الاثنين، 20 يوليو 2026

حكمة الرقة بقلم الراقي د.محمد شعوفي

 حكمة الرقة: 


في كل مساءٍ يهبط السكونُ في الروح كما يهبط الغسق على نهرٍ هادئ، أقف أمام نفسي وأسأل:  

أي قلبٍ يليق بي أن أحمله في زمنٍ كهذا؟ 

وكيف تنقذنا الحساسية من قسوة العالم؟ 

هناك من يظنّ أنّ النجاة في هذا العصر لا تكون إلا بقلبٍ قاسٍ، ومشاعرَ متبلّدة، وحواجزَ عاليةٍ تمنع الآخرين من الاقتراب. 

وكأنّ الإنسان لا يستطيع أن يحمي نفسه إلا إذا تخلّى عن إنسانيته، ولا ينجح في الحياة إلا إذا خفّف من نبض قلبه حتى يكاد يصير حجراً.

غير أنّني، كلما تقدّمت بي السنون، ازددت يقينًا بأنّ الحقيقة على النقيض من ذلك تمامًا. 

فالفؤاد الحساس ليس عبئًا يُثقل صاحبه، بل هو نعمةٌ تحفظ فيه إنسانيته، وشعلةٌ تهديه وسط عتمة هذا الزمن. 

في خضمّ هذا العالم الذي يقدّس الصلابة ويجعل من القسوة وسامًا للقوة، أقف متأملًا. 

أبحث في أعماقي عن ذلك النبض الذي ظلّ حيًّا، رغم كلّ محاولات التصلّب التي يفرضها الواقع. 

لقد حملتُ دومًا قلبًا يهتزّ لألم الغريب، ويبكي لصدق نظرة، ويتألّم لكلمة جارحة. 

وكم من مرة وقفت أمام مرآة روحي أسائلها: 

كيف لقلبٍ أن يظلّ نابضًا بالحياة في عالمٍ يكافئ الجمود ويعاقب الرقة؟ 

وكيف للإحساس أن يبقى شعلةً تتوهّج وسط رياح اللامبالاة العاتية؟ 

إنني أدعو اليوم، من أعماق هذا الوجدان، إلى إعادة تأمّل هذه الحساسية التي وُصفت ظلمًا بالضعف. 

بينما هي، في حقيقتها، أسمى تجليات القوة، وأصدق علامات الوعي، وأرقى صور الإنسانية. 

ومع كلّ جرحٍ مررت به، ومع كلّ دمعةٍ سالت من عيني، ازددت يقينًا بأنّ هذه الحساسية ليست هشاشةً تعتري النفس، بل هي بصمة النور في الروح. 

إنها قدرةٌ نادرة على رؤية ما تعجز عنه الأبصار، وسماع ما لا تسمعه الآذان، واستشعار ما تخطئه القلوب الغافلة.

وهي شجاعةٌ لا يجرؤ عليها إلا من امتلك قلبًا لم تُفسده القسوة. 

أدركت عبر سنوات العمر أنّ امتلاك قلبٍ رقيق لا يعني البتة أنّني أضعف ممن حولي. بل يعني أنّني أمتلك شجاعة العيش بكلّ أطيافه، 

وأجرؤ على العطاء رغم الخيبات، وعلى المحبة رغم الانكسارات. 

أمدّ يدي بالمودة وإن جرّبت منها الألم، وأحتفظ بنقاء مشاعري حين يختار كثيرون أن يبنوا حول أنفسهم جدرانًا من الجفاء. 

وبذلك أرسم حضورًا إنسانيًا لا يذبل مع الزمن، في وقتٍ غدت فيه قلوبٌ كثيرة أشبه بمقابر صامتة، لا تنبت فيها زهرة رحمة، ولا يرفرف فوقها جناح مودة. 

صحيحٌ أنّني أتألّم أكثر من سواي. 

أبكي لقصة غريبٍ لا أعرفه، وأحزن لانكسار صديقٍ كأنّه انكساري، وألتقط وجع الكلمات قبل أن تغادر الشفاه، وكأنّ للصمت لغةً لا يسمعها إلا الفؤاد. 

لكنّ هذا الألم نفسه هو نبض الحياة الذي يجري في عروقي، وهو الدليل الأوضح على أنّ روحي ما زالت حيّة. فالقلب الميت لا يتألّم، والروح اليابسة لا تشعر بشيء. 

إنّ هذه الحساسية هي العدسة التي تجعلني أرى ألوان الحياة التي يغفل عنها من قست قلوبهم، وتجعلني أسمع همس الآلام الذي يتجاهله من ارتدوا دروع التبلّد. 

ومع مرور الأيام، أدركت أنّ القلب الحساس لا يحتاج إلى أن يتغيّر، بل يحتاج إلى أن ينضج. 

فالنضج لا يعني أن أكون أقلّ إحساسًا، وإنما أن أكون أكثر حكمة في توجيه مشاعري؛ فلا أمنحها لمن يستهين بها، ولا أحرم منها من يستحقها. 

فالرقة إذا اقترنت بالبصيرة أصبحت قوة، وإذا صاحبتها الحكمة تحوّلت إلى نورٍ يهدي صاحبه ولا يحرقه. 

إنها ليست اندفاعًا بلا بصيرة، بل ذكاءٌ عاطفي رفيع، ووعيٌ أخلاقي عميق يُهذّبه العقل وتزكّيه الحكمة.

وفي لحظات الضعف، حين يهمس لي اليأس بأن أقسّي قلبي لأحميه، أتذكّر أنّ الصلابة الحقيقية ليست في غياب الشعور، بل في القدرة على الشعور بكلّ هذا العمق ثم مواصلة السير بثبات.

أتذكّر أنّ الجبل لا يعلو إلا بصموده أمام العواصف، وأنّ النهر لا يحفر مجراه في الصخر إلا برقّة جريانه المستمر. 

إنّ هذه الرقة ليست استسلامًا ولا خضوعًا، بل هي مقاومةٌ نبيلة ضدّ تيار الجفاف العاطفي، وثورةٌ صامتة على ثقافة التصلّب التي تحاصر الإنسانية. 

لذلك، إنّني لا أخجل من قلبي الحساس، بل أفتخر به افتخار من يحمل جذوةً نادرة في ليلٍ حالك. 

ولن أقسّي قلبي لأرضي مجتمعًا فقد كثيرًا من إحساسه، ولن أخفي دموعي خوفًا من اتهامي بالضعف.

سأظلّ متمسّكًا بقلبي كما خلقه الله: 

رقيقًا لا ضعيفًا، رحيمًا لا مستسلمًا، وصادقًا لا ساذجًا.

فإن كان ثمن الحفاظ على إنسانيتي بعض الألم، فأنا أقبله راضيًا؛ لأنّ الألم الذي يصون القلب أهون ألف مرة من القسوة التي تميته. 

ومن يملك قلبًا حساسًا كهذا، أفلا يملك عالمًا بأكمله يتّسع لكلّ روحٍ تبحث عن نبضٍ صادق ورحمةٍ صافية؟ 

وربما لا يكون هذا القلب إلا نهرًا هادئًا، يهبط عليه غسق العالم كل مساء، فلا يتجمّد، بل يواصل الجريان. 

بقلم:

د. محمد شعوفي

20 يوليو 2026م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .