الجمعة، 3 يوليو 2026

سفر الغياب الأول بقلم الراقي عاشور مرواني

 مقدمة

ليس كلُّ كتابٍ يُفتَح من صفحته الأولى.

ثمّة كتبٌ تبدأ من السؤال الذي يسبق القراءة، ومن الصمت الذي يسبق الكلمة، ومن الاسم الذي يتردّد طويلًا قبل أن يجرؤ على أن يكون اسمًا.

وهذه الأسفار ليست دعوةً إلى عبور طريقٍ معلوم، ولا محاولةً لتشييد يقينٍ جديد. إنها أثرُ رحلةٍ ظلّت تحدث في اللغة، بينما كان العالم يظنّ أنه يحدث خارجها.

كلُّ سفرٍ هنا ليس فصلًا من كتاب، بل عتبةٌ إلى هيئةٍ أخرى من الوجود؛ حيث يتبدّل معنى الغياب، ويتحوّل الظلّ إلى شاهد، وتصير اللغة مكانًا تُعاد فيه ولادة الأشياء، لا تسميتها فقط.

ولذلك، لا تبحث في هذه الصفحات عن حكايةٍ مكتملة، ولا عن أجوبةٍ نهائية؛ فكلُّ جوابٍ يولد هنا يحمل في داخله سؤالًا آخر، وكلُّ نهايةٍ ليست إلا بدايةً تتخفّى في هيئة خاتمة.

اقرأ هذه الأسفار كما يُصغي العابر إلى صدى خطواته في أرضٍ يزورها للمرة الأولى؛ لا ليعرف الطريق، بل ليعرف ما الذي تغيّر فيه وهو يعبره.

فربما، حين تطوي الصفحة الأخيرة، لن تكون قد انتهيت من هذا الكتاب...

بل سيكون هو الذي بدأ يقرأك.

والآن... لنبدأ السَّفَرَ الأوَّل.

سِفْرُ الغِيابِ الأوَّل


القصيدة:

سِفْرُ الغيابِ الأوَّل


ليس هذا سفرًا يُقرأ…

إنه العتبةُ التي يتركُ عليها القارئُ اسمَه،

ثم يكتشفُ أن الاسمَ هو الذي دخل،

وأمّا هو… فبقي خارجَ الكتاب.


هنا لا يبدأ النصّ من الحروف،

بل من الفراغ الذي تعلّمتِ اللغةُ أن تتنفسه.


كنتُ أظنّ أن الطريقَ يمتدّ إلى الأمام،

لكنّه كان يلتفّ حول نفسه

كأنه يجرّبُ شكلَ الضياع،

ثم يترك لي جسدي كي يوقّع عليه.


وكان الماءُ يتدرّبُ على خسارةِ نفسه،

قبل أن يخترعَ الإنسانُ اسمَ الدموع،

وقبل أن يطمئنَّ إلى أن الانكسارَ

يمكن أن يصبح مادةً للشرح.


كلّ شيءٍ هنا لا يُولد دفعةً واحدة،

حتى الحقيقةُ تمرّ من بوابة التردّد،

وتتعلم أن تكون أقل يقينًا

كي تبدو أكثر قابليةً للبقاء.


لم يكن الغيابُ حدثًا…

كان طريقةً في ترتيب الوجود،

كأن الأشياءَ حين تقترب من اكتمالها

تتراجع خطوةً

كي لا تُتهم بالظهور الكامل.


حتى اللغةُ

لم تكن بريئةً من هذا الانسحاب،

كانت كلما قالت شيئًا

تركت خلفها ظلَّ ما لم يُقل،

ثم مضت كأنها لم تكن.


وفي لحظةٍ لا يمكن تحديدها،

لم أعد أعرف:

هل أنا من يعبر النص،

أم النص هو الذي يعبرني

ليجرّب شكلًا آخر من الوعي؟


ثم فهمتُ متأخرًا

أن كل ما كنتُ أسمّيه “أنا”

لم يكن سوى أثرٍ مؤقت

لشيءٍ أكبر من القدرة على التسمية.


وأمّا أنا…

فلم أعد الكاتب،

ولا المكتوب،

ولا البياض.


كنتُ الأثرَ

الذي كلّما حاولَ الزمنُ أن يمحوه…

اكتشفَ

أنّه هو الذي يختفي.


وهكذا…

لا يعود السفرُ إلى نقطة البداية،

لأن البداية نفسها

كانت تكتبُ نهايتها منذ السطر الأول.


كنتُ أعودُ إلى الاسمِ… فأجده هو الذي يبتعد عني،

كأن العتبةَ لم تُخلق للدخول، بل للتيه.


عاشور مرواني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .