صفقة بدون اوراق
بقلم: نور شاكر
عقدتُ صفقةً مع حيوانٍ لم يكن يشبه سائر الحيوانات
لم تكن بيننا أوراقٌ ولا عهودٌ مكتوبة بل اتفاقٌ صامت نسجته الثقة، وكان ثمنه شيئًا من روحي وشيئًا كثيرًا من وقتي
كنتُ في تلك الصفقة الطرف الذي يمنح أكثر مما يأخذ
المعطي بلا حساب، والودود بلا تردد واللطيف حتى في أكثر اللحظات قسوة
لم أقترب منه بعصا، بل بكفً مفتوحة،
ولم أعلمه بالخوف، بل بالصبر واللين والحكمة
وكان غريبًا في طبيعته لا يفترس، ولا يعض، ولا يؤذي
كانت ملامحه هادئة، كأنها تخفي عالمًا لا يعرف الضجيج ظننتُ أن الهدوء الذي يسكنه سيبقى، وأن الرحمة التي زرعتها فيه ستنبت وفاءً وأن الوقت الذي منحته له لن يضيع في مهب النسيان
رعيته كما تُرعى البذور قبل أن تصبح أشجارًا؛ سقَيتُه من اهتمامي، وأحطتُه بالصبر، ومنحته من حكمتي ما استطعت، ومن ذكائي ما يحميه من عثرات الطريق
كنتُ أؤمن أن اللين ليس ضعفًا، بل قوة تعرف كيف تُهذب الغرائز، وأن العطاء الحقيقي هو أن تمنح دون أن تنتظر المقابل
لكنني أدركت لاحقًا أن بعض الصفقات لا تُقاس بما أعطيناه فيها، بل بما كشفته لنا عن أنفسنا فقد علمني ذلك الحيوان أن الهدوء قد يكون طبيعةً، لا امتنانًا، وأن الرعاية لا تضمن البقاء، وأن الوقت الذي نهبه للآخرين يترك فينا أثرًا، سواء عاد إلينا أم لم يعد
وهكذا بقيتُ أنا الرابح والخاسر في آنٍ واحد خسرتُ ساعاتٍ من عمري وربحتُ درسًا لا يُشترى
فالصفقات التي تُعقد مع القلوب والكائنات لا تُحسم بالعقل وحده بل بما تتركه في النفس من حكمة، وما تمنحه للروح من نضجٍ يجعلها أكثر فهمًا للحياة، وأكثر حذرًا في اختيار من تستحق أن تُمنح له نعمة الوقت
لكن لم يكن الذنب ذنبه فهذه هي طبيعة الحيوان
لا يُلام لأنه كان ما خُلق عليه، وإنما يُلام من ظن أن اللطف وحده يستطيع أن يبدّل الغرائز، وأن العطاء يكفي لتغيير ما استقر في الأعماق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .