الجمعة، 17 يوليو 2026

خيال بقلم الراقية اتحاد علي الظروف

 خيال  

......


بين أوراقكِ وجهٌ قديم،  

تتأرجح الأغصانُ كستائرٍ خضراء،  

تخفي ملامحه،  

ثم تهبُّ الريحُ،  

فتنزاح الأوراقُ كستائر مسرح،  

ويطلُّ من بين الفجواتِ طيفٌ غريب...  


أمدُّ يدي لألتقط معالمه،  

فتعود الأغصانُ،  

تغطيه،  

تخفيه،  

كأنها تخشى أن يُبعث 

من جديد...  


هل ترسم الطبيعةُ وجهًا؟  

أم أنني أنا من أُحيي خيالًا،  

وأُلبسه ملامحَ من ذاكرتي؟  


كم تبرع الأغصانُ والأوراقُ  

في تشكيل الصور،  

فهل أبرع أنا  

في التقاطها،  

وفي إيقاظ ملامحٍ نائمةٍ في أعماقي؟  


أم أنكِ، أيتها الشجرة،  

تخففين حزني بإيحاءٍ خفي،  

وتداعبين خيالي،  

ليظلَّ ذلك الوجهُ الجميل  

يظهرُ ويختفي،  

كحلمٍ يتأرجح بين الغياب والعودة...  

بقلم : اتحاد علي الظروف 

سوريا

صك الخلود بقلم الراقي د.محمد شعوفي

 صك الخلود:

في سكون المحطات المتقدمة من رحلة العمر، نقف طويلاً نتأمل وجوه العابرين، ونقرأ في كتاب العلاقات الإنسانية التي ملأت أيامنا بالصخب والهدوء. 

وليست هذه العلاقات بما يُقال فيها من كلماتٍ منمقة، ولا بما يُعلن عنها في لحظات الصفا من مشاعر عابرة، وإنما بما يبقى منها راسخاً كالجبال حين تهدأ العواصف، وتشتد المحن، وتتكشف معادن النفوس. 

وعند تلك اللحظات الفاصلة من عمر الزمن، ينقشع الضباب فلا يبقى في الميدان سوى خُلُقٍ واحدٍ يكشف حقيقة الود ويمنحه صك الخلود. 

في زمنٍ تتسارع فيه الخطى، وتتزاحم المشاعر، وتتنازع القلوب بين رغباتٍ آنية عابرة والتزاماتٍ إنسانية هشة، يبرز السؤال الأكثر عمقاً وإلحاحاً: كيف نميز الحب الصادق والود الأصيل من زيف الادعاء؟ وهل هناك ميزانٌ أخلاقي لا يخطئ في وزن القلوب قبل أن تقذف بها الحياة في مهب التقلبات؟

الجواب يكمن في كلمةٍ واحدة، هي نبض العلاقة وجوهرها الأسمى، وأصدق مسبارٍ يُكشف به معدن الإنسان:

الوفاء. فهو نجمٌ وضاء لا يأفل في ليالي الحياة الحافلة بالظلمة، يهدي الحيارى، ويرسم لهم معالم الطريق وسط ضباب الأهواء المتقلبة. 

والوفاء ليس قيداً يثقل كاهل الروح، ولا سياجاً يحبس حرية المشاعر، بل هو أسمى تجليات الحرية الداخلية؛ لأنه التزام أخلاقي واعٍ يختاره الإنسان بملء إرادته، ليعلن به أن الإنسان أرفع من أن تحركه نزوة، وأن الصدق أبقى من كل إغراء، وأن المبادئ الحقة ثابتة لا تبدلها الظروف. 

إن هذا الخلق النبيل ليس عبئاً يُلقى على الأكتاف، بل هو فيضٌ ينبع من نقاء السريرة وسخاء النفس، وترجمة عملية للمبادئ التي يؤمن بها المرء عندما يقف في مواجهة أشد اختبارات الحياة وعورة.

وهو بناءٌ شامخ لا يُشاد بين عشية وضحاها، وإنما يُقام لبنة فوق لبنة، ويقوى بالاحترام المتبادل، ويربو بالثقة المطلقة، ويزهر بالصدق الصافي، حتى يصير في نهاية المطاف هو العهد كله، لا مجرد ركنٍ من أركانه.

وكل يومٍ نعيشه يمنحنا فرصةً جديدة لنضيف مدماكاً في هذا الصرح، ولنثبت أن الوداد الحقيقي لا يقتات على المنّ والعبارات الرقيقة، بل يتجسد في مواقف صلبة، وأفعال هادئة، وتضحيات صامتة لا ترجو تصفيقاً ولا تبحث عن ثناء. 

وحين تسكن المحبة سويداء قلوبنا، نبقى أوفياء حتى في غياب العيون، ومخلصين وراء حجب الغيب؛ لأن الوفاء الحقيقي لا يحتاج إلى رقباء أو شهود، فهو شهادة صامتة يوقعها القلب أمام قاضي الضمير، وامتحانٌ مهيب لا يجتازه إلا من ملك شجاعة مصارحة ذاته قبل ملاقاة الآخرين. 

ولعل أبهى ما في الوفاء أنه يتجاوز حدود العلاقة بين المحبين، ليمد ظلاله الوارفة فيشمل الأسرة، والصداقة، والعهود، والوطن، والرسالة الإنسانية، بل إنه يبدأ أولاً بالوفاء للذات؛ فمن خان قيمه واستهان بضميره، استحال عليه أن يكون وفياً لغيره. 

ومن هنا يغدو الوفاء المرآة المصقولة للحب الصادق، والبرهان القاطع على أن الرابطة ليست نزوة عابرة، بل مسيرة حياة كاملة، وأن القلوب العظيمة لا تُقاس بفيض وعودها، بل بجميل ثباتها. 

وهنا تحديداً تتجلى الحكمة الأعمق: 

فالحب بلا وفاء جسدٌ بلا روح سرعان ما يعتريه الذبول، والوفاء بلا حب يتحول إلى طقس بارد وعادة جامدة تخلو من نسائم الدفء. 

أما حين يعتنق الحبُّ الوفاءَ، يولد الإخلاص؛ ذلك الإكسير الفريد الذي يسامي بالإنسان فوق أنانيته، ويطهره من شهوة التملك، ليحلق به في فضاءات العطاء الطوعي، ونبل التضحية، وطمأنينة الضمير الساكن. 

فالوفاء، إذن، ليس شعاراً يُرفع في المحافل، ولا جملة تزوق بها الألسن مسامع الناس، بل هو كفاح يومي، وقرار وجودي يتجدد مع إشراقة كل صباح، وإرادة حية تُختبر مع كل منعطف، ومسؤولية كبرى تمنح الوجود الإنساني معناه وقيمته. 

فلنجعل من الوفاء عقيدةً وسلوكاً لا تفرضه إملاءات الظروف، بل تمليه أصالة القيم، وليكن البوصلة التي نستهدي بها في دروب تواصلنا؛ لأنه الضمانة الوحيدة لحفظ صفاء الوداد، ونقاء السريرة، وكرامة الإنسان. وعندما تنطوي صفحات الأيام، وتتوارى الكلمات في غياهب النسيان، وتذبل المظاهر المادية البراقة، لن يبقى في ذاكرة الوجود إلا أثر الوفاء؛ فهو الإرث الروحي الذي لا تسلبه السنون، والنور الدافئ الذي يظل يوقد في عتمة القلوب. 

فماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله، إن لم يبقَ صدى وفائه في قلوب من أحبهم؟ 

بقلم:

د. محمد شعوفي  

16يوليو 2026م.

الجمهورية المؤجلة بقلم الراقي الأثوري محمد عبد المجيد

 **الجمهورية المؤجّلة**

**الفصل الخامس عشر: الجمهورية التي لم تولد بعد**


في نهاية كل حديث طويل عن الحرب،

لا يبقى سوى سؤال واحد، عارٍ من كل الشعارات:

ماذا بقي؟


أما في اليمن، فالسؤال أكثر وجعًا:

ماذا بقي لم تمتد إليه يد الخراب؟


مدن فقدت ملامحها،

اقتصاد تكسرت عظامه،

مؤسسات تشظّت حتى عجزت عن تذكّر صورتها الأولى،

ومجتمع نثرت الحرب خيوطه في كل اتجاه.

حتى الذاكرة لم تسلم،

فأصبحت ميدانًا تتصارع فيه الروايات،

كما تتصارع البنادق على الأرض.


ومع ذلك كله،

ثمة شيء لم تستطع الحرب أن تحسمه:

فكرة اليمن.


لا بوصفها حدودًا مرسومة على خريطة،

بل بوصفها احتمالًا ما يزال يقاوم الانطفاء،

ووعدًا مؤجلًا بأن يصبح هذا البلد وطنًا،

لا غنيمة يتنازعها المنتصرون.


هنا يتجلى المعنى الحقيقي للجمهورية المؤجّلة.


ليست مجرد حكومة غابت،

بل وطن ظل عالقًا عند لحظة الميلاد،

تتنازعه المشاريع،

وتثقله الهزائم،

وتؤجل ولادته كل حرب جديدة.


والفراغ لا يعرف البقاء فراغًا.


فحين تنسحب الدولة،

تزحف إلى مكانها سلطات الأمر الواقع،

تتمدد شبكات المصالح،

وتزدهر اقتصادات لا تعيش إلا على استمرار الانهيار.


وعندها،

تبقى الجمهورية كلمة تتردد في الخطب،

بينما تغيب عن حياة الناس.


غير أن أخطر ما تصنعه الحروب ليس سقوط الدول،

بل اعتياد الناس على سقوطها.


حين يصبح الانقسام قدرًا،

والخوف أسلوب حياة،

والمواطن تابعًا لقوة تحميه، لا لقانون يصونه.


---


ومع ذلك،

لم تمت اليمن.


ما تزال بين أبنائها روابط خفية،

ومصالح لا تستطيع الجغرافيا تمزيقها،

ولغة تجمع ما فرقته السياسة،

وذاكرة مثقلة بالجراح، لكنها تعرف طريقها إلى بيتها الأول.


ولذلك،

فالسؤال الحقيقي ليس:

كيف نعيد اليمن إلى ما كان؟

فالزمن لا يعود إلى الوراء.


السؤال الأصدق هو:

كيف نحمي ما بقي من فكرة اليمن،

قبل أن يصبح التمزق واقعًا لا يُرتق،

وقبل أن يكبر جيل لا يعرف من الوطن إلا اسمه؟


---


أما الجمهورية التي تستحق أن تولد،

فليست تلك المثالية التي تسكن الكتب،

ولا تلك التي تُستورد مع التسويات.


إنها دولة تبدأ من الإنسان.


دولة تدرك أن إنقاذ الحياة يسبق كل مشروع آخر،

وأن العدالة لا تزهر فوق أرض ما تزال تنزف.


دولة تقيس قوتها بعدد من تحميهم،

لا بعدد من تهزمهم.


ودولة ترى مستقبلها في عيون أطفالها،

لا في فوهات مدافعها.


والوصول إلى ذلك،

لا يحتاج إلى تبديل الحكام وحده،

بل إلى تبديل طريقة تفكيرنا.


أن نغادر سؤال: من يغلب من؟

إلى سؤال: كيف نعيش معًا؟


ذلك هو الانتصار الأصعب.


فالحروب قد تنتهي بتوقيع،

لكن الوطن لا يولد في بيانات النصر.


الوطن يولد،

حين يؤمن أبناؤه أن لا أحد يربح،

إذا خسر الجميع.


----


#محمد_عبدالمجيد_نعمان_الأثوري. 2026

#الجمهورية_ال

مؤجلة

#اليمن

#الفصل_الخامس_عشر

#ترميم_الإنسان

#سيكولوجية_الشعوب

#وعي_يمني

#النجاة_الجماعية

#الاستنزاف_المنهجي

عندما يبكي الصمت بقلم الراقي ناصر صالح أبو عمر

 عندما يبكي الصمت

هناك أوجاعٌ لا تُحكى، لأن الكلمات تقف عاجزة أمام عظمتها، وهناك دموعٌ لا تسقط من العين، بل تسكن في أعماق الروح حتى يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة التي يفهمها القلب.

نمضي في هذه الحياة ونحن نحمل فوق أكتافنا حكاياتٍ لم يسمع بها أحد، نبتسم كي لا يرى الناس انكسارنا، ونقول: "نحن بخير"، بينما في داخلنا ألف سؤالٍ يبحث عن جواب، وألف جرحٍ ينتظر يدًا تربّت عليه.

ما أصعب أن يكون الإنسان قويًّا أمام الجميع، ثم يعود إلى نفسه فيجدها تحتاج إلى حضن الرحمة، إلى كلمة تطمئنها، إلى دعاء يرفع عنها ثقل الأيام.

لكنني تعلمت أن الله لا يترك قلبًا لجأ إليه، ولا يضيّع روحًا علّقت رجاءها به. فربّ لحظةٍ ظنناها نهاية الطريق، كانت في الحقيقة بداية نجاة لم نكن نراها.

يا رب... أنت تعلم تلك المعارك التي خضناها ولم يخبر بها أحد، وتعلم عدد المرات التي أخفينا فيها وجعنا خلف ابتسامة، وتعلم كم مرةٍ قلنا "الحمد لله" ونحن نحاول أن نجمع شتات قلوبنا.

فاجعل لنا من لطفك جسرًا نعبر به فوق كل ألم، ومن رحمتك نورًا يبدد عتمة الطريق، ومن كرمك فرحًا يأتي في الوقت الذي نظنه مستحيلًا.

فليس أقوى من قلبٍ كسرته الحياة ثم أعاد بناءه الإيمان، وليس أجمل من إنسانٍ خرج من بين الركام يحمل في يده وردة، وفي قلبه يقين بأن الله كان معه في كل لحظة.

سيأتي يومٌ نفهم فيه لماذا تأخر الفرج، ولماذا طال الانتظار، ولماذا مررنا بكل تلك الطرق الصعبة؛ لأن الله كان يهيئ لنا شيئًا أعظم مما طلبنا، وأجمل مما حلمنا.

فلا تحزن يا قلب... فإن الذي خلقك يعلم وجعك، والذي يعلم وجعك لن ينسى دعاءك.

بقلم: ناصر صا

لح أبو عمر

إليك بقلم الراقية عبير ال عبد الله

 إليك

إلهي...

كلما أثقلني ضجيج الخلق، آويت إلى سعة ملكوتك، فإذا الأرض تصغر، وتتسع السماء في قلبي.

هناك... لا أعد خيباتي، ولا أسترجع وجوها عبرت، كأن الأرواح إذا دنت منك نسيت ما أثقلها.

ومع تغريدة طير عند الفجر، يهفو إليك قلبي، كأنه يعرف الطريق قبل أن تعرفه خطاي.

وورقة خضراء داعبتها نسمة هادئة، مرّت على روحي فمسحت عنها غبار الألم، فعلمت أن في أصغر آياتك شفاءً لا تبلغه الكلمات.

أرفع بصري، فأرى ملكوتك يفيض بالحكمة؛ نجمة لا تضل، وغيمة لا تمطر إلا بإذنك، ووردة لا تتفتح إلا حين تأذن لها بالحياة.

فأخجل أن ينشغل قلبي بما يقوله الناس، وأنت تملأ الكون بآيات حضورك.

إلهي... ما وجدت غيرك محبوبا، ولا وجدت لروحي مأوى إلا في رحاب قربك.

فخذني إليك... خذني من ضيق النفس إلى سعة أنسك، ومن وحشة الخلق إلى ألفة ذكرك، حتى لا يبقى في القلب إلا نورك، ولا في العين إلا آثار جمالك، ولا في الروح إلا الشوق إليك.

فإن كان لي وطن، فقربك وطني، وإن كان لي أنس، فذكرك أنسي، وإن كان لي رجاء، فأنت الرجاء.

فدعني أقف على بابك ولا أُرَد، وأدعوك ولا أخيب، وأحبك حتى يغيب كل شيء، ولا يبقى في القلب... إلا أنت.


بقلمي عبير ال عبدالله 🇮🇶

الخميس، 16 يوليو 2026

الرسالة التي لم تفتح بقلم الراقي حسين عبدالله الراشد

 من أسرار البلاغة العربية


الرسالة التي لم تفتح منذ ألف عام


ليست الحضارات بما شيدت من قصور، ولا بما خلفت من آثار، بل بما غرسته في الإنسان من فكرة، وما أورثته للأجيال من كلمة بقيت حية بعد أن صمتت الألسنة، واستمرت تهدي العقول بعد أن غاب أصحابها. ومن بين أمم الأرض، لم تعرف أمة قدست الكلمة كما عرفها العرب، حتى جعلوا للحرف ميزانا، وللمعنى رسالة، وللجمال غاية، وللبيان طريقا يبلغ بالعقل القلب، وبالقلب الحقيقة.


ولم تكن العربية عظيمة لأنها أكثر اللغات مفردات، ولا لأنها أوسعها اشتقاقا، بل لأنها أدركت منذ فجرها أن الكلمة ليست لفظا يقال، وإنما أمانة تحمل، ومسؤولية تؤدى، وأثر يبقى. فلم تترك الحرف نهبا للاضطراب، ولا المعنى أسير المصادفة، ولا الجمال رهين التكلف، بل شيدت للكلمة علوما تحرسها، حتى غدت العربية لا تعلم الإنسان كيف يتكلم فحسب، بل كيف يفكر، وكيف يشعر، وكيف يجعل من الكلمة رسالة، ومن البيان حضارة.


فكان النحو حارس اللسان، والصرف مهندس البنيان، ثم جاءت البلاغة، لا لتزين الكلام، بل لتوقظ روحه، حتى إذا خرجت الكلمة من صاحبها، بلغت العقل قبل السمع، والقلب قبل الذاكرة.


ومن رحم البلاغة ولدت ثلاثة علوم عظيمة، لم يعرف واحد منها طريق الكبرياء، لأن كل واحد منها كان يدرك أن اكتماله في صاحبيه؛ علم المعاني الذي يمنح الكلمة حكمتها، وعلم البيان الذي يكسوها صورتها، وعلم البديع الذي يهبها جمالها. فإذا اجتمعت هذه الثلاثة، لم يولد كلام حسن فحسب...


بل ولدت الكلمة التي تعيش أطول من صاحبها.


فالكلمات قد تملأ السطور... أما البلاغة فتملأ العصور.


وقد ينسى التاريخ أسماء المتكلمين... لكنه لا ينسى الكلمة التي أيقظت عقلا، أو أحيت أمة، أو صنعت إنسانا.


ولعل أبلغ ما يروى في ذلك...


أن أمناء إحدى المكتبات العربية العتيقة، وبينما كانوا يزيحون غبار القرون عن خزائن لم تمتد إليها يد منذ أزمان بعيدة، عثروا على رق قديم، لم يحمل اسم مؤلف، ولا تاريخ كتابة، ولا خاتما يعرف بصاحبه.


لكن الذي استوقفهم...


لم يكن قدم الرق...


ولا اصفرار صفحاته...


بل عنوانه.


"من البلاغة... إلى أبنائي."


لقد مضت قرون طويلة منذ افترقنا، حتى حسب الناس أن البلاغة اسما يردد، لا روحا تسكن الكلمة، وأنها زينة تلحق بالكلام بعد اكتماله، وما علموا أنها أول ما يولد فيه، وآخر ما يفارقه.


لقد رأيت أقلاما تكثر من الألفاظ، وتفتقر إلى المعاني...


