السبت، 11 يوليو 2026

معزوفة النبض بقلم الراقية جميلة مازيغ

 معزوفة النبض

قَالُوا

جُدْ بالوِصالِ لمُفْعمِ التحنانِ

واهجر عديم الودِّ بالنسيانِ


قلتُ الفؤاد سجينَ أضْلُعِهِ انزَوَى

إنّ القُيُودَ تُفَكُّ بالإحْسَانِ 


 ما قيمةُ الأشواقِ بعدَ تمرُّدِي

إنْ كنتُ أسْلُو دونَ مَا هِجْرَانِ


ما بالحشََى ما كنْتُ أمْلكُ بعضَهُ

والبعضُ صارَ مراسِمَ الأشْجَانِ


إنِّي لأَنْثُرُهَا الورُود تيمُّنًا

حتى يُعطَّرَ من قَفَا عُنْوَانِي


 إنْ كانتِ الأشواك تُؤْلمُهَا يَدِي

أَسْقِي جذور الوردِ منْ شِرْيَانِي


 القلبُ لا يسْلُو إذا اعتنق الهوَى

بَلْ يرْتَضِي بالصلحِ في الإبَّانِ


 أغلَى كنوزِ الأرْضِ قاطِبَةً هُمُ

هُمْ رَفَّةٌ بالعَيْنِ والأجْفَانِ


لا تسْألُوا عن علَّتِي ما منْ دوَا

بعضُ الجِراحِ تطيبُ بالكِتْمَانِِ

✍️جميلة مازيغ

#الجميع

عودة الكلمات بقلم الراقية نور شاكر

 عودة الكلمات 

بقلم نور شاكر 


ها هي الكلمات تعود إلى ملاذها الأول، بعيدًا عن صخب الهواتف وضوضاء السوشيال ميديا، وبعيدًا عن تعديلات الكيبورد وأخطائه المزعجة

 عدتُ إلى دفتري، ذاك الرفيق القديم الذي لم أهجره حقًا، بل كنت أضعه جانبًا حين يغريني وهج الشاشة

لطالما كان الورق حضني الأول وملجئي الذي ألوذ به كلما أثقلني الصمت أو ازدحمت داخلي الحروف غير أن كتاباتي في الآونة الأخيرة تحولت إلى سطور متكسرة على شاشة الهاتف، لا روح فيها كما للحبر حين يسيل على بياض الصفحة

 فكم افتقدتُ رؤية حروفي وهي تتشكل من أناملي، وأصغي إلى صوت القلم وهو يخطها بصدق لا يعرفه الكيبورد

الآن، وأنا أستعيد ذلك الحنين، أشعر أنّ الورق ليس مجرد مادة خام، بل مرآة صافية تحفظ وجهي كما كنتُ، وتُعيد إلي دفء البدايات ما أجمل أن تتساقط الكلمات من الروح مباشرة إلى الصفحة، بلا وساطة شاشة ولا ضجيج، كأنها تُولد من جديد نقيةً صافية، تحمل رائحة الذكريات ولون الزمن

إنها ليست عودة إلى الماضي فحسب، بل عودة إلى ذاتي التي لم يبهت فيها شغف الكتابة، مهما تبدلت الوسائل وتغيرت الأزمنة

كن صديقي بقلم الراقية محبة القرٱن عاشقة العربية

 *كن صديقي*


كُنْ صَديقي إِنْ مَالَ بيَ الدَّرْبُ واعْوَجَّا  

وإِنْ ضَاقَ صَدْري فَكُنْ نَهْرًا لَهُ خَرَجا  

كُنْ يَدي إِنْ تَعِبَتْ مِنْ حَمْلِها وَحْدي  

وكُنْ عَيْني إِنْ غَشِيَ الضَّبابُ المَدَى  


كُنْ صَديقي في لَيْلٍ طَالَ سَهَدُهُ  

وامْسَحْ بِضِحْكَتِكَ الغَيْمَ عَنِ المَدَى  

كُنْ صَوْتًا إِذَا نَادَيْتُ أَجَابَني  

قَبْلَ أَنْ أَنطِقَ الحَرْفَ والمُنَى  


كُنْ صَديقي في فَرَحي قَبْلَ حُزْني  

واقْسِمْ مَعي الرَّغيفَ والهَوَى  

لا تَسْأَلْني عَنْ جُرْحي كُلَّ حِينٍ  

يَكْفي أَنْ تَبْقى بِقُرْبي دَوَا  


كُنْ صَديقي إِنْ خَذَلَني الزَّمانُ  

وكُنْ ظِلّي إِنْ هَجَرَتْني الشَّمْسُ  

كُنْ بَيْتي إِنْ تَشَرَّدَتِ الخُطَى  

وكُنِ اسْمي عَلَى شَفَتيكَ هَمْسُ  


عَلِّمْني كَيْفَ يَضْحَكُ الصَّبْرُ  

وكَيْفَ يَطيرُ القَلْبُ بِلا جَناحٍ  

خُذْ بِيَدي مِنْ وَهْدَةِ الخَوْفِ  

إِلَى ضِفَّةٍ فِيها أَمَانٌ وارْتِياحُ  


كُنْ صَديقي لا قاضِيًا عَلَيَّ  

ولا مِرْآةً تَكْسِرُني إِذَا بَكَيْتُ  

كُنْ أَخًا اخْتَارَتْهُ الرُّوحُ اخْتِيارًا  

وكُنِ الوَعْدَ الَّذي لا يَخيبُ إِنْ وَفَيْتَ  


وإِذَا جَاءَ يَوْمٌ وافْتَرَقْنا  

فَلْيَبْقَ بَيْنَنا وُدٌّ لا يَموتُ  

كُنْ صَديقي... فَما لِلحَياةِ طَعْمٌ  

بِغَيْرِ قَلْبٍ إِلَيْكَ يَسْكُنُ ويَحوتُ  


بِقَلَمِي: الأَديبةُ عَايِدَةُ صَالِحُ عَرِيبي

خصومة قلبي بقلم الراقي أدهم النمريني

 خُصومة قلبي


"خاصَمتُ قَلبي في هَواكَ لأنّهُ

يَسعى لنَصرِكَ ظالِمًا مَظلوما"


أسقيتَهُ لَبنَ الهَوى، حتى غَدا

يَبكي على صَدرِ الأسى مَفطوما


ونسيتَهُ كيما يكونَ مَغَرَّبـًا

ويعيشَ في كَنفِ البعادِ يَتيما


وتَركتَهُ للحالِكاتِ تَذَرُّهُ

كُحلاً، ليَبقى بالسُّهادِ مُقيما


يَجثو على جذعِ الهُيامِ مُقيَّدًا

يبكي بدمعٍ للوفاءِ سَقيما


إنْ كانَ تُغريهِ الطُّيوفُ بِلَيلةٍ

لم يَلقَ إلا المُوحِشاتِ نَديما


تَرتادُ ذِكرى في المَرايا عَينُهُ

فيَعودُ في زَيفِ الرُّؤى مَهزوما


قَد كانَ يَزرعُ للغَرامِ وُرودَهُ

ما الذَّنبُ إنْ حَصَدَتْ يَداهُ هَشيما؟


أدهم النمريني.

أغلال الشوق بقلم الراقية مريم بارة

 أغلال الشوق


ليست كل القيود تُرى...

فبعضها ينسجه الحنين، وتحكمه الذكريات، وتغلقه الأمنيات التي انهارت، وبقي خرابها يسكن الروح.


الشوق أغلالٌ لا تصدأ...

كلما حاولنا كسرها، أعادت إحكام نفسها بتفاصيل صغيرة، لكنها أقوى من أن يمحوها الزمن.


لم يُنسنا الزمن، ولم يحررنا...

بل علّمنا كيف نتعايش مع تلك الأغلال؛ لأنه لم يجد مفاتيح أقفالها.


فمضينا نبتسم...

بينما نجرّ خلفنا سلاسل مثقلة لا يراها أحد، ونخفي خلف هدوئنا ضجيجًا أبكم.


ليست الحرية دومًا أن تنجو من القيود...

بل أن تتعلم كيف تعيش، مُكبَّلًا بأغلالٍ لا يملك مفاتيحها سواك. 

بقلم : مريم بارة

كبرياء امرأة بقلم الراقي محمد ابراهيم ابراهيم

 ** كبرياء امرأة **

أنا امرأة..  

غير كل النساء....

لاتطلب مني أن أكون هادئة...

كي يرضى عني رجل...

أو تسكن ريح غضبه

في حنجرتي...

كبريائي ليس غرورا في المرايا

بل حجر أثقل من جبل

وضفة نهرلاتعبره الخيول

كبريائي أن أكون أنا

لاكما يريده العاشق

علمتني الحياه أن لا أبيع ظلي

ولو عرضوا علي عروش الملوك

وأن لا أنحني..

كي ألتقط وردة

سقطت من يد رجل

علمتني الحياه...

أن المرأة التي تنسى كبرياءها

كالنافذة المغلقة

في غرفة بلا روح

................

في زمن..

تصير فيه النساء

مرايا للرجال

أما أنا

كالمرآة المكسورة...

أجرح من يمسكني

لاتطلب مني أن أكون

كقصائد الحب القديمة

حنونة كالغيم...

طيعة كالماء

صبورة كالأرض

فأنا البرق الذي لا يمسك

والنار التي تحترق

كي تضيء طريقها وحدها

كبريائي أن أمشي في الزحام وحدي

كالنحلة لاتخاف من ظلها الطويل

عند الغروب

وأخيراً....

حين تسألني الريح...

ألم تتعبي من الوقوف وحدك...

أقول...

لست وحدي...

فالسماء معي

والأرض تحمل خطوي

كبريائي ليس حربا

بل سلامي الذي لا يشترى

بكل خواتم الذهب

فامض أيها الرجل حيث تشاء

فأنا هنا شامخة للأبد

لا أنتظر عودة..

ولا أخاف رحيلا..

أنا المرأة التي صنعت

من كبريائها وطنا....

.......................

بقلم الشاعر

محمد ابراهيم ابراهيم

سوريا

واو الوقواق بقلم الراقي كاظم احمد احمد

 واو الوقواق


ولجت دروب الأمس البعيد أتبصر

صدى ضحكاتِ روادِها قد انحسر

تسرب بعيدا بُعيدَ قطع جذوع الشجر 

ترمدتِ حروف العشق على السيقان

تبعثر العشاق بين مهاجر و مفارق

بين باكٍ على أطلالٍ و منكسر

سمعت نداءات طالبت بالعَوُدِ

لأيام قبل العشق كي تتغيّر

تساءلت ماذا حلَّ بأوعية القلوب؟

ما لها بَدَّلتِ البضائع و الهوى!!!

بعد ما تراءى لها الجمال والمتربعا

تَراها رمتِ الأكباد من أعشاشها!!

استفردت القوت وما تبقى للغوى

فَاتتهُ مدارس الزمان و ما تعلّمَ

شرب من نبع الحماقة و بقي المنهل

دعه گحمالة الحطب يتعثرُ

من درج الى درك يتدحرجُ


كاظم احمد احمد-سورية

إني أحب بقلم الراقية فريدة الجوهري

 من كتاباتي القديمة .قيد الطبع


إني أحب


يا كلّ النوتات المعزوفة في عينيكِ

ياكلّ اللوحات المنحوتة من شفتيكِ

يا كلّ تقاسيم الأرض

ياثورة أنثى تنتقلُ

حافيةً

فوق عروش النبض

حبّكِ حار

مثل بلادٍ أفريقية

مثل طقوسٍ رومانية

مثل صيحات همجية 

يدفعُني وسْطَ الإعصار

حبُّكِ محتلٌّ جبار

يحتلُّ جميع شراييني

يملكني

من غير قرار

وأنا بحّارٌ شرقيٌّ

أهوى تجديف الأخطار

تلهِبُني شمسُ الأحلامِ

تُنهكُني كفُّ الأقدار

أبحث عن أرضٍ تحميني

تكفيني برداً ودوار

وحبّك يا ساحرة العينين 

يحملٍ آلاف الأسرار

حبُّكِ بركان

أتمدد فيهِ أنصهرُ

حدّالذوبان

حبّك أفيونٌ إدمان

أجنونٌ هذا سيّدتي

أم هذيان.

ماهذا الشوقُ المتوثِّبُ في ذاتي للحب

ما هذا العطشُ الأبديُّ

في شريان القلب

سيدتي 

إنّي أحِبُ أحبُّ أحِبْ.


فريدة الجوهري لبنان

أحلام وآمال بقلم الراقي السيد الخشين

 أحلام وآمال 


قلت سأحلم لأنسى  

فعساني أن أرى نفسي 

في نعيم يغمر وجداني 

فأحلامي في منامي 

جميلة بكل المعاني 

وأنا بكل إصراري

أتوق إلى الوصول إلى آمالي 

كنت بين الحقيقة والخيال 

إنسان يمد يده ليشرب 

ماء الحياة من قطرات الندى 

لأرتوي من عطشي 

وقد أرهقني لهيب شمسي 

وأنا أترقب يومي  

لأرى صورتي فوق الماء 

تسبح في خيال المنى 

وأنسى العناء 

وأرمي أحلامي ورائي 

وأعانق قدري المحتوم

ولا أنتظر ليلي وأحلامي


       السيد الخشين 

       القيروان تونس

الجمعة، 10 يوليو 2026

حين بكى البيت بقلم الراقي ناصر صالح أبو عمر

 حينَ بكى البيتُ وبقيَ الوطن


دخلوا الديارَ فمزَّقوا أحلامَنا

وترَكْنَ في أرجائها آثارِ


عبثوا ببيتِ العمرِ وهوَ حكايةٌ

فيه الطفولةُ والهوى وتَذكارِ


ما كانَ بيتُ العُمرِ جُدرانًا لنا

بل كانَ دفءَ الروحِ والأستارِ


وساقَني ظلمُ الليالي مع إخوتي

نحوَ القيودِ ومُرِّ ذاكَ حصارِ


حتى رجعتُ إلى الديارِ فوجدتُها

تبكي بقايا الأمنِ في الدارِ


ورأيتُ أطفالي ودمعُ عيونِهمْ

يحكي الأسى في صمتِ ليلٍ عارِ


وزوجتي تخفي جراحَ مصابِها

وتصونُ صبرَ القلبِ بالإيثارِ


فرفعتُ كفّي للسماءِ مناجيًا

يا ربَّ أنتَ ملاذُنا في العُسارِ


ما خنتُ عهدَ الأرضِ يومًا إنَّني

أبقى وفيًّا للعهودِ الكبارِ


فالجرحُ مهما طالَ لا يُطفئُ لنا

نورَ الكرامةِ في دجى الإعصارِ


فلسطينُ يا نبضَ الحياةِ وحلمَنا

يا قصةً خُلِدتْ على الأحجارِ


في القدسِ يبقى الحقُّ يرفعُ رايةً

فوقَ المدى رغمَ الأسى والحصارِ


كم أظهروا وجهَ الوفاءِ وإنَّما

خبَّأوا وراءَ القولِ وجهَ الغدارِ


لكنَّ شعبَ الأرضِ صخرٌ ثابتٌ

يمضي بعزمِ اللهِ والإصرارِ


لا ينحني حرٌّ أمامَ مصيبةٍ

ما دامَ يحملُ رايةَ الأحرارِ


تبقى حكاياتُ البيوتِ شهادةً

تحكي صمودَ الروحِ للأعمارِ


والدمعُ إن نزلَ من عيونِنا

صارَ القصيدَ ومنبعَ الأشعارِ


يا ربَّ فاجعلْ بعدَ ليلِ محنةٍ

فجرًا يضيءُ لنا طريقَ نهارِ


سيظلُّ صوتُ الحقِّ فوقَ سمائنا

ويعودُ فجرُ العزِّ بعدَ دمارِ


ما ضاعَ حقٌّ خلفَهُ قلبٌ أبيٌّ

يمضي بعزمِ اللهِ نحوَ انتصارِ


بقلم: ناصر صالح أبو عمر

11 / 07 / 2026

عطاء غير مشروط بقلم الراقية جود احمد

 عطاءٌ غير مشروط ..

 هكذا هو الحب..

 غيثٌ لم ينتظر شكر الأرض حينما نبت العشب ونضج الثمر، فداست أولى خطواتهم أرحام النساء، فأنجبت الرجال من مخاض الألم.

 وحدهم الآباء قديماً تركوا الأثر وكانوا حديث الأمم، صلاة الأنبياء ودعاء الأمهات في مهد الصغر، ومن قداسة السماء تجد العبر، فتحت أقدام الأم جنةٌ ونهر.

ولم يتعلم من لم يذق طعم الألم ..

 فأي حبٍ هذا لم يخلو من الألم؟ فهذا نبي الله يعقوب حينما فقد البصر، وأيوب النبي عندما صبر، ومريم البتول تحت الشجر وحدها واجهت البشر وطفلها في المهد قد نطق. ومن عرف الله علم رسالة القدر ..

 حب الوطن والحجر، وقدر القلم والعلم برفع الخبر، فمفتاح الجنة توحيد وعمل، وخير القلوب ما لان وسلِم وزين لسانه بالذكر.

عطاءٌ غير مشروط..

 رسالة الحب في ملكوت الخالق تلقفتها أيادي ملائكية الحضور، واحتضنتها صدور التقوى، وترجمتها عقول الحكمة.

بقلم:

 جود أحمد

إرهاب الكلمة بقلم الراقي د.أحمد سلامة

 إرهاب الكلمة


بقلم أ.د.أحمد سلامة 

مؤسس مشروع أدبيات الرياضيات


الكلمة ليست مجرد حروف تُنطق أو تُكتب، بل هي رصاصة قد تخترق صدر إنسان، أو بلسم يحيي قلباً ذابلًا. في زمنٍ صار فيه الصوت أعلى من العقل، والجدل أقوى من الحكمة، تحولت الكلمة إلى سلاحٍ يُمارَس به الإرهاب، لا على الجسد، بل على الروح والفكر والكرامة.

إرهاب الكلمة يبدأ حين تُستخدم الكلمات لتشويه، لتدمير، لتزييف الحقائق، ولاغتيال العقول. كلمة واحدة قد تُسقط عالمًا من مكانته، أو تُحطم إنسانًا في أعين الناس، أو تُحوّل البريء إلى مذنب.

لكن في المقابل، الكلمة الطيبة هي رصاصة نور، تستقر في صدر الظالم فتُربكه، وتضيء في قلب المظلوم فتُحييه. هي رسالة أقوى من الرصاص، لأنها لا تقتل الجسد، بل تُحيي الضمير.

إن أخطر ما في الكلمة أنها لا تُمحى بسهولة، فهي تُسجَّل في ذاكرة الناس، وتبقى في التاريخ، وتُعيد تشكيل صورة الإنسان والمجتمع. لذلك، من يطلق كلمة بلا وعي، كمن يطلق رصاصة في الظلام، لا يعرف أين ستستقر ولا من ستصيب.

نحن اليوم أمام معركة ليست بالسيوف ولا بالبندقية، بل بالكلمة. من يملك الكلمة يملك القدرة على البناء أو الهدم، على الإحياء أو القتل، على نشر الرحمة أو بث الكراهية.


فلنحذر من إرهاب الكلمة، لأنه أخطر من إرهاب السلاح. ولنؤمن أن الكلمة الطيبة هي أعظم مقاومة، وأقوى ثورة، وأجمل هدية يمكن أن يقدمها الإنسان لأخيه الإنسان.

أقلام لا تجف بقلم الراقي حسين عبدالله الراشد

 أقلام لا تجف


المداد الثالث: ابن زيدون


من ذاكرة الأندلس


القلم الذي كتب الأندلس بمداد الخلود


ليست الحضارات بما تشيده من حجارة، بل بما تخلده من كلمات.


فالقصور قد تهدمها السنون، والمدن قد تبدل أسماءها، والدول قد تغيب عن الخرائط، أما الكلمة الصادقة فإنها تمضي من جيل إلى جيل، كأن صاحبها لم يغب يومًا. ولهذا بقيت الأندلس حية في الذاكرة؛ لا لأن أنهارها ما زالت تجري، ولا لأن قصورها ما زالت عامرة، بل لأن شعراءها أودعوا أرواحهم في قصائدهم، فإذا غابوا بقيت أرواحهم تنبض بين السطور.


وفي تلك الأرض التي جعلت من الأدب وجهًا آخر للحضارة، ولد قلم اختزل عصرًا كاملًا في مداده، حتى غدا اسمه مرآة للأندلس، وغدت الأندلس مرآة لاسمه.


إنه أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون، أمير شعراء الأندلس، وصاحب الوزارتين، وأحد أعظم من أنجبتهم العربية، جمع بين سحر الشعر، وروعة النثر، وحكمة السياسة.


نشأ في الرصافة بقرطبة، في بيت عرف بالعلم والقضاء والوجاهة، فتتلمذ على كبار علماء عصره، ونهل من العربية وآدابها، وكانت الطبيعة الأندلسية أول معلم للجمال في وجدانه؛ فالبساتين، والجداول، والنسائم، والسماء الصافية، صارت في شعره كائنًا حيًا؛ يبتسم إذا ابتسم، ويحزن إذا حزن، ويبوح بما يعجز القلب عن قوله. لذلك لم تكن الطبيعة عنده منظرًا يوصف، بل روحًا تتكلم، وقلبًا يخفق بين الأبيات.


ولم يكن ابن زيدون شاعرًا يعتزل الحياة، بل كان من أولئك الذين جمعوا بين هيبة رجل الدولة، ورهافة الشاعر، وبلاغة الكاتب. تقلد الوزارة، وقاد السفارات، وأسهم في صناعة القرار، حتى لقب بـ صاحب الوزارتين، فأثبت أن القلم قد يشارك في صناعة الدولة، لكنه وحده يملك صناعة الخلود. ثم جاءت الوشاية، وأعقبها السجن، فعرف تقلّب الأيام، لكنه خرج من المحنة بقلم أكثر صفاء، وروح أكثر عمقًا، وإحساس أكثر قربًا من الإنسان.


ويربط كثيرون اسم ابن زيدون بولادة بنت المستكفي، وهي أشهر قصة حب في الأدب الأندلسي، لكن ولادة لم تصنع ابن زيدون، بل كشفت للعالم شاعرًا كان عظيمًا قبل الحب، وبقي عظيمًا بعده. ولهذا لم يخلده العشق، بل خلدته الموهبة التي جعلت الدكتور شوقي ضيف يصفه بأنه أعظم شاعر وجداني ظهر في الأندلس.


امتاز شعره بعذوبة الموسيقى، وصفاء اللفظ، ورقة الإحساس، وجمال الصورة، حتى بدا وكأنه لا ينظم القصيدة، بل يسكبها من قلبه. ولم يقتصر عطاؤه على الغزل، بل أجاد الوصف، والمديح، والفخر، والرثاء، فجاء ديوانه مرآة للأندلس في جمالها، وللإنسان في ضعفه وقوته، وفي فرحه وألمه.


وتبقى النونية تاج شعره، وإحدى روائع الأدب العربي الخالدة، حتى سميت بـ اليتيمة، ويقول في مطلعها:


> أضحى التنائي بديلاً من تدانينا

وناب عن طيب لقيانا تجافينا


ولعل النونية لم تخلد لأنها رثت حبًا ضائعًا، بل لأنها منحت الفراق لغة بقيت تتكلم بلسان العاشقين إلى اليوم. لقد خرجت من حدود التجربة الشخصية إلى رحابة التجربة الإنسانية، فأصبحت كلما قرئت، شعر القارئ أنها تحكي شيئًا من حياته هو، لا من حياة صاحبها وحده.


ومن بدائعه أيضًا قصيدته الخالدة:


> إني ذكرتك بالزهراء مشتاقًا

والأفق طلق ومرأى الأرض قد راقا


وفيها يبلغ الفن الأندلسي ذروة جماله؛ فلا يعود المكان إطارًا للقصيدة، بل يصبح أحد أبطالها. فالزهراء في قصيدته ليست مكانًا، بل ذاكرة تمشي، وحنينًا يزهر كلما قرئت الأبيات، حتى تبدو الطبيعة كلها مشاركة للقلب في شوقه ووجدانه.


ولم يقف ابن زيدون عند حدود الشعر، بل كان من كبار كتاب العربية، حتى عدت رسالته الجدية، التي كتبها من سجنه مستعطفًا ابن جهور، من أبلغ نماذج النثر الفني، بما فيها من قوة الحجة، وسمو العبارة، وصدق الشعور. كما جاءت رسالته الهزلية تحفة أدبية نادرة، كتبها بلسان ولادة بنت المستكفي ساخرًا من منافسه ابن عبدوس، فكشفت عن عقل لامع، ولسان يملك البيان كما يملك الشاعر الوزن.


وهكذا لم يكن ابن زيدون شاعر حب فحسب، ولا وزير دولة فحسب، بل كان واحدًا من أولئك الذين منحوا العربية عمرًا جديدًا. كتب قصائده، فإذا بها تعيش بعده قرونًا، وكتب رسائله، فإذا بها تصبح من عيون النثر العربي، وكتب وجدانه، فإذا به يتحول إلى وجدان أمة.


لم يكن ابن زيدون يكتب القصيدة لتعيش أيامه، بل كان يكتبها لتعيش أيامنا.


رحل ابن زيدون، وغابت قرطبة التي أحبها، وسكنت قصور الأندلس صمت القرون، لكن قصائده لم تعرف الرحيل.


فبعض الشعراء يكتبون القصائد... أما ابن زيدون، فقد جعل الأندلس قصيدة لا تنتهي، وجعل من الكلمة وطنًا لا يسقط.


وهكذا تمضي «أقلام لا تجف» في رحلة الوفاء لأعلام الأمة، لا لتستحضر أسماءهم، بل لتعيد إلى أقلامهم نبضها، وتؤكد أن الأدب الصادق لا يورث الكلمات وحدها، بل يورث الذاكرة والخلود.


د. حسين عبدالله الراشد