**كيف يشبعُ الذهبُ... ويجوعُ الإنسان؟**
حين ماتَ أبو ذرّ،
ظنّتِ القصورُ أنّها انتصرتْ.
أغلقتِ الخزائنُ أفواهَها،
وعادتِ الموائدُ الثقيلةُ
تلتهمُ مواسمَ الجياع.
وظنَّ الذهبُ
أنَّ الأرضَ أصبحتْ ملكًا لظلِّه.
لكنّهم لم يفهموا شيئًا.
فبعضُ الرجالِ
لا يموتون حين تتوقّفُ قلوبهم،
بل حين يتوقّفُ الظلمُ.
---
ومنذ ألفِ عامٍ،
وأبو ذرّ يمشي بيننا.
لا وجهَ له،
وجهُهُ كلُّ عاملٍ عادَ إلى أطفالهِ
وفي يديه تعبُ النهارِ ولا رغيف.
ووجهُهُ كلُّ أمٍّ
تخيطُ الليلَ كي تسترَ عريَ الحياة.
ووجهُهُ كلُّ طفلٍ
ينامُ جائعًا
بينما تتثاءبُ البنوكُ فوقَ جبالٍ من الأرقام.
---
كان يعرفْ
أنَّ أخطرَ الأصنام
لا تُنحَتُ من الحجر،
بل من الطمع.
وأنَّ الآلهةَ الجديدة
لا تسكنُ المعابد،
بل الخزائن.
وأنَّ السجودَ الأكبر
ليس انحناءَ الجسد،
بل انحناءَ الضمير
أمامَ الذهب.
---
لذلك
لم يكن يقاتلُ الأغنياء،
كان يقاتلُ ذلك الوحشَ الخفيَّ
الذي يعدُّ العملاتَ
ولا يعدُّ الجائعين.
---
يا أيّها العالمُ...
ما أكثرَ المقابر،
وما أقلَّ الموتى.
فكثيرونَ دُفنوا وهم أحياء:
تحتَ أكوامِ الخوف،
وتحتَ أنقاضِ الصمت،
وتحتَ ركامِ المصالح.
---
كلُّ رغيفٍ يُسرقُ من جائع
هو طلقةٌ في صدرِ العدالة.
وكلُّ ثروةٍ تنامُ فوقَ بحرٍ من الحرمان
هي قبرٌ مؤجَّل.
---
ما أغربَ الحكاية:
نحنُ لا نخافُ الفقرَ حقًّا،
نحنُ نخافُ أن نرى الفقرَ
ثم نعترفَ بمن صنعه.
---
لهذا
كلّما امتلأتِ الخزائنُ وفرغتِ القلوبُ، عادَ أبو ذرّ.
وكلّما ارتفعَ قصرٌ على ظهرٍ مكسور، عادَ أبو ذرّ.
وكلّما بِيعتِ الحقيقةُ في سوقِ المنافع، عادَ أبو ذرّ.
ليس رجلًا،
بل سؤالًا.
ذلك السؤالُ الذي لم تستطعْ كلُّ الإمبراطورياتِ
أن تشتريَ صمتَه:
**كيف يشبعُ الذهبُ...
ويجوعُ الإنسان؟**
---
– الأثوري محمد عبدالمجيد نعمان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .