الجمعة، 3 يوليو 2026

سفر الظل بقلم الراقي عاشور مرواني

 سِفْرُ الظلِّ 


من أسفار الرؤيا

مفتاح السفر

الظلّ لا يتبع صاحبه… بل يختبر إن كان يستحقّه.


لم يكن الغيابُ ما فقدته الأشياء…

بل ما بقي منها بعد أن ظنّت أنها اكتملت.


كنتُ أرى نفسي في المرآة،

لكن المرآة لم تكن تعكسني،

كانت تُكثّفني…

حتى صار وجهي أكبر من أن يُحمل،

وأصغر من أن يُفهم.


كلّ شيءٍ هنا له ظلٌّ زائد،

حتى الضوءُ

لم يعد بريئًا من التكرار،

كان يترك خلفه نسخةً من نفسه

لا تنتمي إلى النهار ولا إلى الليل،

بل إلى المنطقة التي ينسى فيها الزمن اسمه.


سألتُ الجدار: لماذا لا تسقط؟

قال: لأنني لا أقف،

أنا فقط أُراكمُ ما يمرّ بي

حتى أبدو ثابتًا.


عندها فهمتُ أن الأشياء لا تموت…

بل تتكاثر داخل حدودها

حتى تفقد القدرة على الاختفاء.


حتى الخطوة…

لم تكن تعبر الأرض،

كانت تترك وراءها أثرًا لا يشبهها،

ثم تمشي خلفه

كأنها تتبع نسخةً متأخرة من نفسها.


وفي داخلي…

كان هناك من يفكر عني

قبل أن أصل إلى الفكرة،

ومن يتذكر عني

قبل أن يحدث النسيان.


لم أعد أعرف:

هل أنا الذي يُلقي ظله،

أم الظل هو الذي يتأخر قليلًا

ليتأكد أنني ما زلتُ أتبعه؟


حتى الصوت…

كان يصل متأخرًا عني،

كأنه لا يريد أن يطابقني،

بل أن يراقبني من مسافة كافية

كي لا أتعرف عليه.


وحين حاولتُ أن أهرب مني…

اكتشفت أنني موزّع على كل اتجاه،

وأن كل طريقٍ كنتُ أتركه خلفي

كان يعود إليّ

باسمٍ مختلف.


ثم أدركتُ الحقيقة التي لا تُقال:

أن الامتلاء ليس اكتمالًا…

بل بداية انقسامٍ داخلي لا يتوقف.


وأمّا الظلّ…

فلم يعد تابعًا لي.

صار هو الشكل الأكثر صدقًا مني،

لأنه لا يحاول أن يكون واحدًا.


وهكذا…

كلما ابتعدتُ خطوةً

اقترب مني أكثر من شخصٍ واحد،

حتى لم أعد أملك مكانًا داخليًا

لا يسكنه أحد.


وفي النهاية…

لم أعد أعرف من يتقدّم:

أنا، أم كثافتي، أم النسخة التي لم أقلها من نفسي.


عاشور مرواني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .