المقعد الذي لم يجلس عليه أحد
كنتُ كلَّ يوم أذهب إلى المتنزّه لأتأمل، وأسكن إلى صمتي قليلًا.
كنتُ دائمًا أجلس على مقعدٍ اعتدتُ الجلوس عليه.
وكان أمامي مقعدٌ، وبقربه شجرة.
لم أرَ أحدًا يجلس عليه، رغم كثرة الناس.
حتى الشجرة كانت تُظلِّله، كأنها تخاف عليه.
وفي أحد الأيام، جاءت امرأةٌ عجوز وجلست بقربي، وهي تنظر إلى ذلك المقعد.
ظلّت صامتةً لساعات، ثم ذرفت دمعةً ونهضت ورحلت.
فصرتُ أفكر: ما الحكاية؟
ذهبتُ في اليوم التالي لأراها وأكلمها.
وحين جاءت، جلست في المكان نفسه.
اقتربتُ منها وسألتها:
"ما حكاية هذا المقعد؟"
نظرت إليّ وقالت:
"أتحب يا ولدي؟"
أخبرتُها أن الحب غير موجود في زمننا.
ابتسمت بحزن، وقالت:
"إذن لن تفهم حكاية هذا المقعد."
فرجوتها أن تشرح لي.
تنهدت طويلا، ثم قالت:
"كنا شابين يملؤنا النشاط والحلم.
كنا عندما نرى بعضنا، نترك عيوننا تتكلم، فبعض الحروف لا تجيد الشوق.
كانت هذه أرضه.
أراد أن يبني بيتا هنا.
وهذه الشجرة أنا من زرعتها، وهو من أحضر هذا المقعد.
كان يتخيّل أننا سنجلس هنا، نراقب أولادنا وهم يركضون بين الأشجار."
ثم أشارت إلى الأشجار، وقالت:
"كان كريمًا، يحب أرضه.
انظر إلى تلك الأشجار... كانت تُشبع القرية كلها.
وذلك النهر... أتراه كيف أصبح الآن راكدًا؟
كان البط يسبح فيه، وكانت الزهور على ضفافه، وكان يروي الظمأ، وتزهو المزارع به.
لم يكن ينقصنا شيء...
حتى جاء الطامعون.
قتلوا صغيري في البداية.
أغروه بالحرية، ثم جعلوا أهل القرية تثور ثائرتهم، وقالوا لهم إن زوجي يستفيد من النهر وحده.
ونسوا كيف كان يجمعهم.
غيّروا مجرى النهر، فصار خيره لغيرهم.
وماتت الأشجار، ولم تعد تُثمر.
جمعهم يوما، وجلس على هذا المقعد.
أخبرهم أنه أحبهم كما أحب أرضه، وأنه لم يبخل عليهم يوما بخيرٍ أو ماء، وأن الأرض تتسع للجميع إذا اجتمعت القلوب، ولا تتسع لأحد إذا تفرّقت.
وقال لهم:
"لقد خسرتم كل شيء حين طاوعتم أوهام الحرية، وصدقتم من جاء يزرع بينكم الشك والفرقة."
وقبل أن يُكمل كلامه...
جاءته رصاصة غادرة.
سقط جالسا على مقعده.
وتناثرت دماؤه عليه.
وارتوت تلك الشجرة من دمه.
هرب الجميع...
وصاروا يصرخون:
"بأيدينا اغتلنا أنفسنا."
ساد الصمت.
لم تنطق العجوز بكلمة.
كانت تنظر إلى المقعد، وكأنها ترى ذلك اليوم أمامها.
ربّتت على كتفي، وقالت:
"يا بني... الحب يبني ولا يهدم. لكن حين تفرّقت القلوب، مات من كان يحب. ومنذ ذلك اليوم، لم يجلس على هذا المقعد أحد.
أجيء إليه كل يوم، لا أنتظر عودة من رحل، فالموت لا يعيد أحدا... وإنما أنتظر قلبا يعرف معنى الحب، فيرمّم ما أسقطته رصاصة، وما هدمته الكراهية."
ثم نظرت إليّ بعينين أثقلهما العمر، وقالت:
"والآن يا ولدي... هل عرفت كيف تُحب؟"
نهضت ببطء، وسارت حتى غابت بين الأشجار.
بقيت وحدي...
نظرتُ إلى المقعد طويلًا.
لأول مرة، لم أرَه قطعةً من الخشب، بل رأيتُ وطنا ما زال ينتظر أبناءه، وشجرةً تحفظ عهدا، ودمًا لم يجفّ بعد في ذاكرة الأرض.
هممتُ أن أجلس...
ثم تراجعت.
شعرتُ أن الجلوس عليه لا يستحقه إلا من يعرف أن الحب ليس كلمة تُقال، بل عهدٌ يُوفى به، وأن الأرض لا يحرسها السلاح وحده، بل القلوب التي لا تبيعها الأوهام.
ومضيت...
وأنا أعلم أن بعض المقاعد لا تنتظر الجالسين...
بل تنتظر من يستحق الجلوس عليها.
بقلمي عبير ال عبد الله 🇮🇶
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .