الاثنين، 29 يونيو 2026

تقديم. اللوحة الهندسية للديوان بقلم الراقي د أحمد سلامة

 تقديم اللوحة الهندسية للديوان (قراءة في مخطط معادلات النور)


بقلم أحمد سلامة


لا يقف البيان الشعري في هذا الديوان عند حدود الكلمة المنطوقة، بل يتجسد رؤية عينية تتراءى فيها الأفكار كما تتراءى الأشكال في الفضاء الهندسي. وإن ما نراه في لوحة المخطط البصري ليس مجرد تلخيص هيكلي، بل هو "الخريطة الجينية" لمشروع الرياضيات الأدبية الذي نسعى لتأسيسه.


تفصح هذه اللوحة البصرية عن بناء الديوان بمنطق "خوارزمي" صارم يبدأ من العلة ليصل إلى المعلول؛ فيتقاطع فيها محور الديوان الفلسفي مع هدفه الشعري الأسمى، ليثمرا معاً فكرة تقوم على تحويل جفاف المفاهيم الرياضية إلى سيولة تعبيرية تشحن الوعي وتثير الروح.


ومن هنا، تتفرع قصائد الديوان الرئيسية كمحاور إحداثية ناطقة:


من معادلة الذكرى التي تئن كخيط في صمت الزمن،


إلى مقام الوجود الأعلى بين الصفر واللانهاية،


ومروراً بخوارزمية الصدق التي تهتك ستر الأقنعة،


ثم الانعتاق نحو ثوابت الروح التي تعلو فوق قياس الأبعاد،


وصولاً إلى ضبط القول بميزان الفؤاد، وانتهاءً بحروف تنبض بالحياة وتفيض حركة وجمالاً.


إن هذا المخطط البصري هو البرهان العلمي العملي على أن معادلات النور ليست أرقاماً صماء تحسب، بل هي مسارات ضياء تبصر خلالها النفس دروب الحقيقة والمصير، صيغت بتوازن بديع بين عقل العالم وقلب الشاعر.

سوسنة دربي بقلم الراقي محمد بن علي الزارعي

 سوسنة دربي 


سوسنتي سر سمفونيتي 

معجمي

 حين يختنق صوتي 

وحين  

يجف الحبر من حنجرتي 

و

 يجتاح الجفاف كل انتماءاتي 

تضمني

 كي لا أبقى مبعثرا بين المسارات 

هرم 

حين تغيب الشمس،خلف الأكاذيب

ترفعني

 كي. أتنفس وأكتشف كل الأسرار 

والأساليب 

زهرة 

من طبيعة تختلف عن طبيعتنا 

تشتت كل التفاهات التي تحيط بي 

تزرعني من جديد بين أوراقها 

كي أحلم بين ألوانها 

بعالم جديد لا أرى فيه 

إلا جمال سوسنتي 

أنام طفلا كي أصحو رجلا 

على تراقيمها 

أردد لحنا مختلفا من عذوبتها 

فتتمايل الأمنيات بين ذراعيها

صبحا جديدا على أنغام المطر 

لنجلس خلف قهوتينا 

بابتسامة العاشقين 

يجمعنا الحب وصدفة القدر 

  

الاستاذ محمد بن علي زارعي

دعك من هذا الزمان بقلم الراقية جود احمد

 دعك من هذا الزمان ..

ودع الأنساب 

وضع علامة استفهام 

حول حروف اسمك 

وتبرأ من كل ارتجافة

حول خاصرة القلب

تجرد من جُنح الوحدة

واتجه نحو مداري 

تعال بكل اثقالك 

دعك ممن حرك بوصلة 

الأزمان 

وغير تضاريس العنوان 

وعبث في رسائل الحمام 

يوم كان الطابع خير عيان

مُثبت بريق الشوق للأحباب 

فهذا زمانهم ليس زماننا 

حكايتهم اختبأت بين

طيات الأرض احتضنتها

 الوانا 

تعال لاتنتظر ساعي البريد

فقد مات منذُ أزمان 

لكني اؤمن بوجود الوحي 

يوم كان نزوله أمان 

فإني أعلم أن النبض 

إن سخرته كان كما الأوطان

وإن الأذرع

 إن فُتحت

ضمتك وكانت الحنان

فالقِي برأسك هاهنا

أيسر صدري 

عله يطمئن الوجع 

جود احمد

الاصايل 

دعك من هذا الزمان

المقعد الذي لم يجلس عليه أحد بقلم الراقية عبير ال عبد الله

 المقعد الذي لم يجلس عليه أحد


كنتُ كلَّ يوم أذهب إلى المتنزّه لأتأمل، وأسكن إلى صمتي قليلًا.

كنتُ دائمًا أجلس على مقعدٍ اعتدتُ الجلوس عليه.

وكان أمامي مقعدٌ، وبقربه شجرة.

لم أرَ أحدًا يجلس عليه، رغم كثرة الناس.

حتى الشجرة كانت تُظلِّله، كأنها تخاف عليه.

وفي أحد الأيام، جاءت امرأةٌ عجوز وجلست بقربي، وهي تنظر إلى ذلك المقعد.

ظلّت صامتةً لساعات، ثم ذرفت دمعةً ونهضت ورحلت.

فصرتُ أفكر: ما الحكاية؟

ذهبتُ في اليوم التالي لأراها وأكلمها.

وحين جاءت، جلست في المكان نفسه.

اقتربتُ منها وسألتها:

"ما حكاية هذا المقعد؟"

نظرت إليّ وقالت:

"أتحب يا ولدي؟"

أخبرتُها أن الحب غير موجود في زمننا.

ابتسمت بحزن، وقالت:

"إذن لن تفهم حكاية هذا المقعد."

فرجوتها أن تشرح لي.

تنهدت طويلا، ثم قالت:

"كنا شابين يملؤنا النشاط والحلم.

كنا عندما نرى بعضنا، نترك عيوننا تتكلم، فبعض الحروف لا تجيد الشوق.

كانت هذه أرضه.

أراد أن يبني بيتا هنا.

وهذه الشجرة أنا من زرعتها، وهو من أحضر هذا المقعد.

كان يتخيّل أننا سنجلس هنا، نراقب أولادنا وهم يركضون بين الأشجار."

ثم أشارت إلى الأشجار، وقالت:

"كان كريمًا، يحب أرضه.

انظر إلى تلك الأشجار... كانت تُشبع القرية كلها.

وذلك النهر... أتراه كيف أصبح الآن راكدًا؟

كان البط يسبح فيه، وكانت الزهور على ضفافه، وكان يروي الظمأ، وتزهو المزارع به.

لم يكن ينقصنا شيء...

حتى جاء الطامعون.

قتلوا صغيري في البداية.

أغروه بالحرية، ثم جعلوا أهل القرية تثور ثائرتهم، وقالوا لهم إن زوجي يستفيد من النهر وحده.

ونسوا كيف كان يجمعهم.

غيّروا مجرى النهر، فصار خيره لغيرهم.

وماتت الأشجار، ولم تعد تُثمر.

جمعهم يوما، وجلس على هذا المقعد.

أخبرهم أنه أحبهم كما أحب أرضه، وأنه لم يبخل عليهم يوما بخيرٍ أو ماء، وأن الأرض تتسع للجميع إذا اجتمعت القلوب، ولا تتسع لأحد إذا تفرّقت.

وقال لهم:

"لقد خسرتم كل شيء حين طاوعتم أوهام الحرية، وصدقتم من جاء يزرع بينكم الشك والفرقة."

وقبل أن يُكمل كلامه...

جاءته رصاصة غادرة.

سقط جالسا على مقعده.

وتناثرت دماؤه عليه.

وارتوت تلك الشجرة من دمه.

هرب الجميع...

وصاروا يصرخون:

"بأيدينا اغتلنا أنفسنا."

ساد الصمت.

لم تنطق العجوز بكلمة.

كانت تنظر إلى المقعد، وكأنها ترى ذلك اليوم أمامها.

ربّتت على كتفي، وقالت:

"يا بني... الحب يبني ولا يهدم. لكن حين تفرّقت القلوب، مات من كان يحب. ومنذ ذلك اليوم، لم يجلس على هذا المقعد أحد.

أجيء إليه كل يوم، لا أنتظر عودة من رحل، فالموت لا يعيد أحدا... وإنما أنتظر قلبا يعرف معنى الحب، فيرمّم ما أسقطته رصاصة، وما هدمته الكراهية."

ثم نظرت إليّ بعينين أثقلهما العمر، وقالت:

"والآن يا ولدي... هل عرفت كيف تُحب؟"

نهضت ببطء، وسارت حتى غابت بين الأشجار.

بقيت وحدي...

نظرتُ إلى المقعد طويلًا.

لأول مرة، لم أرَه قطعةً من الخشب، بل رأيتُ وطنا ما زال ينتظر أبناءه، وشجرةً تحفظ عهدا، ودمًا لم يجفّ بعد في ذاكرة الأرض.

هممتُ أن أجلس...

ثم تراجعت.

شعرتُ أن الجلوس عليه لا يستحقه إلا من يعرف أن الحب ليس كلمة تُقال، بل عهدٌ يُوفى به، وأن الأرض لا يحرسها السلاح وحده، بل القلوب التي لا تبيعها الأوهام.

ومضيت...

وأنا أعلم أن بعض المقاعد لا تنتظر الجالسين...

بل تنتظر من يستحق الجلوس عليها.


بقلمي عبير ال عبد الله 🇮🇶

٣٠ يونيو إرادة وطن بقلم الراقية د.عزة سند

 ٣٠ يونيو

إرادة وطن 

وملحمة شعب 

بقلم د٠ عزه سند 

لم يكن يومًا عابرًا.

بل كان موعدًا مع الوطن.

خرج الشعب ليقول كلمته.

فكانت الكلمة أقوى من الخوف.

عاد الوطن إلى أبنائه.

وعادت الدولة إلى طريقها.

كانت إرادة شعب.

وحكمة قيادة.

ويقظة جيش وطني.

اجتمعت القلوب.

فانتصر الانتماء.

وانحسر التيه.

في الثلاثين من يونيو،

اختار المصريون

 الحفاظ على هويتهم،

وصون تاريخهم،

وحماية دولتهم.

سيظل هذا اليوم

شاهدًا على أن الأوطان تبقى

ما بقي أبناؤها أوفياء لها.

تحيا مصر... وطنًا عزيزًا،

 وتاريخًا مجيدًا،

 ومستقبلًا يليق بأبنائها. 

بقلم د٠ عزه سند

جدائل الحياة بقلم الراقية مروة الوكيل

 ### *جدائل الحياة*  

*للشاعرة: مروة الوكيل*  

*29 يونيو 2026 - 42 سطر*


أَقْسَمْتُ أَنِّي عَاشِقَةْ  

لِبُزُوغِ فَجْرٍ مُرَابِطْ  

بِصَوْتِهِ وَابْتِهَالَاتِهِ  

مِدَادَ يَدٍ  

تَحْمِلُ العَنَاءْ


دُعَائِي جَلَّ بِنُورِهِ  

وَعَلَا... كَعَظَمَةِ السَّمَاءْ


يَا مَنْ عَلَّمْتَنِي كَيْفَ  

تَرُومُ الضَّحِكَةُ  

عِظَامَ الذِّكْرَيَاتْ


لَهْفُ نَفْسِي يُثْنِينِي  

عَنْ رَحَى الآمَالْ


يَا بُشْرَى طَلَّتْ  

مِنْ جَوْفِ الأَحْزَانْ


مَرَّ الشَّوْقُ زَاحِفًا  

فَوْقَ مُتُونِ العِتَابْ  

حَتَّى بَلَغَ شُرْفَةَ القَلْبْ  

فَاسْتَيْقَظَتِ البَسْمَةُ  

مِنْ ثَبَاتِهَا العَمِيقْ


فَاسْتَنْشَقْتُ قُرْبَ النَّجَاةْ  

فَصَفَوْتُ... وَعَلَوْتُ  

وَاسْتَعَدْتُ أَلِفِي وَعُلْيَائِي


تَأَمَّلْنِي الآنْ  

عَادَ لِيَفُضَّ الصَّبْرْ  

فِي بَكَارَةِ الفَجْرْ


وَيُزِيحُ الغَمَامَ عَنْ  

بَقَايَا الرُّكَامِ رَمَّمْتُ  

وَعَادَ يَنْبَعِثُ مِنْهَا  

الأَضْوَاءْ

سعيت أكثر من سبع

طوافات ونسيت ان 

النور ينبعث من تحت

الركام

ذَاكَ شِبْلٌ تُهَذِّبُهُ  

أَظَافِرُ الأَيَّام


وَهُنَاكَ زَرْعٌ يُرْجَى  

حَصَادُهُ  

أَخْشَى أَنْ تَلْفَحَهُ  

لَهِيبُ النِّيرَانْ


وَالرُّوحُ تَظَلُّ سَاكِنَةْ  

أَمَامَ قَمَرٍ يُنِيرُ السَّمَاءْ


مُتَفَرِّدَةٌ أَنَا بِأَحْزَانِي  

مُتَفَرِّدَةٌ أَنَا بِأَشْوَاقِي  

هَذَا أَنَا وَأَمَانَتِي  

وَمَوْعِدُ حَصَادِي


حَدِّقِي يَا مِرْآتِي  

عَلَى تِلْكَ التَّفَاصِيلْ  

وَلَا تُوَسِّعِي النَّظَرْ  

فِيمَا لَا تُطِيقِينَهْ


يَأْبَى القَلْبُ أَنْ يَكُونَ خَاوِيًا  

كَمَا يَأْبَى أَنْ يَحْمِلَ مَا لَا يَثْنِيهْ


قَانُونًا إِلَهِيًّا  

وُضِعَ فِينَا لَيْسَ بِأَيْدِي  

البَشَرِ فَتَغْوِينَا

ولا بإيدي الزمان فيطوينا


لَا شَيْءَ جَدِيرٌ بِالرُّؤَى  

سِوَى هَمَسَاتٍ تُجَدِّلُ  

الرَّنِينَ فِي خُصَلَاتِ  

الحَيَاةْ


--

الشمس أمل بقلم الراقية سعاد. الطحان

 ...الشمس أمل

................

...بقلمي..سعاد الطحان

....مشرف ومساهم ممتاز

....................

...ترى هل جفت أحباري؟

....فما عدت أكتب أشعاري

....انقطعت عني أخباري

....وتاهت مني أسراري

.......................

..قادتني خطاي..إلى شاطئ حزين

....وتقاذفتني الأمواج

...وألقت بي في موقع دفين

....وترامى.لسمعي نداء يونس

....لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين

..........................

...وأعادتني الأمواج إلى الشاطئ الحزين

......وسألت نفسي..

....هل ستنبت لي الأرض شجرة اليقطين ؟

.........................

...ومن عيوني انهمرت دموع اليأس

....ويمتد بصري لأشاهد شروق الشمس

...لشمس أمل

...ا لشمس عمل

...سأعود لأكتب أشعاري

...وعن شمسي..لن أخفي أسراري

...فهي المرآة لأقداري

....سعاد الطحان..

عودة المنتصف بقلم الراقية مديحة ضبع خالد

 عودةُ المنتصف

✍️ الشاعرة الحرة 🎀مديحة ضبع خالد🎀

عُدتُ وفي عينيَّ إشراقُ المُنى

وبقلبيَ المشتاقِ يزهو المَفخَرُ

طُفتُ الحياةَ وتأملتُ المدى

حتى تبيَّنَ لي الصوابُ الأنوَرُ

ما عدتُ أركضُ خلفَ وَهمٍ خادعٍ

فالوعيُ بعدَ تجاربي يتبصَّرُ

وعرفتُ أنَّ الصبرَ بابُ كرامةٍ

وبه على وجهِ الشدائدِ نعبُرُ

بينَ التشدُّدِ والتراخي وقفةٌ

فيها التوازنُ واليقينُ الأكبَرُ

هذي عودةُ المنتصفِ فمرحبًا

بدروبِ رشدٍ في الفؤادِ تُعَمَّرُ

لا إفراطَ يُرهقُ مهجتي في سيرِها

لا تفريطَ يُفني الجميلَ ويهدِرُ

إنَّ الحياةَ وإن تبدَّلَ وجهُها

فالنورُ بعدَ العتمةِ المتكاثِرُ

والجرحُ ليسَ نهايةً محتومةً

بل قد يكونُ إلى النهوضِ المعبرُ

فانهضْ إذا ما الريحُ بعثرتِ الخُطا

فالعزمُ في قلبِ الأبيِّ مُؤثِّرُ

وامضِ الجميلَ كما بدأتَ مكرَّمًا

فالخيرُ

 يبقى، والأصيلُ يُذكَرُ

ميلادها رسالة شاعر بقلم الراقي أحد بالو

 ميلادها رسالة شاعر    

طاف بين الكواكب عاشقا 

هي البلابل تحتفي تبحث عن سنبلة شرقية

 تخرج من صخب العواطف

تفترش الحدائق بالأريج 

وتقود سفينتي بالعطايا 

خذي مزامير الأشتياق

 وتجملي بحروفي قصيدة 

كما الأزاهير والياسمين

عادت الفراشات وقطر الندى

غنت فيروز للمساء

ومضينا ننثر الأشواق

نطوي صفحة الرجاء

للأماسي الجميلة

 قولوا لها ما سرها

ربيع القلوب والتسامح 

ما عمرها في الحب

فلتشهد شهرزاد معي

برعم عيوني أصيص شوقي

أكللها بوسام فجري

حسناء هواجسي المكتوبة

ميلادها ما زلت مشتاقا

لك خاتم سليمان وإسوارة نبضي

خذيني وتقاسمي جسدي

حوليني كشعاع دربك

ارسميه كوكبا يشدو

طفلا يحبو يسامرك فرحا

بستانا أعطيه ثمار الحب

زهرة روحي فاشهدي

زقزقة نبض شراييني

تفجر شاهدة أشعاري

ذاب جليد خيالي

هتفت قيثارة كلماتي

كل عام وأنت والشهباء أميرتي

أحمد محمدعلي بالو سورية

من سلسلة أزاهير العرب بقلم الراقي حسين عبدالله الراشد

 من سلسلة: أزاهير العرب


حين تكلم البستان


في رحاب واحة الأدب والأشعار الراقية، حيث تتعانق الكلمة الصادقة مع الفكر الأصيل، ويورق الحرف إبداعا، نفتح اليوم بابا إلى بستان جديد؛ بستان لا تذبل أزهاره، لأن جذوره تمتد في ذاكرة الأمة، وتسقيها اللغة، ويحييها الأدب، ويعطرها تاريخ ما زال نابضا في وجدان أبنائه.


قبل أن يكتب التاريخ أسماء العظماء، كانت اللغة تغرسهم بذورا في تراب الزمن.


وحين أشرقت شمس الحضارة العربية، لم تزهر الأرض سنابل فحسب، بل أزهرت حروفا، وأفكارا، وقلوبا، وعقولا، حتى بدا الزمن بستانا لا يعرف الخريف؛ كلما ذبلت فيه زهرة، أزهرت أخرى، وكلما غاب فيه صوت، ولد صدى جديد.


وفي هذا البستان لا نقطف زهرة لنضعها بين صفحات كتاب، بل نعيد إليها ماء الذاكرة، لتعود فتزهر في الأرواح، وتمنح الأجيال عبيرها من جديد.


وفي مساء هادئ... سمعت البستان يحدثني.


قال:


يسألني الزائرون في كل ربيع:


أي زهرة هي الأجمل؟

وأيها أبقى أثرا؟

وأيها أعذب عبيرا إذا مرت بها السنون؟


فأبتسم.


لأنهم ينظرون إلى الألوان، وأنا أنظر إلى الجذور.


وليست أجمل أزهاري تلك التي يأسرها البصر، بل تلك التي تستوطن القلب بعد أن يغادرها النظر.


وما إن فرغ البستان من حديثه، حتى أقبلت أولى أزهاره، يحيط بها وقار السنين، وقالت:


أنا الحكمة...


لا أقاس بعدد الكلمات، بل بعمق المعاني.


كلما تقدمت بي السنون ازددت بهاء، لأن الزمن لا يهرمني، بل يصقلني، ومن يصحبني يرى الطريق قبل أن يتعثر فيه.


وفي ظلي جلس لقمان الحكيم، وتألق الإمام علي بن أبي طالب ببلاغة العقل، وأجرى ابن المقفع معيني في كتبه، فبقيت نورا تهتدي به العقول، وجسرا تعبر عليه الأمم إلى رشدها.


ثم أشرقت زهرة أخرى، كأنها خيط من نور الفجر، وقالت:


أنا العلم...


كلما اقتطفني إنسان، نبتت في يد غيره.


لا أنقص بالعطاء، بل أزداد اتساعا، أبني الإنسان قبل البنيان، وأرفع الأوطان قبل الجدران، وأترك في العقول نورا لا تطفئه الليالي.


ومن رحيقي ارتوى الخليل بن أحمد، وأبصر ابن الهيثم نور الحقيقة، وداوى ابن سينا الأجساد بالعقل قبل الدواء، فكان العلم ميراثا تتناقله الأجيال، لا ملكا يحتكره أحد.


وهبت نسمة رقيقة، فاهتزت الأغصان، وانفرجت بينها زهرة تحمل إيقاعا يشبه نبض القلب، وقالت:


أنا الشعر...


أنا موسيقى الروح إذا ضاقت بها الأيام، ولسان الوجدان إذا عجزت عنه الحروف.


أحمل ذاكرة الأمم في بيت، وأرسم للحب والحزن والأمل صورا لا يطويها الزمن.


وعلى أغصاني أنشد امرؤ القيس مطالع القصيدة، وحلق المتنبي بكبريائه، وزين أحمد شوقي جبين الشعر، وما زلت أستقبل في كل عصر شاعرا يحمل إليّ ربيعا جديدا.


ثم خرجت من بين الأوراق زهرة هادئة، لا يلفت لونها الأبصار، لكن عبيرها يسبق حضورها، وقالت:


أنا الوفاء...


قد لا أبهر العيون، لكنني أسكن القلوب.


إذا أزهرت في إنسان، صار عهده ميثاقا، وصار حضوره طمأنينة، وصار غيابه ذكرا جميلا لا يغيب.


أنا الجسر الذي يصل القلوب، والصفة التي تحفظ الود، والقيمة التي تبقى حين يرحل كل شيء.


عندها ارتفعت أغصان البستان جميعها، وكأنها تنشد بصوت واحد:


ونحن...

الشجاعة...

والكرم...

والصدق...

والصبر...

والعدل...

والإبداع...

والرحمة...


قد تختلف ألواننا، لكن جذورنا واحدة، وسقينا من نبع واحد.


ابتسم البستان، ثم قال:


لهذا لم يكن العرب عظماء لأنهم قالوا الشعر وحده، ولا لأنهم دونوا الحكمة وحدها، ولا لأنهم حملوا العلم وحده...


بل لأنهم جمعوا بين جمال الكلمة، ونبل الخلق، وصدق الفكرة، وعظمة الرسالة.


ومن هنا تبدأ رحلتنا...


لن نفتش عن الأسماء المشهورة فحسب، بل عن كل زهرة تركت عبيرها في تاريخ هذه الأمة، وما زالت تنثر شذاها في حاضرها.


ففي كل لقاء سنقترب من زهرة، نصغي إلى حكايتها، ونستنشق عبيرها، ونحمل معنا بذرة منها، لعلها تجد في قلوبنا تربة صالحة، فتزهر من جديد.


ثم سكت البستان...


ولم يكن صمته نهاية الحديث، بل بداية الحكاية.


وقبل أن أغادر، همس إلي قائلا:


إذا مررت يوما بهذا البستان، فلا تسألني كم زهرة فيه... بل سل نفسك: أي زهرة حملت معك حين رحلت؟


فالأزهار لا تعيش في الحدائق وحدها...


بل تعيش في القلوب التي تعرف كيف تحفظ عبيرها.


وللحديث بقية... فما زالت في هذا البستان أزهار لم نقطف عبيرها بعد.


بقلم

د. حسين عبدالله الراشد

ندبة الخيال بقلم الراقية ندي عبدالله

 "" ندبة الخيال.. "" 


في مهبِّ الشوق،

ألتقط ما يتساقط منك

 في داخلي.


كلما أغمضتُ عيني،

نهضتَ من رماد الغياب؛

لا كما كنتَ،

بل كما نجوتَ في ذاكرةٍ

أعادت خياطتك على مقاس 

وجعي.


أمدُّ يدي...

فتعلق بأصابعي

خيوطُ ضوءٍ

انقطع عنه الصباح منذ أعوام.


أطاردك،

فيسبقني ظلك،

وأعود مثقلةً

برائحةٍ لا أعرف

أهي لك،

أم لما تبقّى منك فيَّ.


شيئاً فشيئاً،

صار الغياب أكثر شبهاً بك،

وصرتَ أنت

أقلَّ شبهاً بنفسك.


أنا الخيال الذي ضاق بصورته،

فمزّق مرآته،

ليترك في ذاكرتك

ندبةً

كلما لمستَها...

نزفتُ أنا.، 

"" "" "" "" "" ندي عبدالله

سيف اليقين بقلم الراقية نسرين بدر

 سيـف الـيـقـيــن

************الــــــكـامـــــــل

يَــــا أُمَّـــةَ الإِسْـــلَامِ قُــومُـوا لِـلْـغَـدِ

الــحَـرْبُ تُـنْـصَـبُ لِــلْـوَرَى بـالـمَـوْقِدِ


تَـتَـفَـتَّحُ الآفَـــاقُ عَـــنْ لَــيْـلٍ دَجَــى

كَـالْـبَـحْـرِ هَــــاجَ بِـمَـوْجِـهِ الْـمُـتَـمَرِّدِ


سُــورُ الـخُطُوبِ عَـلَى الـدِّيَارِ مُـشَيَّدٌ

كَـالـسَّـيْفِ مَـشْـهُـورًا بِـكَـفِّ الأَصْـيَـدِ


أَرْضٌ تُـــنَــادِي وَالـــثَّــرَى مُــتَـلَـهِّـفٌ

لِـخُـطَى الـعُـلا فِــي مَـوْكِبٍ مُـتَجَدِّدِ


الأُسْـــــدُ صَــامِــتَـةٌ كَـــأَنَّ زَئِــيـرَهَـا

فِــي الـصَّدْرِ نَـارٌ تَـصْطَلِي لـم تُـخْمَـدِ


شَـبَـحُ الـهَوَانِ عَـلَى الـنُّفُوسِ مُـخَيِّمٌ

كَـغَـمَـامَـةٍ سَــــوْدَاءَ فَـــوْقَ الـمَـرْقَـدِ


دَمْــعُ الـيَـتِيمِ عَـلَـى الـخُدُودِ مُـسَالِمٌ

كَـالـنَّـهْـرِ يَــجْـرِي صَـامِـتًـا كـالْـفَـرْقَدِ


صَـوْتُ الـحَقِيقَةِ فِـي الرُّؤوسِ مُقَيَّدٌ

كَـالـطَّيْرِ فِـي قَـفَصِ الـظَّلَامِ الأَوْحَـدِ


قُــومُـوا فَــإِنَّ الـصَّـبْرَ لَـيْـسَ بِـعَـاجِزٍ

إِنْ صِـغْـتُـمُـوهُ بِــعَــزْمِ حُــــرٍّ مُــفْـرَدِ


إِنَّ الـجُذُورَ إِذَا اسْـتَقَرَّتْ فِـي الـثَّرَى

تُــحْـيِـي الــرُّبَـى بِـرَبِـيـعِهَا الـمُـتَـوَلِّدِ


قَـدْ آنَ أَنْ تُـجْلَى الـغُيُومُ عَـنِ الـسَّمَا

وَيُــــرَدَّ حَــــقٌّ مِـــنْ يَـــدِ الـمُـتَـسَيِّدِ


نُــورُ الـعَـقِيدَةِ فِــي الـقُـلُوبِ تَـوَهُّـجٌ

كَالشَّمْسِ تَسْطَعُ فِي الدُّجَى لِلْمُهْتَدِي


إِنَّ الـــكِــرَامَ إِذَا اسْــتَـفَـاقُـوا مَــــرَّةً

هَــزُّوا الـزَّمَـانَ بِـصَـرْخَةِ الـمُـسْتَشْهِدِ


سَـيْـفُ الـيَـقِينِ إِذَا اسْـتَبانَ بِـصِدْقِنَا

يَـمْـضِي كَـبَرْقٍ فِـي وُجُـوهِ الـمُعْتَدِي


قُــومُـوا فَــمَـا لِـلـضَّـيْمِ بَـعْـدُ مُـقَـامُهُ

إِنْ ثَـــــارَ فِــيــكُـمْ عِــــزَّةٌ لِــلـسُّـؤدَدِ


تِــلْــكَ الـخَـوَاتِـيـمُ الــعِـظَـامُ لِأُمَّــــةٍ

كَــتَــبَ الإِلَـــهُ لَــهَـا الــعُـلَا لِـلْـمَـوْعِدِ


فَــالـلَّـهُ نَــاصِــرُ مَـــنْ أَقَـــامَ لِـدِيـنِـهِ

وَالْـخِـزْيُ مِـيـرَاثُ الـضَّـعِيفِ الـمُـبْعَدِ


سَـتَـرَوْنَ يَــوْمَ الـحَـقِّ يَـعْـلُو صَـرْحُهُ

وَيَـهُـدُّ عَــرْشَ الـظُّـلْمِ هَـدْمَ الـمُفْسِدِ


وَإِذَا الــعَــزَائِـمُ أَوْقَــــدَتْ أَرْوَاحَــنَــا

سَــقَــطَ الــطُّـغَـاةُ بِــذِلَّــةِ الـمُـتَـبَـدِّدِ


وَتَـــعُـــودُ أُمَّــتُــنَــا بِـــعِــزٍّ سَـــاطِــعٍ

يَـسْـتَـلْـهِـمُ الــتَّـارِيـخُ نُــــورَ مُـحَـمَّـدِ


الــشــاعــرة نـــســـريـن بـــدر مـصـر

من ديواني أنوار الرسالة

رقم إيداع /14171

أثر الكلمة بقلم الراقي هاني الجوراني

 أثر الكلمة ..

في زمن تتزاحم فيه الأصوات على الشاشات يقف الإنسان حائراً أمام هذا الضجيج الذي لا ينتهي: ضجيج المقارنات وتتبع عثرات الآخرين، وكأن العالم صار ساحة سباق لا نهاية لها لا يُسأل فيها المرء: إلى أين؟ بل فقط: هل سبقت غيرك؟


إن التأمل في هذا الواقع يقودنا إلى حقيقة مؤلمة، وهي أن بعض النفوس انشغلت بغيرها حتى نسيت نفسها فصار كشف العيوب أسهل من إصلاحها وأصبح الحكم على الناس أسرع من محاسبة الذات. وهنا يتجلى قول الله تعالى في التحذير من هذا السلوك:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ 

فكم من ظن سيئ هدم علاقات وكم من تتبعٍ للناس أفسد القلوب قبل أن يفسد السمعة.


وفي المقابل يدعونا الإسلام إلى طهارة القلب، والسمو عن الحسد، والفرح لخير الآخرين، كما قال تعالى:

﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ 

فليست قيمة الإنسان في أن يكون الأعلى بين الناس، بل في أن يكون أنقى قلباً وأصدق نية.


أما النبي ﷺ فقد رسم لنا طريقاً واضحاً في تهذيب النفس، فقال:

«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .

وهذا الحديث ليس شعاراً أخلاقياً فحسب، بل ميزان دقيق يكشف صدق الإيمان من زيفه فمن ضاق صدره بنعمة غيره، فقد نقص من إيمانه بقدر ما ضاق.


إن القناعة التي يظنها البعض ضعفاً هي في الحقيقة قوة داخلية تحرر الإنسان من عبودية المقارنة، وقد قال النبي ﷺ:

«قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه» .

فالسعادة ليست في كثرة ما نملك، بل في رضا القلب بما قُسم له، وطمأنينته لحكمة الله.


ومن أعظم ما يضيع في هذا العصر هو “سلام القلب”، ذلك السلام الذي لا يُشترى، بل يُبنى حين يكف الإنسان عن تتبع الناس، ويبدأ رحلة إصلاح نفسه. فليس كل معركة تستحق أن نخوضها، كما أن الصمت في موضعه حكمة، وقد جاء في المعنى القرآني العظيم:

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ 

وفيه دعوة إلى بناء الكلمة لا هدمها، وإلى الإصلاح لا الإيذاء.


إن الإنسان الذي امتلأ قلبه بالمحبة لا يضيق بنجاح غيره، والذي عرف عدل الله لا يحسد أحداً والذي أدرك حقيقة الدنيا يعلم أن أعظم المكاسب ليست ما نأخذه، بل ما نتركه من أثر طيب في قلوب الآخرين.


وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم ليس: ماذا قال الناس عنك؟ بل: ماذا تركت فيهم؟

فكم من إنسانٍ مر خفيفاً على الدنيا لكنه أثقل القلوب بالرحمة وكم من آخر ملأ العالم ضجيجاً لكنه خرج بلا أثر.

   ✍️ هاني الجوراني