أضيق نقطة في ساعة الرمل
ساعة الرمل لا تتساقط بالوتيرة نفسها. عند أضيق نقطة فيها، يتوقف الزمن عن أن يكون زمنًا؛ يصبح صفرًا، حاضرًا لكل شيء إلا نفسه. وما بعدها عالم آخر.
عشت تلك النقطة. لم أخترها، ولم أستعد لها، لكننا التقينا في موعد لم أكتبه.
فقدت القدرة على التنفس تدريجيًا في الواقع، وفجأة في الوعي. ثوانٍ حملت كل المفارقات، ووقفت بي على عتبة لا تُطرق؛ إنها تباغتك. كالبذرة التي انتهى زمن صبرها تحت التراب، لا خيار لها إلا أن تشق طريقها إلى الضوء، أو تبقى حيث هي.
لم تسألني إن كنت مستعدة؛ فجوهر العتبات أن تكشف استعدادنا، لا أن تنتظره.
ولكل طبقةٍ من التجربة تفسيرها؛ غير أن تجربةً بهذا العمق لا يحتويها تفسيرٌ واحد.
ثم بدأ مشهدٌ آخر، لم أكن فيه شاهدةً ولا راوية.
كانت يدٌ خفية تنسج المشهد، وتمنح لكل فرد دوره حين يحين أوانه.
كنت أعتني بنفسي، وآخذ بالأسباب ما استطعت، حتى جاء وقتٌ غاب فيه وعيي، فتولّى زوجي إسعافي. لم يكن يعلم الصورة كاملة؛ زاد سرعة السيارة، واختار الطريق المعاكس لخلوه، ولسانه لا يفتر عن ذكر الله. كانت بالنسبة له قرارات عابرة، وحسابات بسيطة، لكنها في تلك اللحظة حملت من المعنى أكثر مما كان يدري.
من يدي إلى يد زوجي، إلى أيدٍ أكثر تجردًا، لا تعرفني. غرباء جمعتهم مهنة، وألزمهم ضمير؛ لا تربطهم بي ذكرى، ولا عهد، وإنما تلك اللحظة وما تقتضيه من إنسانية خالصة.
من أحبني أوصلني، ومن لم يعرفني أعادني.
وفي المسافة بينهما، كان لطف الله يملأ كل فراغ.
أقوى الأحداث ليست تلك التي تمنح معنى واحدًا أو تمسُّ شخصًا واحدًا، بل تلك التي تظل تتسع، وتتوالد منها المعاني دون أن تنفد؛ كضوءٍ ينتشر في كل اتجاه، يبحث عمّن يلتقطه.
حين فتحت عيني، كان أول ما نطق به لساني: سبحان الله. لم أخطط لها، ولم أفكر فيها — خرجت كأن نطق بها كل من في المشهد، وكأنها الكلمة الوحيدة التي تسع ما رأيت.
قلت: ذهبت إلى عالم آخر.
قال أحدهم: وأنتِ الآن أين؟
أردت أن أجيب. كنت حريصة على طمأنتهم... على إثبات أنني هنا — لنفسي أولاً ولهم؛ لكن الكلمة لم تأتِ — ليس لأن وعيي غاب، بل لأن الإجابة لم تكن واضحة بعد.
كيف أقول "عدتُ" وأنا لا أعرف تماماً من أين؟
ما عشته لم يكن غيابًا، بل حضورًا لم أجد له اسمًا؛ كان عتبةً اجتزتها إلى هنا، وما اجتزته ما يزال حاضرًا معي.
وهنا، الآن، أتنفس بعمق لم أعرفه
من قبل.
فريدة كمال
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .