الجمعة، 17 يوليو 2026

عذرا غزة بقلم الراقي محمد بن سنوسي

 عذرا غزة

جريحة منشدة بيان النداءات

في رحلة دامية لأجل البقاء

لا مجيب من الأهل طول الساعات

وكأن الجمع ينشُد ورقة الفناء

وكأن الصداع قد شج السهرات

فالدموع نكّدت تمايل الدهماء

الهوى غطى على الدنيا الصرخات

فلا العبرات قصفت ولا البكاء

وحيدة هي في زاوية من حِقبات

فلا الأمان طرقها ولا حصلت السراء

ولا نفرت الأمة لآلامها وللجراحات

ولا قامت انتصارا بوجه العواء

أو استشاطت لجرائم العصابات

أو حتى الثورة لدحر مشاريع الجلاء

هي الشامخة بصدور أهلها الآيات الطاهرة خنساء الأبطال والشرفاء

العصية على الطغاة صناع الظلمات

فهنا شعاع العزة وهنا بريق حراء

فعذرا غزة تهنا بجو الركنيات

بين تعادل وخسارة بلا حياء

و عذرا غزة فقد اندثرت التبريرات

ولا حصلنا بصمتنا بركة البيع و الشراء

ثم عذرا غزة أرض الكرامات

على أمل......

سطوع من لا يرفع الراية البيضاء

محمد بن سنو

سي

من سيدي بلعباس

الجزائر

هدهدة بقلم الراقي كاظم احمد احمد

 هَدهَدة


قَصدتُ البراري النائياتِ أَتفقدُ غائباتٍ

انقرضن حتى من الذاكرة

كُلّما تَوغلتُ دنا السرابُ مُتَمَدّدا 

گقطار أجري خلفه في توارٍ

سراب في كلّ شيء تبدَّدَ

كثبان رمل آضت آراضيا

أَصغيتُ لصدى الأديم الكليم

أنينا و هسيس عشبٍ مُتراقصا

غاب عنه تغريدُ طير أو هديلُ

عدتُ أدراجي للمسافاتِ طاويا 

طواني الأسى أين سافرت أحبابيا؟

خلف الحدود بعيدا حَطَّت غواليا

أنصتن لبوح هُدهُدٍ مَارٍ بنا

رغم طنين النحل في روابيّا

وسنابل الحقول المترامية

وخرير الماء في الينابيع والسواقي

و أنا تائه على مفارق الزمان

أدوّنُ البلايا و الوجوم

تذكرتُ جدَّ أبي و جدي بلقائيا

تمتمات ترددت على مسامعي

أرضك ، عرضك ، شجرة دارك

أغلق منافذ الريح في وجهها

بقدر ما تُعطي الأرض تُنَاوِلك


كاظم احمد احمد-سورية

على عتبة الشوق بقلم الراقي جمال بودرع

 /علـى عَتَبَة الشَّوق/


سَأُعَلِّقُ قَلْبِي عَلَى عَتَبَةِ الشَّوْقِ

وأتركُ للعابرينَ سؤالًا لا يُجابْ

فمَن مــرَّ، ظنَّهُ حَجرًا

وما كان إلَّا نَبْــضًا

أعياهُ طولُ الانْتظارِ

سَأُعَلِّقُــهُ...

لعَــلَّ خُطاكِ

توقظُ فيهِ مواسمَ الرَّبيع

وتُعيدُ إلى شَرايينهِ

أغنيةً نسيتْها السَّنابلُ

فإنْ جئْـتِ.. 

وجدتِهِ كما تركتِهِ:وفيًّا...

لا يعرفُ من الجهاتِ

إلّا الجهةَ التي تَسْكنينها

وإنْ تأخَّـــرتِ

فسيظلُّ يتأرْجحُ

بينَ الرّيحِ والدُّعاءِ

كقنْديلٍ يُقاومُ العتمةَ

بآخرِ قطْــرةٍ من ضوء.


بقلم :جمال بودرع (رَجُلٌ مِنَ الزَّمَنِ الغَابِرِ)

مرايا الوجع بقلم الراقي حسين البار الجزائري

 -/ مرايا الوجع /-

     """""""""""

كلّ المرايـا   

لا ترانى كما أنـا

والزّمن مخالفٌ لوضعـي


ضيـاع

ينثـر شتاتـه

كوابيس تقضّ مضجعي


أمنيات 

خذلتها الآيـام 

والأحزان تتلذّذ بوجعـي


دمـوعٌ

في المحاجر تغلـي

نصالٌ تمـرّ على مدمعـي


جــراحٌ

 تـؤنس جراحـا

والسّهـام تعُــدّ أضلعـي


انتظـرت

عقـداً من الزّمـن 

ولم أسترد فيـه وعيّـي


عــادات 

وتقاليـد صمّـاء

أساطير منافية لمرجعي


اختـرت

الرحيل للماضـي 

لا أريـد أن أغيّـر طبعـي


أعيـش

أمسـي في حاضري 

أزرع الأحلام في واقعـي


غــداً

ترسمني كلّ المرايـا

ويزهو الربيع في مرابعـي


  """"""""""

بقلمي : حسيـن البـار الجزائري

          12/ 07/ 2026 م

متحف الأشياء بقلم الراقي عاشور مرواني

 متحف الأشياء التي لم تحدث


مشروع شعري جديد


سلسلة شعرية


ليست كل الآثار ما خلَّفه الزمن، فبعضها خلَّفته الاحتمالات التي لم تكتمل. هناك رسائل لم تصل، وأبواب لم تُفتح، ولقاءات تأخرت حتى لم تعد ممكنة، وأحلام انطفأت قبل أن تجد من يحلم بها.


«متحف الأشياء التي لم تحدث» ليس متحفًا للذكريات، بل للغياب الممكن؛ لا يجمع ما وقع، بل ما أفلته الزمن، وما كان يكفي أن يحدث مرةً واحدة ليغيِّر حياةً كاملة.


كلُّ قاعةٍ في هذا المتحف هي أثرٌ لحدثٍ لم يكتمل، وكلُّ معروضٍ فيه شاهدٌ على مصيرٍ لم يُكتب، وعلى إنسانٍ ظلَّ معلقًا بين ما عاشه وما كان يمكن أن يعيشه.


ففي هذا المتحف... لا تُؤرَّخ الوقائع، بل تُصان الاحتمالات، ويُصغى إلى الصمت الذي تركته الأشياء قبل أن تحدث.


القصيدة 


متحف الأشياء التي لم تحدث


القاعة الأولى: الرسائل التي لم تصل


رسالة إلى من لم يجد عنواني


هذه الرسالة

لم تُكتب بالحبر...


كتبتها يدي

ثم تركتها للهواء

كي يختار لها طريقًا

لم أعرفه.


في السطر الأول

كان هناك اسمٌ

لم أكتبه.


ليس خوفًا...


بل لأن بعض الأسماء

إذا وُضعت على الورق

تتحول من احتمال

إلى غياب.


قلتُ فيها:


كنتُ قريبًا منك

بقدر خطوةٍ واحدة...


لكنني أمضيتُ العمر

أتعلم كيف تُفقد الخطوات.


كنتُ سأخبرك

أن الكرسيَّ المقابل

في بعض الأيام

كان أكثر حضورًا

من كل المقاعد الممتلئة.


وأن الأغنية التي لم نسمعها معًا

بقيت أطول عمرًا

من الأغاني التي حفظناها.


ثم طويتُ الرسالة.


لم أرسلها...


ليس لأن العنوان ضاع.


بل لأنني اكتشفتُ متأخرًا


أن بعض الرسائل

لا تبحث عن صاحبها...


إنها تبحث عن الشخص

الذي كنّا سنصبحه

لو وصلَت.


عاشور مرواني

يوم كانت المعاني تمشي بأسمائها بقلم الراقي أحمد عبد المالك احمد

 حين نبحث عن المعاني لا نطرق ابواب الكلمات اولا بل نصغي إلى ذلك الصمت الذي يسبق ولادتها. 

فالمعنى الحقيقي لا يسكن مجمع القواميس بل يختبئ في التجارب التي عبرت القلب وتركته اكثر اتساعا. 

وكل قصيدة ليست الا محاولة اخرى لالتقاط ذلك البرق الخاطف قبل ان يذوب في عتمة النسيان محاولة لأن نمنح ما لا يرى وجها وما لا يقال صوتا وما لا يلمس اثرا يبقى. 

ومن هنا تبدا هذه القصيدة لا لتجيب عن الأسئلة بل لتجعلها اكثر حياة ولتدلنا على ان الطريق الى مدينة المعاني لا ينتهي عند كلمة بل يبدا منها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يوم كانت المعاني تمشي بأسمائها


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 


قبل أن يتعلم الطين كيف يتهجى خطاه

كانت المعاني تمشي بأسمائها


لا تحتاج إلى شاهد


ولا تحمل بطاقة تعريف


كان الصدق يعرف وجهه


إذا مر على الماء


وكانت الرحمة تنام مطمئنة


لأن أحدا لم يساومها بعد


وكان الزمن نهرا


لا ساعة


وكان الحب شجرة


لا قضية


وكانت الحقيقة تمشي عارية


دون أن تخاف العيون


وكان الصمت يجلس فوق التلال


كراهب قديم


يحرس أسرار النجوم


ولم يكن للخوف بيت


ولا للندم قبر


ولا للغياب مملكة


لأن الإنسان


لم يكن قد اخترع أسماء خساراته بعد


ثم جاء


جاء حاملا قلبا يتسع للنور والهاوية


 

وعقلا قادرا على تسمية الأشياء


 

وتغيير أسمائها


في اللحظة نفسها


 

فأخذ من الطمع عباءته


 

وسماه طموحا


 

وأخذ من الجبن ظله


وسماه حكمة

 

وأخذ من القسوة سيفها


وسماه عدلا


 


وأخذ من الهروب طريقه


 

وسماه سلاما


 


ومنذ ذلك اليوم


 


بدأت المعاني تفقد ملامحها


 


صار الصدق


 


كلما نظر إلى المرآة


 


يرى كاذبا يشبهه


 


وصارت الرحمة


 


تسمع اسمها


 


في أبواب الضعفاء


 


ولا تجد نفسها


 


وصار الحب


 


يقرأ رسائل كتبت باسمه


 


ولم يكتب منها حرفا


 


واجتمعت المعاني ذات مساء


 


في آخر الضوء


 


حين كان الغروب يطوي أعلام النهار


 


وقالت الحقيقة


 


لقد صرنا غرباء عن أسمائنا


 


وقالت الرحمة


 


لم يعد الناس يفرقون بيني وبين الشفقة


 


وقال الزمن


 


كلما أسرعت اتهموني


 


وكلما أبطأت لعنوني


 


وقال الصمت


 


لقد تكلم الجميع باسمي


 


حتى لم يعد أحد يسمعني


 


عندها


 


وقف الضمير


 


وكان أصغرهم سنا


 


وأثقلهم حملا


 


وقال


 


لن نستعيد أسماءنا


 


ما دام الإنسان يكتب تاريخنا وحده


 


فلنبن مدينة


 


لا يحكمها البشر


 


ولا تسكنها الأجساد


 


مدينة


 


يكون فيها للمعاني حق الكلام


 


وللأخطاء حق الاعتراف


 


وللأسئلة حق البقاء


 


فبنت المعاني مدينتها


 


من حجارة لم ترها عين


 


وشيدت محكمتها


 


من أبواب لا تفتح إلا من الداخل


 


وأنشأت أرشيفا


 


يحفظ ما نسيه الناس


 


عن أنفسهم


 


ومنذ ذلك اليوم


 


صار لكل دمعة ملف


 


ولكل وعد سجل


 


ولكل خذلان رقم قضية


 


وصارت المعاني


 


تعقد جلساتها سرا


 


كلما نام العالم


 


وتراجع أوراق البشر


 


واحدا واحدا


 


ولا تزال المحكمة قائمة


 


ولا تزال الملفات تزداد


 


ولا تزال المعاني


 


تبحث في الأوراق القديمة


 


عن أول إنسان


 


غير اسم الخطيئة


 


ثم أقنع نفسه


 


أنها فضيلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقلم د/أحمد عبدالمالك أحمد 

جمهورية مصر العربية

متى سأنساك بقلم الراقي مروان هلال

 متى سأنساكِ أخبريني....

ومتى سيهدأ حنيني....

كلما نظرت إلى نفسي 

رأيتك بين أضلاعي تسكنيني...


أي امرأة أنت ...

وكيف لكِ أن تملكين يقيني...

ما وجدتك في كل امرأة مرت بدربي....

وما حركت إحداهن وتيني....

أنا الشاكي منكِ حالي....

وأنا اللائم على قلبكِ وقسوة سنيني....

أيا عين اسعفيني بدمع الشوق 

فليتها تأتي وتضمني ولو بحلم 

بعد صبرٍ وربما بعد حين.....


حاولت نسيانكِ فنسيت نفسي وبقيتِ أنتِ بين شراييني....

فمتى الخلاص ... 

         لست أدري

بقلم مروان هلال....

إعراب مكسور الحال بقلم الراقي رضا بوقفة

 إعراب مكسور الحال و العلاقات

الجار قبل الدار...

لا جار يجر، ولا مجرور يتكلم.


هذا حال الإخوة...

كان الود بيتا، فأصبح خبرا.


أصبح القرب مسافة.

أمسى السلام مجاملة.


ظل الصمت سيد المجالس.

بات العتاب مؤجلا.


صار اللقاء صدفة.

ليس كل قريب قريبا.


ما زال الأمل يطرق الأبواب.

ما برحت الذكريات تسكن القلب.


ما انفك الحنين يفتش عن وجوه الأمس.

ما فتئ العقل يسأل: أين ضاع الإخاء؟


ما دام القلب يحمل خيرا، فلا ينقطع الرجاء.


إن صفت النيات، عادت المودة.

أن المحبة لا تموت، بل يغطيها الغبار.


كأن الوجوه تعرفنا، والقلوب تنكرنا.

لكن الكبرياء يهدم ما تبنيه الأيام.


ليت الأعذار كانت صادقة.

لعل الأحوال تتغير، وتصفو القلوب.


كأن يوما ما يأتي، تعود فيه العلاقات إلى إعرابها الصحيح، فلا كسر في الخواطر، ولا نصب للتهم، ولا جر للأوجاع.

هذا حالنا اليوم صفة تبكي وحال مهموم.


بقلم الشاعر رضا بوقفة شاعر الظل العصامي 

وادي الكبريت سوق أهراس 

الجزائر 

الشعر

 اللغز الفلسفي والقصة اللغزية الفلسفية

كان لزاما بقلم الراقية جود احمد

 كان لزاماً أن تحتضنهم السماءُ

وعند ربك للأيتام إيواءُ

لا دموعُ أبٍ ترثيهم

وغاب عناقُ أمٍّ يحتويهم

بأيِّ صيغةٍ أبكيهم؟

بقلبٍ منكسرٍ أنعيهم

وقد صعدوا كالطير إلى بارئهم

وقد احتواهم من هو أرحمُ منا فيهم


كفكف دموعك المنسابة

لا أحدَ يراك هناك

لا ذنبَ لك

سوى أنك ولدتَ يتيماً

ألبسوك ثوبَ العار

تلفح عيناك

رياحُ المارين حولك

تتكئ على حائط حزنك

أثقلوا كاهليك

بحملٍ ثقيلٍ

هم لا ينظرون لطفولتك

كفكف دموعك المنسية

يا صغيري

فأنت مجرد حكايةٍ

لتمثالٍ قديمٍ تراكم

فوقه الغبارُ

يمتطي هيكلَ جوادِهِ الخشبيّ

غرس أقدامه فوق صفحات الخيال

هجره النسيان وأغلقوا في وجهه

الدروبَ

بات طريقه مسدوداً

لأنك لستَ ابنَ أميرٍ

ولم ترتدِ الحريرَ

ولم تنمْ على مخدةٍ من ريشٍ

نبذوك هنا

جعلوك تلتحف الرصيفَ

سرقوا منك الحلمَ

تتكئ على جدران الخيبة

صوتك غير مسموعٍ

جرحك أخرسُ

عَبَرَ على قلوبٍ صمَّاءَ

غادر فالمكان آيلٌ للانهيار

عاند جحود هذا العالم

استمر لا تلتفت لهم

سوف تجد ذاتك

في مدينةٍ لا تعرف

معنى الاحتياج

لا طبقةَ تحكمها

ولا مالَ

فيها يسكن فقط الرحماءُ

مدينةٌ تنطق وتَشعر

تقول لك:

هل جُرحك أخرسُ أم عَبَرَ على قلوبٍ صمَّاءَ؟

هل دموعك بحارٌ أم كانت بلا شطآنٍ ترسو عليها فتهدأ؟

هل آلامك وحدها تخطو على أطراف أصابع الوهن الخافت وتتكسر؟

هل أنت وحيدٌ تتعثر؟

مدَّ يدك خذ بيدي لستَ وحدك

جئتك لا أعلم من أين أعبر

لكنني أسمعك، أحنو عليك ومعك

جود أحمد

حروف الحياة بقلم الراقي حسين عبدالله الراشد

 حروف الحياة


حيث تتحول المواقف إلى معانٍ... والتجارب إلى حِكم.


وكما تُشرق الشمس كل صباح فتغمر الأرض بنورها، تشرق الواحة بالكلمة الراقية، والفكر الهادف، والأدب الذي يبقى أثره في النفوس. ومن هذا الأفق المشرق، تنطلق حروف الحياة؛ لنقرأ الإنسان قبل أن نقرأ الكلمات، ونلتمس الحكمة في ثنايا التجارب، حرفًا بعد حرف.


على عتبة الحروف


نولد جميعًا، لكن أحدًا لا يولد وهو يعرف الحياة.


تمضي الأيام، فتعلّمنا من معاني الأشياء أكثر مما تعلّمنا من أسمائها، وتكتب في أرواحنا بالمواقف والتجارب ما لا تكتبه الكتب. فكم من لقاءٍ ظننّاه عابرًا، فإذا به يترك أثرًا لا يُنسى، وكم من كلمةٍ صغيرةٍ أحيت أملًا، وكم من موقفٍ عابرٍ كشف من معادن البشر ما عجزت عنه سنوات.


ومن هنا جاءت حروف الحياة.


ليست مواعظ تُلقى، ولا أحكامًا تُوزَّع، وإنما وقفات نتأمل فيها الإنسان، ونقرأ ما وراء التفاصيل التي تبدو صغيرة، بينما تحمل في أعماقها كثيرًا من معاني العمر.


في كل مداد نقف عند قيمة، أو موقف، أو تجربة؛ لنسأل، ونتأمل، ونتعلم، علّنا نرى أنفسنا بوضوحٍ أكبر، ونخرج بمعنى يجعل القلب أكثر سكينة، والعقل أكثر إنصافًا.


فالحياة لا تُفهم دفعةً واحدة، ولا تُختصر في كلمة، وإنما تُقرأ كما تُعاش... حرفًا بعد حرف، ومدادًا بعد مداد.


---


حين يُنسى السلام...


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


ليست تحيةً فحسب... بل دعاء.


حين نقول: السلام عليكم، فإننا ندعو لمن أمامنا بالأمان والطمأنينة، وأن يكون سالمًا من الخوف والأذى.


وحين نقول: ورحمة الله، فإننا نسأل الله أن تحيطه رحمته، وأن يفيض عليه من لطفه وعفوه.


وحين نقول: وبركاته، فإننا ندعو له بالخير والنماء والبركة في عمره ورزقه وأهله وعمله.


فأيُّ كلامٍ أجمل من كلامٍ يبدأ بالدعاء للآخرين؟


وأيُّ بابٍ إلى القلوب أوسع من باب السلام؟


وقد جعل الإسلام إفشاء السلام سبيلًا إلى المحبة، وربط المحبة بكمال الإيمان، فقال رسول الله ﷺ:


«لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلَا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم.»


رواه مسلم.


ومع ذلك، قد تمر هذه الكلمات العظيمة في بعض المواقف كأنها لم تُقَل.


يلقي إنسانٌ السلام، فلا يجد جوابًا؛ لا لأن صوته لم يُسمع، ولا لأن المكان كان مزدحمًا، وإنما لأن من تلقّى السلام اختار أن يتجاوزه، كأن التحية أقل من أن يُلتفت إليها، أو كأن صاحبها لا يستحق جوابًا.


وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بكلمةٍ قيلت ولم تُرَدّ فحسب، بل بما يكشفه الموقف من نظرة الإنسان إلى الآخرين، ومن فهمه للمكانة، ومن أثر تصرفه في نفس من أمامه.


فالمواقف الصغيرة ليست صغيرةً دائمًا.


فقد تكشف لحظةٌ واحدة ما لا تكشفه أحاديثٌ طويلة، وقد يُظهر تصرفٌ عابر حقيقةً ظلت مستترةً خلف الألقاب، والصور الرسمية، والكلمات المنتقاة.


قد يبدو الإنسان في المجالس لبقًا، وفي المنابر متزنًا، وفي حضرة من يراهم مهمين بشوشًا ومهذبًا؛ لكن أخلاقه الحقيقية قد تظهر في لحظةٍ لا ينتظر فيها مدحًا، ولا يخشى نقدًا، ولا يرى أمامه من يعتقد أنه يحتاج إليه.


هناك...


تسقط الأقنعة.


فالإنسان لا يُعرف فقط من طريقته في التعامل مع من هم أعلى منه منزلة، أو مع من يرجو عندهم مصلحة، بل يُعرف أكثر من طريقته في التعامل مع من يظن أنهم لا يملكون له نفعًا ولا ضرًّا.


وردُّ السلام لا يحتاج إلى وقت، ولا إلى جهد، ولا إلى مكانة، ولا إلى استعدادٍ خاص. إنه كلمةٌ يسيرة، لكن الامتناع عنها قد يترك أثرًا كبيرًا؛ لأن بعض الصمت لا يكون فراغًا، بل رسالة.


وقد يتساءل المرء أمام هذا السلوك:


أهو كِبْرٌ خفي؟


أم شعورٌ بالتفوق؟


أم اعتيادٌ جعل الإنسان لا ينتبه إلى الآخرين؟


أم وهمٌ بأن المكانة تُصنع بالتجاهل؟


لا نستطيع أن نجزم بما في النفوس؛ فالله وحده يعلم السرائر، ولا يحق لنا أن نفتش في نيات البشر، أو أن ننصّب أنفسنا قضاةً على قلوبهم.


لكننا نستطيع أن نتأمل الأفعال وآثارها.


فالأخلاق لا تُقاس بالنوايا المعلنة، وإنما بما يصل إلى الناس من أفعالنا، وبما تتركه تصرفاتنا في نفوسهم.


قد لا يقصد الإنسان الإهانة، لكن تجاهله قد يُشعر الآخر بها. وقد لا يرى في صمته شيئًا، بينما يراه الطرف المقابل انتقاصًا، أو استعلاءً، أو إلغاءً لوجوده.


ولذلك، فحسن الخلق ليس مجرد ما نعتقده عن أنفسنا، بل ما يلمسه الآخرون في تعاملنا.


لسنا مطالبين بأن نفتح أبواب الصداقة لكل من نلقاه، ولا بأن نصطنع المودة، ولا بأن نبالغ في المجاملة؛ لكننا مطالبون بألا نسلب الناس أبسط حقوقهم الإنسانية، وألا نجعل المكانة، أو المنصب، أو المزاج، حاجزًا يمنع كلمةً طيبة أو ردًّا كريمًا.


فالسلام لا ينتقص من الهيبة، بل يزيدها.


والتواضع لا يُسقط المكانة، بل يرفعها.


والإنسان الكبير لا يحتاج إلى تجاهل الآخرين حتى يبدو كبيرًا؛ لأن من يثق بقيمته لا يخشى أن يمنح الناس قدرهم.


وربما كان الأجدر بنا، قبل أن نسأل: لماذا لم يرد فلانٌ السلام؟ أن نسأل أنفسنا:


كيف نتلقى نحن تحيات الآخرين؟


هل نردها بحرارةٍ وصدق؟


هل نلتفت إلى من يحدثنا؟


هل نشعر الناس بأن وجودهم مقدَّر؟


أم أننا، من غير أن نشعر، نكرر السلوك نفسه حين نكون منشغلين، أو متضايقين، أو مطمئنين إلى مكانتنا؟


فالمواقف لا تُكتب دائمًا لنحاكم الآخرين، بل لنراجع أنفسنا.


قد نقرأ موقفًا فنرى فيه شخصًا نعرفه، لكن الحكمة الحقيقية تبدأ حين نرى فيه شيئًا من ذواتنا.


السلام ليس اختبارًا للسان...


بل اختبارٌ للنفس.


اختبارٌ للتواضع، ولحضور القلب، ولقدرة الإنسان على أن يرى من أمامه إنسانًا يستحق الاحترام، بصرف النظر عن منصبه، أو اسمه، أو مكانته.


والسلام لا يكشف أخلاق من ألقاه...


بل يكشف أخلاق من تلقّاه.


فمن ردّه بأحسن منه، أظهر سعة نفسه وجمال خلقه. ومن ردّه بمثله، أدّى حقًّا وحفظ ودًّا. ومن تجاهله، فقد لا يكون أسقط كلمةً عابرةً فحسب، بل ربما أسقط شيئًا من صورته في قلب من أمامه.


وما أسرع الصور التي تصنعها التفاصيل، وما أصعب إصلاحها بعد أن تستقر في النفوس.


لذلك، حين يلقي عليك أحدهم السلام، لا تنظر إلى مكانته قبل أن ترد، ولا تسأل نفسك ماذا يريد منك، ولا تجعل انشغالك، أو مزاجك، أو منصبك، عذرًا دائمًا.


تذكّر فقط أن إنسانًا دعا لك بالسلام، والرحمة، والبركة...


فهل يليق بالدعاء أن يُقابل بالتجاهل؟


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


د. حسين عبد الله الراشد@

رؤيا بقلم الراقي بهاء الشريف

 رُؤْيَا


في البدءِ…


لم تكنِ الجهاتُ تعرفُ أسماءَها.


كانتِ الرِّيحُ

تمضي،

فتوقظُ في الفراغِ

طريقًا.


وكان الماءُ

يجري،

دون أن يسألَ الضفافَ

إلى أين.



وكانتِ الأشجارُ،


كلما أوغلتْ في الضوء،


ازدادَ يقينُها

بالتراب.


فالجذورُ…


لا ترى،


لكنها

لا تُخطئُ الطريق.



وكانتِ الطيورُ


تقرأُ الريحَ


كما تُقرأُ صلاةٌ قديمة،


فلا تُغريها الجهاتُ،


ولا يُتعبُها الوصول.



وكان الماءُ،


كلما حملَ وجهَ السماءِ،


أعاده إليها


دون أن يحتفظَ بصورة.


كان يعرفُ


أن الصفاءَ


لا يُورِّثُ


إلا الجريان.



ولم يكنِ الصدى


يُعيدُ الأصواتَ…


كان يُكملُ


ما عجزَ الصمتُ


عن حمله.



ثم…


وقفَ الإنسانُ


في قلبِ الرؤيا.


وأخذَ يُسمِّي.


سمَّى الريحَ…


اتجاهًا.


وسمَّى الطريقَ…


غايةً.


وسمَّى الماءَ…


مرآةً.


وسمَّى الظلَّ…


ليلًا.


وكلما منحَ الأشياءَ


اسمًا،


ابتعدَ


عن اسمِه.



حتى إذا


تعبتِ الأسماءُ…


هبَّتِ الريحُ


مرةً أخرى.


لا لتقتلعَ شجرةً،


ولا لتغيِّرَ جهةً،


بل لتكشفَ


أن العالمَ


كان يكتملُ


كلما


قلَّتْ أسماؤه

بقلمي

بهاء الشريف

٢٠٢٦/٧/١٦

نداء التحرير بقلم الراقية حنان عبد الفتاح

 نداء التحرر: 

عندما يكون البقاء خيانة

كفى.. فوجوده في مدارك ليس إلا استنزافاً لضوئك، وثقلاً ينهك خطوتك. آن الأوان لتخلعي ذلك الرداء الضيق من الحزن، فهو لم يُخلق لجسدك ولا يليق بروحك.

لماذا التمسك بوجعٍ يقتات على عافيتك؟

تلك المشاعر التي تنهش طمأنينتك وتكسر كبرياءك لا تستحق منكِ دمعة أخرى. انصرفي الآن، وبكل هدوء، واتركيهم في عالمهم الذي اختاروه.. علّهم يجدون في بعضهم ما يبحثون عنه.

حقائق لا تقبل التأجيل:

 * الميزان المائل: لقد باتت سعادتكِ في نظره هامشاً منسياً، بينما سعادتها هي النصُّ والغاية.

 * الأمانة الذاتية: لا تكوني أنتِ والزمن والخذلان عليهـا؛ لا تخوني نفسكِ بالبقاء كما خان هو العهد بالرحيل.

 * قيمة النفس: إذا كنتِ قد هُنتِ عليه، فلا تهوني على قلبكِ. لا تقتربي من أبواب الإهمال، فخلفها لن تجدي إلا صدىً يؤلمكِ وجفاءً يكسركِ.

ارحلي..

ليس هرباً، بل عودةً إليكِ. ارحلي بكرامة من لا يقبل أن يكون "خياراً ثانياً" في حياة شخص كان بالنسبة له الخيار الوحيد.

"الرحيل عن مَن لا يرى قيمتك، هو أول خطوة في العودة إلى موطنك الحقيقي: نفسك."

حنان عبد الفتاح

رياض الحياة بقلم الراقية جميلة مازيغ

 رياضُ الحياة


إنَّ الحياة جميلةٌ كخميلةٍ

بلْ كالجداولِ ماؤهَا مترقْرِقُ


هي بينَ أحضانِ الطَّبيعةِ رونقٌ

رقراقةٌ بينَ الرُّبا تتدفَّقُ


هذا الرُّواءُ ومَا شهدْنَا مثلَهُ

في الرَّوضِ أسرابُ الطيور تُشفشقُ


عبقُ الطَّبيعة أيكةٌ مُخضَوبةٌ

بلْ كالكُؤوسِِ بهَا الرحيقُ يُعتَّقُ

 

هيٌَ فِي الجمالِ تسوَّرتْ مِحْرابهُ

شُهُبُ السَّماءِ، وبدرُهَا يتألِّقُ


ما العيشُ بينَ رُبوعها لوْ لمْ تكنْ

عبقًا وبعضُ أريجها يُستنشقُ


قدْ سالَ حبرٌ والحروفُ تجمَّعتْ

 عقدًا ونظْمًا للحياةَِ منمَّقُ


قدْ سامرَ اللَّيلُ النُّجومَ بهَا اهْتدى

 والنجمُ قدْ كسر الظَّلام يُحلِّقُ


إنْ تُدبرِ الأيامُ في الغدِ تقبلُ

والشَّمسُ منْ بعدِ المغيبِ ستُشْرِقُ


ما الغدرُ طبعٌ بالحياةِ وإنّما

كفٌّ لهَا، كرمًا بِها تتصدَّقُ


لا يُستهان بهَا الحياةُ وإنَّمََا

العيشُ فيها يستطابُ ويُعشقُ


✍️جميلة مازيغ


الرُّوَاءُ : حُسن المنظر في البهاء والجمال