الاثنين، 29 يونيو 2026

من سلسلة أزاهير العرب بقلم الراقي حسين عبدالله الراشد

 من سلسلة: أزاهير العرب


حين تكلم البستان


في رحاب واحة الأدب والأشعار الراقية، حيث تتعانق الكلمة الصادقة مع الفكر الأصيل، ويورق الحرف إبداعا، نفتح اليوم بابا إلى بستان جديد؛ بستان لا تذبل أزهاره، لأن جذوره تمتد في ذاكرة الأمة، وتسقيها اللغة، ويحييها الأدب، ويعطرها تاريخ ما زال نابضا في وجدان أبنائه.


قبل أن يكتب التاريخ أسماء العظماء، كانت اللغة تغرسهم بذورا في تراب الزمن.


وحين أشرقت شمس الحضارة العربية، لم تزهر الأرض سنابل فحسب، بل أزهرت حروفا، وأفكارا، وقلوبا، وعقولا، حتى بدا الزمن بستانا لا يعرف الخريف؛ كلما ذبلت فيه زهرة، أزهرت أخرى، وكلما غاب فيه صوت، ولد صدى جديد.


وفي هذا البستان لا نقطف زهرة لنضعها بين صفحات كتاب، بل نعيد إليها ماء الذاكرة، لتعود فتزهر في الأرواح، وتمنح الأجيال عبيرها من جديد.


وفي مساء هادئ... سمعت البستان يحدثني.


قال:


يسألني الزائرون في كل ربيع:


أي زهرة هي الأجمل؟

وأيها أبقى أثرا؟

وأيها أعذب عبيرا إذا مرت بها السنون؟


فأبتسم.


لأنهم ينظرون إلى الألوان، وأنا أنظر إلى الجذور.


وليست أجمل أزهاري تلك التي يأسرها البصر، بل تلك التي تستوطن القلب بعد أن يغادرها النظر.


وما إن فرغ البستان من حديثه، حتى أقبلت أولى أزهاره، يحيط بها وقار السنين، وقالت:


أنا الحكمة...


لا أقاس بعدد الكلمات، بل بعمق المعاني.


كلما تقدمت بي السنون ازددت بهاء، لأن الزمن لا يهرمني، بل يصقلني، ومن يصحبني يرى الطريق قبل أن يتعثر فيه.


وفي ظلي جلس لقمان الحكيم، وتألق الإمام علي بن أبي طالب ببلاغة العقل، وأجرى ابن المقفع معيني في كتبه، فبقيت نورا تهتدي به العقول، وجسرا تعبر عليه الأمم إلى رشدها.


ثم أشرقت زهرة أخرى، كأنها خيط من نور الفجر، وقالت:


أنا العلم...


كلما اقتطفني إنسان، نبتت في يد غيره.


لا أنقص بالعطاء، بل أزداد اتساعا، أبني الإنسان قبل البنيان، وأرفع الأوطان قبل الجدران، وأترك في العقول نورا لا تطفئه الليالي.


ومن رحيقي ارتوى الخليل بن أحمد، وأبصر ابن الهيثم نور الحقيقة، وداوى ابن سينا الأجساد بالعقل قبل الدواء، فكان العلم ميراثا تتناقله الأجيال، لا ملكا يحتكره أحد.


وهبت نسمة رقيقة، فاهتزت الأغصان، وانفرجت بينها زهرة تحمل إيقاعا يشبه نبض القلب، وقالت:


أنا الشعر...


أنا موسيقى الروح إذا ضاقت بها الأيام، ولسان الوجدان إذا عجزت عنه الحروف.


أحمل ذاكرة الأمم في بيت، وأرسم للحب والحزن والأمل صورا لا يطويها الزمن.


وعلى أغصاني أنشد امرؤ القيس مطالع القصيدة، وحلق المتنبي بكبريائه، وزين أحمد شوقي جبين الشعر، وما زلت أستقبل في كل عصر شاعرا يحمل إليّ ربيعا جديدا.


ثم خرجت من بين الأوراق زهرة هادئة، لا يلفت لونها الأبصار، لكن عبيرها يسبق حضورها، وقالت:


أنا الوفاء...


قد لا أبهر العيون، لكنني أسكن القلوب.


إذا أزهرت في إنسان، صار عهده ميثاقا، وصار حضوره طمأنينة، وصار غيابه ذكرا جميلا لا يغيب.


أنا الجسر الذي يصل القلوب، والصفة التي تحفظ الود، والقيمة التي تبقى حين يرحل كل شيء.


عندها ارتفعت أغصان البستان جميعها، وكأنها تنشد بصوت واحد:


ونحن...

الشجاعة...

والكرم...

والصدق...

والصبر...

والعدل...

والإبداع...

والرحمة...


قد تختلف ألواننا، لكن جذورنا واحدة، وسقينا من نبع واحد.


ابتسم البستان، ثم قال:


لهذا لم يكن العرب عظماء لأنهم قالوا الشعر وحده، ولا لأنهم دونوا الحكمة وحدها، ولا لأنهم حملوا العلم وحده...


بل لأنهم جمعوا بين جمال الكلمة، ونبل الخلق، وصدق الفكرة، وعظمة الرسالة.


ومن هنا تبدأ رحلتنا...


لن نفتش عن الأسماء المشهورة فحسب، بل عن كل زهرة تركت عبيرها في تاريخ هذه الأمة، وما زالت تنثر شذاها في حاضرها.


ففي كل لقاء سنقترب من زهرة، نصغي إلى حكايتها، ونستنشق عبيرها، ونحمل معنا بذرة منها، لعلها تجد في قلوبنا تربة صالحة، فتزهر من جديد.


ثم سكت البستان...


ولم يكن صمته نهاية الحديث، بل بداية الحكاية.


وقبل أن أغادر، همس إلي قائلا:


إذا مررت يوما بهذا البستان، فلا تسألني كم زهرة فيه... بل سل نفسك: أي زهرة حملت معك حين رحلت؟


فالأزهار لا تعيش في الحدائق وحدها...


بل تعيش في القلوب التي تعرف كيف تحفظ عبيرها.


وللحديث بقية... فما زالت في هذا البستان أزهار لم نقطف عبيرها بعد.


بقلم

د. حسين عبدالله الراشد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .