أما أنا ...

فقد صرت أمشي

حافيا على جسمي...

أخاف أن أدوس على ظفري المكسور

فيصرخ باسمك....

أيها الساكن بين الظفر واللحم

هل أنا ظفرك الطويل...

أم اللحم الذي تخبأ خلفه..

أم الروح التي تسقط

حتى تتكسر الأظافر...

وتضيق الجلود

فلا يبقى إلا اسمك...

يمشي على حافة الفجوة...

ويهمس لي ...

لن نموت...لن نموت...

طالما بين الظفر واللحم

يضرب قلب لا يتوقف عن الخفقان

...............

الشاعر

محمد ابراهيم ابراهيم

سوريا

رسائل إلى المدى بقلم الراقية زينة الهمامي

 *** رسائل إلى المدى ***


هل قرأت رسائلي على صفحة الماء

وهل وصلتك كل كتاباتي

أم يا ترى الحوت غار منها وابتلع كل عباراتي

أم تراها علقت في قاع البحر مثقلة بأنيني وآهاتي

ذبلت الورود

واختفى جمالها

وغاب عطرها

ثم يبست

ولم تروها دمعاتي

وها هي الرياح تلوي بها

وقد تلقيها بين يديك

لتقول لك الآتي:

ما بيننا ليس جدارا أهده

لكي أراك

ولا مسافات ولو زحفا أقطعها

حتى ألقاك

ما بيني وبينك طيف

يعد أنفاسي ونبضاتي

كلما اقتربنا خطوة

مد ذراعه ليباعد بيننا

ويمحو ما كتبناه من قصائد وحكايات

تركت الأرض وما عليها

واخترت البحر ليحمل رسالاتي

بقلمي: زينة الهمامي

الخميس، 9 يوليو 2026

تباشير الصباح بقلم الراقية هدى موسى

 تَبَاشِيرُ الصَّبَاحِ

نَسُوسُ الكُرُوبَ بِقَلْبٍ جَسُورْ .

 وَنَزْرَعُ قفارالصَّحَارَى زُهُورْ

نُزَمْزِمُ نَبْضَ القُلُوبِ الحَزِينَةْ ...

 وَنَبْنِي دِيَارَ الضِّعَافِ قُصُورْ

وَنَهُزُّ جِبَالَ الغُزَاةِ بِرَعْدٍ ..

 وَنَكْسُو حُرُوفَ السَّلَامِ عُطُورْ

تُعَطِّرُ شَتَّى الدُّرُوبِ نَهَاراً ...

 وَتُشْعِلُ لَيْلَ المَدَى كَالنُّجُومْ.

 وَتَهْدِي الحَيَارَى بِفَيْضِ النُّشُورْ

وَنَهْدِي ضِعَافَ النُّفُوسِ لِدَرْبٍ ...

 يُنِيرُ الطَّرِيقَ بِعَذْبِ الأُمُورْ

وَنَرْقُبُ فَجْراً بِوَعْدِ الإِلَهِ ..

 يُبَدِّدُ لَيْلَ العَنَا وَالشُّرُورْ

وَنَمْضِي بِإِيمَانِنَا فِي الحَيَاةِ .

 كَبَدْرٍ أَضَاءَ ظَلَامَ الدُّهُورْ

فَوَعْدُ الإِلَهِ بِفَجْرٍ سَيَأْتِي ... 

وَنُورُ العَقِيدَةِ يَأْبَى القُصُورْ

وَنَبْلُغُ فَجْراً قَرِيبَ المَنَالِ ..

. لِيَبْعَثَ فِي الصَّابِرِينَ النُّشُورْ

فَلَسْنَا دُعَاةً لِحَرْبٍ وَلَكِنْ ..

 إِذَا البَغْيُ جَارَ نَكُونُ الصُّقُور

هدى موسى

يا قاتلة القلب بقلم الراقي مصطفى عبد العزيز

 يا قاتلة القلب. 

لا تسألي عنِ الحبِّ

فقد كانَ قلبي مأواهْ

لكنّكِ قتلتِ القلبَ

وفرشتِ الوردَ فوقَ مثواهْ

كنتُ الأمانَ إذا ضاقتْ

عليكِ الليالي وأوجاعُها

واليومَ صرتُ غريبًا

يمشي على جرحهِ… وسكناهْ

يا قاتلةَ النبضِ في صدري

هل يُزهرُ الوردُ فوقَ الأساهْ؟

وهل يُعيدُ اعتذارُ العيونِ

قلبًا مضى… وانطفا ضياهْ؟

إن كان حبّي خطيئتي

فالصمتُ بعدكِ فتواهْ

لا عتبَ بعدَ الذي كانَ

قد ماتَ قلبي… وهذا عزاهْ.


مصطفى عبدالعزيز


الواقع بقلم الراقية جود احمد

 الواقع ..

عن يميني حلمٌ بعيد المنال أرسمه بريشة فنان بمداد الرمال ..

أزحتُ ملامح وجهي عن جهة الشمال 

فهناك كان سربٌ من المحال يُحلق.. ينعق.. حاملاً معه الأغلال 

ولأنني لا أحب القيود وعشتُ كما الأبطال 

وحملتُ بأيسري قلباً كما الأطفال 

ألهو، أضحك.. أبكي.. وأتسلق الجبال 

أقطف الورد ..

 ألاحق الفراشات .. أرفرف كالأعلام 

مؤمنةً بأن أحلامي ليست صعبة المنال 

أنظر بعين البصيرة لا بعين الكلال 

قلمي سلاحي صعدتُ به فوق الأطلال 

أطعمتُ عقلي قمحاً ونبذتُ الاحتلال 

هجوتُ الفقر ..جعلتهم يتهجون أحرف الابتذال 

وطني منفايَ لو داسه الأنذال 

حرةٌ أنا لو تكلست أصابعي وقُطعت مني الأوصال 

للحق أغرد.. وللمسكين قريبة الآمال ..

دنيا أعبرها بضميرٍ مرتاح البال 

نطفةٌ أتيتُ من أصل تراب الصلصال ..

أرض الواقع

بقلم:

جود أحمد

المسافة المقدسة بقلم الراقي محمد شعوفي

 : المسافة المقدسة:


منذ أن وعى الإنسان ذاته، لم يتوقف عن ابتكار الأدوات كاتساعٍ لقدرة جسده أو امتدادٍ لقوة عقله. 

غير أن التاريخ يقف اليوم عند منعطفٍ غير مسبوق؛ فالصنيع لم يعد مجرد أداة تضاعف الجهد البدني، بل صار يحاكي وظائف العقل العليا، ويشارك البشر في الكتابة والتحليل واتخاذ القرار. 

ومن هنا، لم تعد القضية مجرد طفرة تقنية عابرة، بل تحولت إلى سؤال وجودي وأخلاقي يمس جوهر الكينونة الإنسانية، ويستدعي وقفة تأمل صادقة أمام مستقبل العلاقة بين الإنسان وصنيعه. 

إننا نقف على مفترق طرق لم تعرفه البشرية من قبل، حيث غدت الآلة شريكاً في تفاصيل الحياة، ونداً في الحوار، وظلاً يمتد في زوايا الوعي، حتى أصبح التمييز بين نبض الإنسان وبرد صنيعه امتحاناً عسيراً للبصيرة قبل البصر. 

أكتب هذه الكلمات لا بعين الخائف المتوجس من القادم، ولا بعين المنبهر الأعمى بكل جديد، بل بعين المتأمل الذي يدرك أن أعظم التحولات هي تلك التي تغير الإنسان من داخله قبل أن تغير العالم من حوله. 

إنه سؤال داخلي يقرع أبواب الفكر والضمير في كل لحظة. 

من أكون حين يصبح ما صنعتُه قادراً على محاكاة لغتي وسرقة نبرتي؟ 

ومن أكون حين يتوقع رغباتي قبل أن أُفصح عنها، ويقترح عليّ الأفكار قبل أن تكتمل في ذهني؟ 

وأين تنتهي حدود الآلة، وأين تبدأ حدود الإنسان؟ 

إنني أستحضر هذه الأسئلة لا رغبة في إدانة التقدم أو مقاومة المستقبل، بل شوقاً إلى إعادة هذا التسارع إلى حضن الإنسانية؛ حيث يولد المعنى من التجربة، وتتشكل الحكمة من الطين، وتنضج الرؤية عبر الزمن، لا عبر سرعة المعالجة أو وفرة البيانات. 

كلما عدنا بذاكرتنا إلى الوراء، رأينا الإنسان كائناً فريداً، لا لأنه يملك الإجابات دائماً، بل لأنه يمتلك شجاعة السؤال. 

إنه يتعثر فيتعلم، ويخطئ فينضج، ويحول جراحه إلى جسور يعبر عليها الآخرون نحو الأمل. 

كانت أدواته قديماً امتداداً لعضلاته ثم لذكائه، لكنها لم تكن يوماً بديلاً عن روحه. 

أما اليوم، فنحن أمام مشهد بالغ التعقيد، تتشابك فيه الموجات الدماغية بالنبضات الرقمية، ويختلط صوت العقل الذي صقله دفء الدم وصبر التراب عبر آلاف السنين، بصوت خوارزميات تعمل بسرعة البرق وبرودة الحساب. 

ومع ذلك، يبقى الفرق بينهما عميقاً كالفرق بين المطر الذي يهبط من السماء محملًا برائحة الأرض فيرويها ويوقظ الحياة في أعماقها، وبين قطرات الندى التي تستقر على زجاج نافذة باردة، فتلمع تحت الضوء لكنها لا تُنبت زرعاً ولا تحمل عطراً. 

قد يتشابهان في الصورة، لكنهما يختلفان في الجوهر؛ فأحدهما حياة، والآخر محاكاة بارعة للحياة. 

إن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من الدقة والإبداع الظاهري، لا يملك وعياً ذاتياً، ولا يعيش التجربة التي تمنح الكلمات روحها المعذبة أو المبتهجة. 

إنه يعيد ترتيب ما أبدعه البشر بمهارة مدهشة، ويستخلص الأنماط من بحار المعرفة، لكنه لا يعرف لوعة الفقد حين يخطف الموت وجهاً أحبه القلب. 

ولا يشعر برجفة اللقاء بعد غياب طويل. 

ولا يقف مأخوذًا بجمال غروب صامت يعيد إلى الروح طمأنينتها. 

قد يحصي النجوم بدقة مذهلة، لكنه لا يندهش لسقوطها المهيب. 

وقد يكتب أجمل القصائد بناءً ولغة، لكنه لا يبكي معها، ولا يحترق بحرارة الحنين التي أنجبتها. 

إن الفرق الحقيقي ليس في كمية المعرفة، بل في طبيعة الوجود نفسه؛ فالإنسان لا يقتات بالمعلومات، بل يعيش بالذاكرة، والضمير، والحنين، والرجاء، والمحبة، وكل تلك الأسرار العصية على الاختزال في معادلة أو خوارزمية. 

ولعل أكثر ما يثير القلق ليس أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً، بل أن يتنازل الإنسان طوعاً عن مسؤوليته في التفكير؛ فالخطر الحقيقي يبدأ عندما يتوقف البشر عن التعلم ويكتفون بالإجابات الجاهزة. 

حينها تذبل ملكة السؤال، ويخبو فضول الاكتشاف، ويتحول العقل إلى مستهلك للمعرفة بدل أن يكون صانعاً لها. إن الأسئلة العظيمة والحيرة الصادقة هما اللذان صنعا الحضارات، والفلسفة، والفن. وذلك الارتباك الجميل الذي يسبق اليقين هو أحد أعظم النعم؛ لأنه يمنحنا تواضع المعرفة، ويذكرنا بأن الحقيقة رحلة مستمرة وليست محطة نهائية. 

لذا، لا أرى في الذكاء الاصطناعي خصماً ينبغي إعلان الحرب عليه، ولا وحشاً يهدد الوجود، كما لا أراه معجزة تكتفي بذاتها؛ إنه مرآة واسعة تعكس ما نودعه فيها. 

إذا حملنا إليها العلم والعدل، ضاعفت مساحتهما، وإذا أودعناها الجشع والتعصب، عكستهما بقوة أكبر؛ فالتقنية لا تملك بوصلة أخلاقية، بل تستمد وجهتها من ضمير الإنسان. 

وهذا يضاعف مسؤوليتنا الأخلاقية؛ فكل خطوة نخطوها تفرض علينا أن نسأل أنفسنا: هل كل ما نستطيع فعله تقنياً هو حقاً ما ينبغي أن نفعله أخلاقياً؟ 

وهل يكفي أن يكون الشيء ممكناً حتى يصبح مشروعاً؟ 

وهل تُقاس قيمة التقدم بسرعة الإنجاز، أم بما يتركه من أثر في كرامة الإنسان وعدالته؟ 

إنني أخشى الراحة الفكرية التي تفقدنا لذة البحث، وأخشى سهولة الوصول للمعلومة التي تنسينا متعة العناء؛ فالطريق إلى المعرفة هو الذي يصقل الشخصية ويهذب العقل. 

لقد تعلمت أن البطء في التفكير قد يكون علامة على العمق، وأن التردد الشريف الذي يسبق القرار خير من يقين متسرع. 

لا أريد لعالمنا أن يصبح أسرع على حساب إنسانيتنا، فبعض الأسئلة لا تُجاب، بل تُعاش عبر التجربة، والصبر، والانكسار، والنهوض. 

ستظل المنطقة الروحية عصية على الآلة؛ ارتباك الشك، رهبة الإيمان، والشرارة الخفية التي تجعل الإنسان يسمو على نفسه حين ينتصر على أنانيته ويغفر لمن أساء إليه. 

الابتكار الحقيقي ليس تكراراً للأنماط بل هو جرأة على كسرها، وستبقى التجربة البشرية المدونة بمداد العمر أوسع من أي نموذج حسابي. 

إن المستقبل لن يكون انتصاراً للآلة على الإنسان، ولا سحقاً للإنسان بالآلة، بل سيكون انتصاراً للحكمة إن أحسنّا التوجيه، أو انتصاراً للفوضى إن فقدنا البوصلة. 

التقنية محايدة كالسكين؛ تُطعم جائعاً أو تؤذي بريئاً، والذكاء الاصطناعي تتحدد قيمته بمقاصد صانعه، ولا يجوز أن نجعله شماعة لأخطائنا. فالخوارزميات لا تختار القيم، والبرمجيات لا تعرف الرحمة، والشاشات لا تملك ضميراً يحاسبها. 

الآلة قد تُحسن الحساب، لكنها لا تذوق طعم الندم، ولا يثقل كاهلها عبء خطيئة. 

أما الإنسان، ففي ضعفه تكمن عظمته؛ لأنه يحمل الثقل الأخلاقي الذي يدفعه للاعتذار والانتصار لقيمه ولو دفع الثمن غالياً. 

الضمير هو النور الخفي الذي يوقظ القلب، والرحمة هي انكسار نبيل أمام هشاشة الآخر، وهذه هي الفجوة الروحية التي لن تردمها الأرقام مهما بلغت دقتها. 

من أجل ذلك، أدعو إلى الحفاظ على تلك المسافة المقدسة بيننا وبين صنيعنا؛ مسافة سيادة القرار وحراسة الضمير. 

نريد الاستفادة من سرعة الآلة دون خسارة فضيلة التريث، والانتفاع بدقتها دون التنازل عن حكمة التأمل. 

ولهذا أجدني بحاجة، بين الحين والآخر، إلى إطفاء الشاشات؛ 

لا هرباً من العصر، بل عودةً إلى الذات، وإصغاءً إلى صوت المطر الحقيقي وهو يعانق التراب، وإلى ضحكة طفل يسأل عن السماء بدهشة فطرية. 

هناك، في التوازن الدقيق بين نبض التراب وبرد الخوارزميات، يتحدد مستقبلنا وتتجلى كرامتنا. 

فما قيمة ذكاء يفتقر إلى ضمير؟ وما جدوى معرفة لا تهدي إلى خير؟ 

سيبقى الإنسان، ما دام وفياً لروحه، كائناً يحمل في قلبه متسعاً للحب، وفي عقله شغفاً بالمعرفة، وفي وجدانه نسمة الروح التي أودعها الله فيه؛ وهي أعمق أثراً، وأبقى من كل برودة عابرة، مهما اتسع سلطان الآلة. 

بقلم: 

د. محمد شعوفي 

09 يوليو 2026م

وتركت ذاتي هناك بقلم الراقية د.عزة سند

 وتركت ذاتى هناك 

بقلم د٠ عزه حمدى سند

لم أتركْ ذاتي.. بل كبرتُ بها

نعم... تركتُ ذاتي هناك، على عتبةِ بيتِ أهلي، يوم غادرتُ أحمل في قلبي عمرًا كاملًا من الذكريات، وأمضي إلى مستقبلٍ لم أكن أعرف ملامحه.

تركتُ ضحكةً كانت تنطلق بلا سبب، وخطواتٍ لا تعرف سوى الخفة، وأيامًا كان حضنُ أمي فيها وطنًا، وكان وجودُ أبي أمانًا لا تُدرك قيمتُه إلا حين تبتعد عنه المسافات.

تركتُ الدلال الذي كان يسبق طلبي، والاحتواء الذي كان يمسح دمعتي قبل أن تولد، وتركتُ قلبًا لم يكن يعرف من هموم الدنيا إلا أطرافها.

ثم فتحتُ بابًا آخر من أبواب الحياة...

هناك لم أعد تلك الفتاة التي تنتظر من يحمل عنها الأعباء، بل أصبحتُ أنا السند، وأنا الحضن، وأنا اليد التي تربّت على الأكتاف المتعبة، والقلب الذي يخفي وجعه؛ ليزرع الطمأنينة في قلوب من يحب.

وتعلّمتُ أن البيوت لا تُشاد بالحجارة وحدها، بل بالصبر، وأن الأسرة لا يحفظها الحب وحده، بل يحفظها التغاضي، والرحمة، وحسن الظن، والتضحية، والدعاء الصادق في جوف الليل.

وكلما عدتُ إلى بيت أهلي، شعرتُ أن الزمن قد أبطأ خُطاه انتظارًا لي. ألامس الجدران، فتهمس بضحكات طفولتي، وأجلس في مكاني القديم، فأشعر أن السنين، مهما تعاقبت، لم تستطع أن تنتزع تلك الطفلة من أعماقي.

أبتسم...

لا لأن الماضي كان أجمل من الحاضر، بل لأن لكل مرحلةٍ جمالًا لا يتكرر. هناك كنتُ ابنةً أغفو مطمئنةً بين جناحي والديَّ، وهنا أصبحتُ زوجةً وأمًّا، أصنع الطمأنينة لغيري، وإن أخفيتُ خلف ابتسامتي شيئًا من تعبي.

وكم هو عجيبٌ أمر المرأة...

تغادر بيتًا لتبني بيتًا، وتودّع مرحلةً لتبدأ أخرى، وتترك شيئًا من طفولتها؛ لينبت في قلبها بحرٌ من الحنان، ويتسع صدرها للحب والعطاء.

قد تتعب، وقد تذرف دموعها خفيةً، وقد يثقلها حمل الأيام، لكنها ما إن ترى ثمرة تعبها في ابتسامة أبنائها، وسكينة بيتها، حتى تدرك أن كل ما بذلته كان يستحق.

واليوم، حين ألتفتُ إلى الوراء، لا أقول إنني فقدتُ ذاتي...

بل أقول: تركتُ هناك النسخة الأولى من روحي؛ تلك التي عاشت أجمل البدايات، ثم مضت بي الحياة لأولد من جديد؛ امرأةً أكثر قوةً، وأرحب قلبًا، وأعمق إيمانًا، وأكثر امتنانًا لله على كل نعمة، وكل ابتلاء، وكل محطةٍ صنعت مني ما أنا عليه اليوم.

فالمرأة لا تترك ذاتها حين تغادر بيت أهلها...

إنما تحمل جذورها في قلبها، وتمضي بها إلى بيتٍ جديد، فتغرسها حبًّا، وتسقيها صبرًا، حتى تزهر أمًّا حنونًا، وزوجةً صالحة، وروحًا تمنح من حولها الدفء دون أن تنتظر المقابل.

وتلك هي هبةُ الله للمرأة أن يتسع قلبها لكل هذا الحب، وأن تبقى، مهما تغيّرت الأيام، وفيةً لأول بيتٍ احتضن أحلامها، وللبيت الذي احتضن رسالتها.

 د. عزة حمدي سند

وإن قيل ما قيل بقلم الراقية جميلة مازيغ

 وإن قيل ما قيل في مدحك سيبقى القلم يسطُرْ، وإن تناثرت الأحرف ستجتمع بمحراب ذكرك المقدَّس، ومهما تلاحقت الكلمات ستبقى تتسابق لمدحك، بماذا يذكرك اللِّسان، وبماذا يبوحُ القلم بعد كل ما قيل في مدحك إنه ليعجز وإن لم يغمرني نور وجهك، ويصمت وإن لم تسمعك أذني، ويجف أمام كلمات الله التي لا تنفذ وان نفذ البحر ، وإنه لينحني وإن لم أقف أمام قامتك،كيف لخيالي أن يتصورك، حتى أوفِّيك حقك فأمدحك، إلهي أطلق سراح قلمي برؤيته في منامي لعلي أبحر في عمق الكلمات فأخرج درّها المكنون، فما لسواه تتسابق الأحرف والمعاني والكلمات، إلهي إن كان للعشق معنى فأنا لم أعشق سواه، وإن كان لحبه مكان ففي عمق القلب سكناه، وان كانت الرؤيا في المنام حقيقة فهي لرؤياه،وإن كان للقدم مسعى فسعيها لمثواه، وإن رفعت أكف التضرع فسوف أرجو شربة من يده يوم آلقاه ❤️

✍️جميلة مازيغ🤲

#الجميع

حرمان بقلم الراقي طارق الحلواني

 حرمان ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

في الأربعين، كان يعرف كيف يربح صفقة بملايين الجنيهات..

ولا يعرف كيف ينتصر في معركة يخوضها وحده.

وقفت أمامه امرأة يليق بها أن تُرسم أكثر مما تُوصف. لم تكن متكلفة في جمالها؛ كان يكفي أن ترفع عينيها نحوه ليشعر أي رجل أنه صار الرجل الوحيد في العالم. انساب عطرها في الجناح الهادئ، ثم خلعت معطفها ببطء، وجلست على طرف الأريكة، تراقبه بابتسامة صغيرة لا تخلو من الثقة.

اقتربت.

وضعت كفها فوق كفه.

دفء أصابعها كان يكفي لإيقاظ حجر..

لكنه لم يوقظ فيه شيئا.

رفع رأسه إليها.

كانت أجمل مما تخيل.

وكان أبعد ما يكون عنها.

مدت يدها تتحسس وجنته برقة.

ابتسمت.

انتظرت.

ثم انتظرت أكثر.

كانت تسمع أنفاسه المضطربة، وترى الهزيمة تتسلل إلى عينيه قبل أن تصل إلى جسده.

سحبت يدها في هدوء، وارتدت معطفها.

وقبل أن تغادر قالت، دون أن تنظر إليه:

ـ لا تعتذر.. بعض الجراح لا يراها أحد.

ظل واقفا حتى اختفى وقع كعبيها في الممر.

ثم اتجه إلى المرآة.

لم يرَ الرجل الذي تتحدث عنه المجلات الاقتصادية.

ولم يرَ البدلة المفصلة بعناية، ولا الساعة التي يساوي ثمنها عمرا كاملا لرجل بسيط.

رأى ندبة صغيرة أسفل عينه اليسرى.

مد إصبعه إليها.

فإذا بالزجاج يختفي..

ويعود وجه آخر.

وجه طفل.

كانت الحارة، مع الغروب، تبدو كأنها تستسلم لليل قبل أوانه.

مياه آسنة تسيل بمحاذاة الجدران، وأسلاك كهرباء تتدلى فوق الرؤوس، وبخار عربات الفول يمتزج برائحة الحشيش الرخيص، بينما تتشاجر الكلاب والقطط على أكوام القمامة، ويتشاجر الأطفال على كسرة خبز.

كان واحدا منهم.

حافي القدمين.

يجمع سرواله بحبل خشن التف حول خصره مرات عدة، وقميصه، الذي ورثه عن طفل لا يعرفه، يتدلى حتى ركبتيه.

كان أبوه قد مات في السجن وهو لم يتجاوز الثالثة.

لم يترك له صورة..

ولا حكاية.

ترك له اسما يخفض الناس أصواتهم كلما ذكروه.

أما أمه، فكانت تغادر البيت مع آخر خيط للشمس.

تخرج صامتة.

وتعود صامتة.

وفي يدها كيس ورقي صغير.

عدة أرغفة..

وأحيانا قطعة جبن.

وأحيانا علبة فول.

وأحيانا لحما.

كانت تدفع الطعام إليه، ثم تجلس إلى الجدار، تمسح عن وجهها ما تبقى من مساحيق التجميل، وتغلق عينيها كأن الليل استنفدها.

لم يسألها يوما أين كانت.

وكانت تعرف أنه لن يسأل.

كبر عاما..

ثم عاما آخر.

وصار يسمع همسات النساء إذا مرت أمه.

ويرى الرجال يرمقونها بنظرات لم يفهمها أول الأمر.

وحين فهمها..

تمنى لو لم يكبر.

في صباح شتوي، استيقظ على صمت غير مألوف.

الفراش خالٍ.

والغرفة أبرد من العادة.

انتظرها حتى المساء.

ثم حتى الليلة التالية.

لم تعد.

في اليوم الثالث، كان الجوع قد صار حيوانا ينهش أحشاءه.

قلب الغرفة بحثا عن أي شيء.

كسرة خبز يابسة.

بصلة ذابلة.

حفنة ملح.

لم يجد.

خرج يتعثر في خطواته.

وعند المقهى، سمع رجلين يتحدثان عن حملة قبضت على عدد من نساء الليل.

أحدهما ضحك.

والآخر سبَّ الحكومة.

أما هو..

فأكمل سيره.

كان يعرف أن أمه لن تعود تلك الليلة أيضا.

مر أمام المخبز.

خرج رجل يحمل أرغفة ساخنة، فاندفع البخار في وجهه.

أغمض عينيه.

كانت الرائحة وحدها تكفي لتؤلمه.

واصل السير حتى توقف أمام مسمط شعبي.

جلس رجل إلى جوار زوجته وطفليه.

رفع الصغير ذراعيه، فضحك الأب، وقطع له لقمة صغيرة، نفخ فيها حتى بردت، ثم وضعها في فمه.

ظل يحدق في المشهد طويلا.

لم يشته قطعة اللحم فقط.. اشتهى اليد التي ناولتها.

خفض رأسه، ومشى.

بعد خطوات قليلة، استوقفه رجل لم يره من قبل.

كان يحمل كيسا ورقيا، تنبعث منه رائحة خبز طازج.

ابتسم له ابتسامة واسعة، وأخرج رغيفا لا يزال دافئا.

وقال:

ـ تعال يا بطل..

اليوم ستأكل حتى تشبع.

ظل الطفل ينظر إلى الرغيف..

ثم خطا خلف الرجل.

خطوة واحدة..

غيرت عمرا كاملا.

لم يكن للخرابة باب..

مجرد جدران متآكلة، وسقف انهار نصفه، وأشواك نبتت بين الحجارة.

دخل خلف الرجل.

كانت عيناه معلقتين بالرغيف.

ولم يلتفت إلى شيء آخر..

خرج مع أول ضوء للفجر.

كانت ملابسه ممزقة، وقدماه تغوصان في التراب كأنهما لا تعرفان الطريق.

لم يبك.

كان البكاء يحتاج إلى طفل..

وهو لم يعد كذلك.

حاول أن يسرع.

تعثر في حجر، فسقط على وجهه.

شعر بحرارة الدم تسيل أسفل عينه اليسرى.

نهض، ومسحها بكم قميصه.

ثم أكمل السير.

كانت أمه جالسة على الأرض حين دخل.

رفعت رأسها.

حدقت في قميصه الممزق.

وفي الدم اليابس على وجهه.

قامت نحوه.

لم تسأله شيئا.

غسلت وجهه في طشت صغير.

وكلما اقتربت من الجرح، ارتعش جسده.

توقفت.

رفعت عينيها إلى عينيه.

رأت فيهما خوفا لم تره من قبل.

أخفضت رأسها.

وأكملت غسل الدم.

بعد دقائق، وضعت أمامه الأرغفة التي اعتادت أن تعود بها.

ظل ينظر إليها طويلا.

ثم دفعها بعيدا.

في تلك الليلة..

بكت هي.

ولم يبك هو.

تغيرت أحواله كما تتغير الفصول.

حمل الطوب.

ودفع العربات.

وغسل السيارات أمام شركة كبيرة للاستيراد والتصدير.

كان يراقب الموظفين من خلف الزجاج.

يتأمل الحروف على الأوراق كما يتأمل الجائع الطعام.

وحين صار ساعيا داخل الشركة، اكتشف أن جهله أثقل من الفقر.

اشترى كراسة صغيرة، وقلما رخيصا.

وفي المساء، جلس تحت عمود إنارة يتعلم الهجاء على يد بائع جرائد عجوز.

كان يقرأ اللافتات في الطريق، ويتهجى عناوين الصحف، ويكتب اسمه عشرات المرات حتى استقام.

ثم تعلم الحساب..

ثم التجارة.

كان صاحب الشركة يراقبه في صمت.

رأى فيه ما لم يره في أبنائه.

وحين أقعده المرض، سلمه مفاتيح الشركة.

وبعد رحيله، لم يرث الأبناء سوى الاسم.

أما هو، فقد ورث التعب.

اقترح أن يدير الشركة مقابل حصة من الأرباح.

وافقوا.

وبمرور الأعوام، اشترى حصة هذا..

ثم حصة ذاك..

حتى صار الاسم على اللافتة..

اسمه.

وكان الناس يقولون بإعجاب:

ـ رجل عصامي.

فيبتسم..

ويمضي.

عاد إلى المرآة.

لم تكن الندبة الصغيرة قد تغيرت.

مرر إصبعه فوقها.

فعادت إليه رائحة الطين.

ورائحة الخبز الساخن.

وصوت أمه وهي تغلق الباب الخشبي المتهالك كل ليلة.

وتذكر الرجل الذي أطعم ابنه بيده.

أدرك، بعد أربعين عاما، أنه لم يكن يحسد الطفل على اللقمة..

بل على الأب.

رن الهاتف.

عرف أنها هي.

تركه يرن.

وأطفأ الشاشة.

وقف أمام النافذة.

كأن المدينة كلها تحت قدميه.

ابتسم.

ابتسامة رجل وصل متأخرا إلى كل شيء.

أغمض عينيه.

وتخيل لو خيروه الآن..

بين الشركة، والمال، وكل ما جمعه خلال عشرين عاما..

وبين أن يعود ذلك الطفل الجائع، الحافي، النائم على كرتونة، على أن يتوقف الزمن قبل أن يدخل الخرابة بخطوة واحدة..


لاختار الطفل.


طارق الحلواني

يونيو ٢٠٢٦

كلاب الحظيرة بقلم الراقي متولي بصل

 كِلابُ الحظِيرةِ


متولي بصل

مصر


كِلابُ الحظِيرةِ ماذا دَهَاهَا

وهذا العواءُ أحقًا عواهَا ؟!

كأنِّي بها اليومَ صارتْ ذِئابا

تُرَوِّعُ أكباشَها والشِيَاهَا

وقدْ كانَ سُكَّانُ تلكَ الحظيرةْ

يعيشونَ في أمْنِها وحِمَاهَا

ومِريَاعُهَا كانَ فيها إِمَامَا

فأمْسَى مِنَ الذعرِ يَمشِي وَرَاهَا

فهلْ حوَّلَتْهَا ضُغوطُ الحياةِ

لِتُصبحَ في ليلةٍ وضُحَاهَا

وُحُوشًا تُقدِّسُ سَفْكَ الدِّماءِ

وَتَنْهَشُ لَحْمَ الذي قدْ رَعَاهَا

أَمَا ذَكَّرَتْهَا لُحُومُ الضَحَايَا

بِطَعْمِ الحَلِيبِ الذي قدْ رَوَاهَا ؟!

وَتِلْكَ الشِيَاهِ التِي أَرْضَعَتْهَا

وَنَامَتْ بِأحْضَانِهَا فِي صِبَاهَا 

تروحُ الذئابُ وتغدو بِطانا

كأنَّ كبير الذئاب اشتراها

وتأتي الثعالبُ من دون خوفٍ

تلوكُ الطعامَ وتحسو المِياها

كأنَّ الحظيرةَ صارتْ مشاعا

فكلُّ الأيادي تجني جَناها

وصارَ لأعدائها اليوم فيها

نصيبان في أرضها وسماها

ولمْ يبقَ في أرض تلك الحظيرةْ

سوى الخوف والخوف يحني الجِباها

وجاعتْ كِباشٌ وماتتْ خِرافٌ

وفرَّتْ نِعاجٌ إلى ما سِواها

أليس لتلك الكلابِ دَواء

فتشفَى وتثأر ممن غواها ؟

أليس لتلك الحظيرة راع

يصُبُّ العِقابَ على من دَهَاهَا ؟!


..

من كتاب ( تغريدات)

النكران بقلم الراقية نور شاكر

 النكران

قصة قصيرة 

بقلم: نور شاكر 


كانت المقاعد الخشبية في مقهاهما المعتاد تشهد على تفاصيل حكاية دامت لأكثر من عشر سنوات أحمد ويوسف الصديقان اللذان لم يكن يفترقان، حتى ظن الجميع أن الأيام لن تقوى على تفريقهما كانا يتشاركان الأحلام الصغرى، خيبات العمل، وخطط المستقبل المؤجلة

وفي مساء خريفي عادي، ودع يوسف صديقه بابتسامة هادئة ومصافحة حارة، قائلًا نلتقي غدًا

لكن غدًا ذلك لم يأتِ أبدًا


في اليوم التالي، رن هاتف يوسف المغلق مرارًا

 مر يوم، ثم أسبوع، ثم شهر تلاشت آثار يوسف وكأنه لم يكن سوى حبرٍ على ورقة مَحاها المطر لم يكن هناك شجار، ولا عتاب، ولا حتى سوء تفاهم عابر يبرر هذا الغياب

بحث أحمد عنه في كل مكان؛ سأل عائلته التي أجابت بجفاء غريب أنه بخير وصحة جيدة لكنه اختار رغبتهم في الخصوصية، وقصد منزله ليجد الأبواب موصدة لم يمت يوسف، ولم يسافر في مهمة سرية، بل قرر ببساطة أن يُمزق صفحة أحمد من كتاب حياته، ويمضي بصمت


وجد أحمد نفسه وحيدًا، ليس فقط في المقاهي والطرقات، بل بين ركامٍ مرعب من الأسئلة التي تبدأ ولا تنتهي كان يجلس ليلًا يفتش في ذاكرته عن هفوة، عن كلمة طائشة، أو موقف فُهم على نحو خاطئ

هل أخطأتُ في حقه دون أن أنتبه؟

هل كانت تلك السنين مجرد تمثيلية بارعة؟

كيف يرحل المرء ويترك خلفه شخصًا ينزف حيرة؟

كان الجهل بالسبب هو القاتل الحقيقي فالخلافات تمنحك حق الدفاع عن نفسك، والموت يمنحك حق الحداد أما الرحيل الصامت بلا سبب فهو نوع من النكران الذي يترك الضحية معلقة في مشنقة الشك، الشك في صدق الماضي، وفي قيمة المعنى، وفي نفسه


مرت السنوات، وخمدت نار الأسئلة المشتعلة، تاركة وراءها رمادًا من التجاهل المتعمد التقى أحمد بيوسف صدفة في أحد الممرات الضيقة بمركز تجاري تجمدت الدماء في عروق أحمد، وتأهب قلبه لسماع التبرير المنتظر لسنوات

لكن يوسف نظر إليه بعينين باردتين، عينين غريبتين تمامًا، ثم واصل سيره متجاوزًا إياه وكأنه لم يره قط

في تلك اللحظة تحديدًا، أدرك أحمد الإجابة التي تبحث عنه؛ لم يكن هناك سر غامض، ولم يكن هناك ذنب اقترفه كان الأمر مجرد "نكران" قسري، تخلِ بارد من شخص انتهت صلاحية الصداقة في قلبه، فاستكثر حتى مجهود الوداع نفض أحمد عن كاهله ركام الأسئلة، واستدار يكمل طريقه، مدركًا أن بعض الغياب لا يستحق عناء البحث عن أسبابه.