أثر الكلمة ..
في زمن تتزاحم فيه الأصوات على الشاشات يقف الإنسان حائراً أمام هذا الضجيج الذي لا ينتهي: ضجيج المقارنات وتتبع عثرات الآخرين، وكأن العالم صار ساحة سباق لا نهاية لها لا يُسأل فيها المرء: إلى أين؟ بل فقط: هل سبقت غيرك؟
إن التأمل في هذا الواقع يقودنا إلى حقيقة مؤلمة، وهي أن بعض النفوس انشغلت بغيرها حتى نسيت نفسها فصار كشف العيوب أسهل من إصلاحها وأصبح الحكم على الناس أسرع من محاسبة الذات. وهنا يتجلى قول الله تعالى في التحذير من هذا السلوك:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾
فكم من ظن سيئ هدم علاقات وكم من تتبعٍ للناس أفسد القلوب قبل أن يفسد السمعة.
وفي المقابل يدعونا الإسلام إلى طهارة القلب، والسمو عن الحسد، والفرح لخير الآخرين، كما قال تعالى:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾
فليست قيمة الإنسان في أن يكون الأعلى بين الناس، بل في أن يكون أنقى قلباً وأصدق نية.
أما النبي ﷺ فقد رسم لنا طريقاً واضحاً في تهذيب النفس، فقال:
«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .
وهذا الحديث ليس شعاراً أخلاقياً فحسب، بل ميزان دقيق يكشف صدق الإيمان من زيفه فمن ضاق صدره بنعمة غيره، فقد نقص من إيمانه بقدر ما ضاق.
إن القناعة التي يظنها البعض ضعفاً هي في الحقيقة قوة داخلية تحرر الإنسان من عبودية المقارنة، وقد قال النبي ﷺ:
«قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه» .
فالسعادة ليست في كثرة ما نملك، بل في رضا القلب بما قُسم له، وطمأنينته لحكمة الله.
ومن أعظم ما يضيع في هذا العصر هو “سلام القلب”، ذلك السلام الذي لا يُشترى، بل يُبنى حين يكف الإنسان عن تتبع الناس، ويبدأ رحلة إصلاح نفسه. فليس كل معركة تستحق أن نخوضها، كما أن الصمت في موضعه حكمة، وقد جاء في المعنى القرآني العظيم:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
وفيه دعوة إلى بناء الكلمة لا هدمها، وإلى الإصلاح لا الإيذاء.
إن الإنسان الذي امتلأ قلبه بالمحبة لا يضيق بنجاح غيره، والذي عرف عدل الله لا يحسد أحداً والذي أدرك حقيقة الدنيا يعلم أن أعظم المكاسب ليست ما نأخذه، بل ما نتركه من أثر طيب في قلوب الآخرين.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم ليس: ماذا قال الناس عنك؟ بل: ماذا تركت فيهم؟
فكم من إنسانٍ مر خفيفاً على الدنيا لكنه أثقل القلوب بالرحمة وكم من آخر ملأ العالم ضجيجاً لكنه خرج بلا أثر.
✍️ هاني الجوراني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .