سِفْرُ الباب
من أسفار الرؤيا
لم يكن البابُ يومًا خشبًا يفصلُ بين مكانين...
بل كان لحظةً تفصلُ بين إنسانين.
الذي يقفُ قبل الباب، ليس هو الذي يعبره.
فكلُّ بابٍ في الحياة يحملُ سرًّا قديمًا:
أنه لا يُفتحُ بالمفتاح فقط...
بل بالقرار.
هناك أبوابٌ لا تحتاجُ إلى يدٍ تدفعها،
بل إلى قلبٍ يتخلّى عن خوفه.
وأصعبُ الأبواب ليست تلك المغلقة أمامنا،
بل تلك التي نعرفُ أنها مفتوحة،
ونبقى واقفين عند عتبتها.
فالإنسان لا يخشى المجهول وحده...
إنه يخشى أن يكتشف أن العالم الذي تركه خلف الباب
كان أصغر من الحقيقة التي تنتظره.
العتبةُ مكانٌ غريب...
ليست داخلًا،
وليست خارجًا.
إنها اللحظة التي يموت فيها القديم
قبل أن يولد الجديد.
ولهذا كانت العتباتُ دائمًا ثقيلة،
لأنها تحمل أرواحَ الأشياء التي انتهت،
وأحلامَ الأشياء التي لم تبدأ بعد.
كلُّ إنسانٍ يحمل في داخله أبوابًا كثيرة:
بابًا لماضٍ لم يُغلق تمامًا،
وبابًا لخوفٍ لم يُواجه،
وبابًا لحقيقةٍ يخشى أن يراها،
وبابًا لنسخةٍ منه
تنتظر أن تولد.
لكنَّ الباب لا يسأل:
هل أنت مستعد؟
إنه يفتح فقط...
ثم يترك لك مسؤولية العبور.
ففي النهاية،
ليست الأبواب هي التي تغيّرنا...
بل الخطوة التي نضعها بعدها.
قد يقضي الإنسان عمره يبحث عن باب الخلاص،
ثم يكتشف أن الباب
كان يفتح إلى الداخل.
إلى نفسه.
هناك...
حيث ترك الأشياء التي لم يملك شجاعة مواجهتها،
والأسئلة التي أجّلها،
والكلمات التي لم يقلها.
والغريب...
أن بعض الأبواب حين نعبرها،
لا نجد خلفها عالمًا جديدًا...
بل نجد أنفسنا
للمرة الأولى.
كأن الرحلة كلها
لم تكن انتقالًا من مكان إلى مكان،
بل اقترابًا بطيئًا
من الحقيقة.
لذلك لا يكون أعظم العبور
أن تصل إلى الجهة الأخرى...
بل أن تصبح شخصًا آخر
وأنت تعبر.
فالباب ليس نهاية الطريق،
ولا بدايته.
إنه اللحظة التي يسأل فيها الوجودُ الإنسان:
هل تريد أن تبقى كما أنت؟
أم تريد أن ترى
ما كنت تخشاه؟
ومن يجيب...
يبدأ سفره الحقيقي.
عاشور مرواني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .