الأربعاء، 8 يوليو 2026

المقعد الأخير بقلم الراقي شاكر الصالحي

  المقعد الأخير

كان دائما يصل متأخرا قليلا. ليس متأخرا بالمعنى الذي يلفت الانتباه فلا أحد يعاتبه ولا أحد يسأله أين كان.

فقط يصل في اللحظة التي يجد فيها أن الصدارة قد مُلئت وأن المقاعد الأولى قد سبق إليها غيره.

 في قاعة الانتظار.

 في الاجتماع.

 في مناكب الحياة أحيانا.

في البداية كان الأمر يبدو عاديا. هناك دائما من يأتي قبل الجميع وهناك من يأتي بعدهم. ترتيب بسيط للأشياء. لكن مع الوقت اكتشف أن الأماكن لا تنتظر المتأخرين.

 المقعد الأول له أصحابه. والفرصة الأولى لها أصحابها. والصوت الأول غالبا يحدد شكل الحديث كله.

أما الذين يصلون بعد البداية، فيتعلمون مهارة مختلفة، يتعلمون كيف يروضون أنفسهم على مكان لم يختاروه.

جلس في المقعد الأخير في الحافلة. كان يحب هذا المكان قديما. منه يرى الطريق كله. لا أحد خلفه. لا أحد يطلب منه التحرك. لكنه مع السنوات بدأ يلاحظ شيئا آخر.

 المقاعد الأخيرة تحمل قصصا كثيرة فهي مستودع للحكايا . هناك يجلس من لم يجد مكانا أمامه. هناك يختلط الصامت بالمتعب والمتأخر بمن تعود أن ينتظر.

 ليس كل من يجلس في الخلف اختار الخلف. بعض الأماكن تُعطى للإنسان دون أن يختارها...

في المدرسة كان بعض التلاميذ يجلسون في الصفوف الأولى لأنهم كانوا الأفضل. وبعضهم لأنهم كانوا الأكثر قربا من المعلم. وفي الحياة تتغير المقاعد فقط ويبقى المنطق حاضرا بأشكال أخرى. من يبدأ مبكرا يرى الطريق من نافذته. ومن يأتي متأخرا يقضي وقتا أطول في فهم القواعد.

كان الرجل يعرف أن المشكلة ليست في المقعد الأخير نفسه. أحيانا يكون المكان الخلفي أكثر راحة. المشكلة في أن يتحول الاستثناء إلى عادة، وأن يعتاد الإنسان دائما أن يجد نفسه بعد أن اختار الآخرون مواقعهم. هناك لحظة خطيرة لا يشعر بها أحد، حين يتوقف الإنسان عن محاولة الوصول إلى الأمام لأنه تعلّم أن الأمام مزدحم دائما. وهنا يصبح التكيف سلاحا وسجنا في الوقت نفسه .

تعوّد أن يجد مكانا صغيرا. تعوّد أن ينتظر. تعوّد أن يقول: "المهم موجود." لكن شيئا في داخله ظل يعرف أن الوجود وحده لا يكفي.

في آخر الطريق، نزل من الحافلة. لم يكن أول من نزل ولم يكن آخر من نزل.

مشى في الشارع كأي شخص آخر ولم يعرف أحد أن الرجل الذي كان يجلس في المقعد الأخير طوال الرحلة كان يحمل سؤالا أكبر من الطريق:

"كم مرة نقبل مكاننا لأننا لم نجد مكانا آخر، ثم ننسى بعد سنوات أننا كنا نبحث عن مكان آخر أصلا؟"

شاكر ا

لصالحي 

تونس 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .