الاثنين، 20 يوليو 2026

الميزان الذي لا يرى بقلم الراقي بهاء الشريف

 الميزانُ الذي لا يُرى… سرُّ بقاءِ الأماكنِ العظيمة


قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾


لم يأتِ ذكرُ العدل في كتاب الله باعتباره خُلُقًا فرديًّا فحسب، بل باعتباره أساسًا تستقيم به حياة الإنسان والمجتمعات، فحيث يحضر العدل تحضر الطمأنينة، وحيث يغيب يختلُّ البناء مهما بدا قويًّا من الخارج.


فالعدل ليس كلمةً تُكتب، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هو ميزانٌ خفيّ لا تراه العيون، لكن تشعر به القلوب.


هو أن يُنظر إلى الجهد قبل الاسم، وإلى العطاء قبل المكانة، وإلى الإخلاص قبل القرب.


فالإنسان قد يتحمل مشقة الطريق، ويصبر على التعب، ويواصل العطاء بصمت، لكنه يحتاج إلى يقينٍ واحد: أن ما يقدمه لا يضيع، وأن هناك عينًا تُنصف، وقلبًا يقدّر، وضميرًا يعرف قيمة الوفاء.


ولهذا كان العدل من أعظم أسباب بقاء الأماكن ورفعتها؛ لأن المكان لا يصنعه الحجر، ولا تحفظه المظاهر، بل تصنعه الأرواح التي تجد فيه معنى الانتماء.


فكم من أماكن امتلكت الإمكانات، لكنها فقدت القلوب حين غاب عنها ميزان الإنصاف، وكم من أماكن بسيطة في إمكاناتها أصبحت عظيمة في أثرها؛ لأنها جعلت الإنسان محور رسالتها.


وقد قال رسول الله ﷺ:

“إنَّ اللهَ يحبُّ إذا عملَ أحدُكم عملًا أن يُتقِنَه”


فالإتقان لا ينمو في بيئةٍ يشعر فيها الإنسان أن جهده لا يُرى، بل يزدهر حين يجد من يقدّر، ومن يشجّع، ومن يفتح أبواب الأمل أمام أصحاب العطاء.


ومن هنا نفهم سرَّ رقيّ المؤسسات الثقافية الناجحة؛ فهي لا تُقاس بعدد أعضائها فقط، ولا بحجم حضورها الإعلامي، بل بقدرتها على بناء الإنسان، وصناعة بيئة يشعر فيها المبدع أن صوته مسموع، وأن كلمته لها مكان.


وهذا ما يجعل واحة الأدب والأشعار الراقية نموذجًا يستحق التوقف عنده؛ فهي لم تبنِ حضورها على كثرة المشاركات وحدها، بل على منظومة من القيم التي جعلت من الأدب رسالة، ومن الكلمة مسؤولية، ومن المبدع قيمة تستحق الرعاية.


فما يميز الأماكن العظيمة ليس أنها تخلو من الاختلافات، بل أنها تمتلك القدرة على إدارتها بالحكمة، وعلى أن تجعل العدل منهجًا، والاحترام لغة، والتقدير جسرًا بين القلوب.


إن الإدارة الواعية ليست من يجلس خلف القرار فقط، بل من يعرف كيف يجمع بين العقل الذي يخطط، والقلب الذي يحتوي، والفهم الذي يوازن.


فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بما تمنحه من أوامر، بل بما تزرعه من ثقة.


والمكان الذي يُكرم أصحاب العطاء، ويحتضن المواهب، ويمنح الكلمة الصادقة فرصتها، لا يصنع نجاحًا مؤقتًا؛ بل يبني انتماءً طويل العمر.


قال الشاعر:


وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الفَتَى

ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا المَخْرَجُ


فكم من تحديات تمر بها الأماكن، لكن ما يحفظها ليس غياب الصعوبات، بل وجود القلوب التي تؤمن برسالتها.


أما حين يميل الميزان…


فإن الخسارة لا تقع على فردٍ بعينه، بل تمتد إلى روح المكان.


يقلُّ الحماس، ويضعف الشعور بالانتماء، ويبدأ المخلصون في التساؤل: هل ما نقدمه يجد من يراه؟


فالإنسان لا يطلب دائمًا مكافأة على عطائه، لكنه يحتاج إلى إحساسٍ عميق بأن وجوده له قيمة.


ولهذا قيل قديمًا:

“العدل أساس الملك”


لأن العدل لا يحفظ السلطة فقط، بل يحفظ المحبة، ولا يبني الهيبة فقط، بل يبني الثقة.


إن أعظم ما يمكن أن تقدمه إدارةٌ لمكانٍ ثقافي أو أدبي ليس كثرة النشاطات فقط، بل أن تجعل كل من ينتمي إليه يشعر أنه جزء من حكاية أكبر، وأن جهده لبنة في بناءٍ مشترك.


فالأماكن العظيمة لا تُخلق بالصدفة…


بل تُبنى على قيمٍ ثابتة، وعلى أيادٍ تعرف أن النجاح الحقيقي ليس أن يصل المكان إلى القمة فقط، بل أن يحافظ على إنسانيته وهو هناك.


وهنا يبقى العدل هو الميزان الذي لا يُرى…


لكنه السر الذي يجعل بعض الأماكن لا تكون مجرد مساحة للقاء، بل تصبح وطنًا للقلوب.



بقلمي: بهاء الشريف

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .