مَن أَنَا
بقلمي: بهاء الشريف
التاريخ: 27 / 4 / 2026
⸻
وَكَيْفَ لَا أَلْتَفِتُ…
وَأَنْتِ آخِرُ الجِهَاتِ الَّتِي كَانَتْ تُحَاكِي انْكِسَارِي؟
تَقُولِينَ: لَا وَدَاع…
وَكَأَنَّ الفِرَاقَ يَتَسَلَّلُ بِلَا أَسْمَاء،
وَكَأَنَّ القَلْبَ لَا يُقِيمُ مَأْتَمَهُ بِصَمْت!
أَخَذْتُ ظِلَّكِ… نَعَم،
لَكِنِّي تَرَكْتُ فِيكِ عُمْرِي كُلَّهُ،
فَكَيْفَ نَقْتَسِمُ الخَسَارَة؟
تُغْلِقِينَ أَبْوَابًا مِنْ وَجَعٍ…
وَأَنَا مَا زِلْتُ أَقِفُ عِنْدَ أَوَّلِ دَقَّةٍ لَكِ،
أَسْتَأْذِنُ وَجَعًا لَا يَفْتَح.
تَخْشَيْنَ أَنْ أَرْسُمَ ضِحْكَتَكِ مَعَ سِوَاكِ…
وَأَنَا أَخْشَى أَنْ أَنْسَاهَا
فَأَفْقِدَ آخِرَ دَلِيلٍ عَلَيَّ.
تَقُولِينَ: صِرْتِ وَطَنًا لَا يُسْتَبَاح…
وَأَنَا…
صِرْتُ مَنْفًى
لَا وَطَنَ لَهُ سِوَاكِ.
مَنْ أَكُونُ أَنَا…
إِذَا نَزَعْتُكِ مِنِ اسْمِي؟
وَأَيُّ مَلَامِحٍ تَبْقَى
إِذَا سَافَرْتِ مِنْ وَجْهِي؟
كُنْتِ التَّرْتِيبَ الوَحِيد
فِي فَوْضَاي،
وَالخَطَأَ الجَمِيل
الَّذِي صَدَّقْتُهُ حَتَّى النِّهَايَة.
أَنَا ذَاكَ الَّذِي
كَانَ يُخْفِيكِ عَنِ العَالَم
وَيَفْضَحُكِ فِي نَبْضِهِ،
فَكَيْفَ أُعْلِنُ نَجَاتِي
وَأَنَا الغَرِيقُ بِكِ؟
لَا تَسْأَلِينِي عَنِّي…
فَقَدْ صِرْتُ تَعْرِيفًا نَاقِصًا،
وَجُمْلَةً سَقَطَ مِنْهَا فِعْلُهَا
مُنْذُ غَادَرْتِ.
كُلُّ الطُّرُقِ بَعْدَكِ
تُشْبِهُ بَعْضَهَا:
طَوِيلَةٌ…
وَخَالِيَةٌ مِنْكِ.
أُحَاوِلُ أَنْ أُعِيدَ تَرْتِيبَ قَلْبِي
كَمَا يُرَتَّبُ بَيْتٌ بَعْدَ حَرِيق،
لَكِنَّ رَائِحَتَكِ
تَنْجُو دَائِمًا…
وَتَفْضَحُ الخَرَاب.
فَمَنْ أَنَا؟
أَنَا ظِلُّ رَجُلٍ
كَانَ يَكْتَمِلُ بِكِ…
فَلَمَّا رَحَلْتِ
تَعَلَّمَ أَنْ يَعِيشَ
نِصْفَ حَيَاةٍ
وَنِصْفَ نَبْض.
وَنِصْفُ قَلْبٍ…
لَا يُجِيدُ الخَفَقَانَ إِلَّا
إِذَا أَخْطَأَ الطَّرِيقَ إِلَيْكِ.
أَنَا الَّذِي
كُلَّمَا حَاوَلَ النِّسْيَانَ
دَلَّهُ الحَنِينُ عَلَيْكِ،
وَكَأَنَّكِ مَحْفُوظَةٌ
فِي خَرَائِطِ الضَّيَاع.
أُقْنِعُ أَيَّامِي بِأَنَّكِ عَابِرَة…
فَيُضِلُّهَا الحَنِينُ إِلَيْكِ،
فَتُكَذِّبُنِي التَّفَاصِيل:
فِنْجَانٌ يُشْبِهُ يَدَيْكِ،
وَمَقْعَدٌ يَفْتَقِدُكِ،
وَصَوْتِي…
حِينَ يُنَادِيكِ دُونَ قَصْد.
أَكْتُبُكِ لِأَغِيب،
وَأَمْحُوكِ لِأَبْقَى،
فَلَا أَنَا نَجَوْتُ مِنْ حُضُورِكِ
وَلَا أَنْتِ رَحَلْتِ تَمَامًا.
أُصَالِحُ اللَّيْلَ عَلَيْكِ
فَيُعِيدُكِ إِلَيَّ أَكْثَر،
وَأُخَاصِمُ الصَّبَاحَ
لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي بِكِ.
وَإِنْ سَأَلُونِي:
كَيْفَ يَعِيشُ مَنْ خَسِرَ وَطَنَهُ؟
أَقُول:
يَحْمِلُهُ فِي صَدْرِهِ
وَيَتَعَلَّمُ أَنْ يَتَنَفَّسَ الأَلَم.
فَمَنْ أَنَا الآن؟
أَنَا احْتِمَالُ رُجُوعٍ لَا يَحْدُث،
وَحِكَايَةٌ تَوَقَّفَتْ
عِنْدَ كَلِمَةٍ لَمْ تُقَل.
أَنَا…
بَقَايَاكِ
حِينَ اكْتَمَلْتِ
وَرَحَلْتِ.
وَلَسْتُ أَبْحَثُ عَنِّي بَعْدَكِ…
فَقَدْ تَعَلَّمْتُ
أَنَّ بَعْضَ الفَقْدِ
لَا يُعِيدُ تَعْرِيفَنَا…
بيُنْهِيه.
فَمَنْ أَنَا؟
أَنَا آخِرُ مَا تَبَقَّى
مِنْ رَجُلٍ
كَانَ يُنَادَى بِكِ…
فَلَمَّا غِبْتِ
لَمْ يَعُدْ
يُجِيب.