ورأيت خطباء تهتز لهم المنابر، ولا تهتز لهم القلوب...


ورأيت شعراء أحكموا الوزن، وأضاعوا نبض الفكرة...


ورأيت كتّابا بهروا الأبصار بعباراتهم، لكنهم عجزوا أن يبنوا عقلا، أو يوقظوا ضميرا، أو يتركوا أثرا.


فعلمت أن كثيرا من الناس حفظوا أسماءكم...


ولكن قليلا منهم أدرك رسالتكم.


فليس كل فصيح بليغا...


وليس كل جميل مؤثرا...


فالبلاغة لا تقاس بما يقال... بل بما يبقى بعد أن يقال.


يا علم المعاني...


أنت أول من أودعت بين يديه سر الكلمة.


إياك أن تنشغل بحسن العبارة قبل صدق مقصدها.


فليس كل حق يقال في كل مقام...


وليس كل معنى يبلغ القلوب بالطريق نفسه.


ازن الكلمة قبل أن تخرج...


فإن موضعها جزء من معناها، كما أن معناها جزء من حياتها.


فالكلمة إذا أخطأت مقامها... أخطأت رسالتها.


وقد تكون العبارة صحيحة... ولكنها لا تبلغ حتى تعرف متى تقال، ولمن تقال، وكيف تقال.


ويا علم البيان...


لقد جعلتك عين المعنى التي يرى بها، ولسانه الذي ينطق به.


فلا تجعل الصورة تسبق الحقيقة...


ولا تجعل الخيال يحجب المقصود.


إن التشبيه لم يخلق للإبهار...


ولا الاستعارة للتكلف...


ولا الكناية للغموض...


ولا المجاز ليضل الطريق...


بل خلقت لتقرب البعيد، وتكشف الخفي، وتجعل المعنى يرى كما يرى النور في وضح النهار.


فإذا خدمت الصورة الحقيقة... خلدت الكلمة.


وإذا نافستها... ضاعتا معا.


وتذكر دائما...


وأجمل البيان، ما جعل القلوب تبصر ما عجزت العيون عن رؤيته.


ويا علم البديع...


أنت أكثر أبنائي تعرضا لسوء الفهم...


فكم من الناس حسبوك زينة للكلام، وما علموا أن الجمال إذا انفصل عن الحكمة، أصبح عبئا عليها، وأن اللفظ إذا تجمل بغير معنى، كان كالثوب الفاخر على جسد بلا روح.


إياك أن تجعل الحروف تتباهى بنفسها...


ولا تجعل السجع يطغى على الفكرة...


ولا تجعل الجناس يشغل السامع عن الرسالة...


ولا تجعل الطباق غاية بعد أن كان وسيلة.


فما خلقت لتستعرض الألفاظ حسنها...


بل لتمنح الحقيقة نورها.


فالجمال إذا خدم المعنى... ازداد المعنى إشراقا.


وإذا نافس المعنى... أطفأ نوره.


وتذكر دائما...


إن أجمل العبارات ليست أكثرها زخرفة... بل أكثرها صدقا.


فالحرف قد يدهش لحظة... أما المعنى فيبقى عمرا.


ثم ساد آخر الرسالة سكون...


لا يشبه سكون انتهاء الكلام...


بل يشبه سكون الحكمة بعد اكتمالها.


وفي أسفل الرق...


وجدوا كلمات كتبت بخط أكثر ثباتا، كأنها لم تكن خاتمة رسالة...


بل وصية البلاغة لأبنائها.


 إلى أبنائي جميعا...

@


إذا رأيتم الناس يختلفون فيكم...


فلا تختلفوا.


وإذا رأيتم أحدكم يفاخر بعلمه...


فليتذكر أن الكلمة لا يحملها علم واحد.


فالمعاني يمنحها عقلها...


والبيان يمنحها صورتها...


والبديع يمنحها جمالها...


أما البلاغة... فهي الروح التي تجمعكم جميعا.


واعلموا...


أن الكلمة لا تعيش لأنها جميلة...


بل لأنها صادقة.


ولا تخلد لأنها مزخرفة...


بل لأنها أيقظت إنسانا، أو أنارت عقلا، أو أصلحت قلبا.


وقد يظن الناس أن البلاغة باب من أبواب الأدب...


وهي في حقيقتها...


خلق قبل أن تكون علما.


وصدق قبل أن تكون صناعة.


وأمانة قبل أن تكون مهارة.


فإذا اجتمع الصدق، والحكمة، والجمال... ولدت البلاغة. 


ثم أعاد أمين المكتبة الرق إلى موضعه...


وأغلق الصندوق كما وجده...


لكن شيئا واحدا لم يستطع أن يعيده...


تلك الرسالة.


فقد خرجت من بين السطور...


ولم تعد حبيسة الرق...


بل مضت تبحث عن كل قلب يؤمن أن للكلمة رسالة، وللحرف أمانة، وللبيان مسؤولية.


وأدرك، في تلك اللحظة، أن البلاغة لم تكن تكتب إلى علم المعاني، ولا إلى علم البيان، ولا إلى علم البديع وحدهم...


بل كانت تكتب إلى كل من أمسك قلما...


وإلى كل من نطق كلمة...


وإلى كل من حمل رسالة.


وهنا...


ابتسمت العربية.


ولم تزد على كلمات قليلة...


لكنها كانت أثقل من مجلدات كاملة.


لا تكتبوا لتكثر الكلمات...


بل اكتبوا ليكثر أثرها.


ولا تتسابقوا إلى براعة العبارة...


بل تسابقوا إلى صدق الفكرة.


فليس البيان أن تبهر العيون...


بل أن توقظ البصائر.


وليست البلاغة أن تكسو الحقيقة ثوبا جديدا...


بل أن تكشف عنها الغبار، حتى يراها الناس كما هي.


ثم رفعت بصرها، وقالت:


قد تموت الأقلام...


وقد تجف المحابر...


وقد يغيب الكتّاب...


لكن الكلمة التي ولدت من الحق، وربتها الحكمة، ورسمها البيان، وجملها البديع...


لا تموت.


ثم أغلقت الرق...


لا لتطوي الرسالة...


بل لتفتح بابا جديدا لكل من يكتب.


وقالت، وكأنها تخاطب كل جيل يأتي بعدها:


أنا العربية...


لا أخلد بكثرة من يكتبني...


بل بصدق من يفهمني.


ولا أزهو بفصاحة اللسان...


بل بأمانة البيان.


فإذا صدق المعنى...


واستنار البيان...


وتجمل البديع...


ولدت البلاغة.


وإذا ولدت البلاغة...


لم تعد الكلمة حبرا على ورق...


بل أصبحت نورا يهدي، وأثرا يبقى، ورسالة لا يطويها الزمن.


د. حسين عبدالله الراشد


جميع الحقوق الأدبية محفوظة ©@

تركتك لله بقلم الراقية لعيشي مريم

 بمدادٍ من قلبي، وبعبقٍ من الروح، وكثيرٍ من الود، كتبتُ هذه الكلماتِ؛ أهديها إلى قلوبكم، وإلى كل قلبٍ استعفَّ واستغنى؛ لأنه اختار اللهَ فأغناه وكفاه. 


تركتك لله 


رأيتُ الحبَّ بعينيه همسًا، عطرًا، نجمًا، سَنًا،

فبدا كأنَّ الربيعَ من أيامي البائسةِ قد دنا. 

لكنني انسحبتُ قبل أن تبدأَ قصتُنا، 

و وضعتُ نقطةَ النهايةِ هاهنا. 


تركتك لله؛ فمن يعيدُك إليَّ سواه؟ 

تركتك و لم أكن أكذبُ حين قلتُ: أُحبك. 

أحببتُك حتى ظننتُ أنَّ قلبي موطنُك، 

و أنَّ اسمي يعزفُ في دمك لحنًا يخففُ عنك حُزنك. 


يا أنتَ، كنتَ قصيدتي المضمَّخةَ بالهوى،

التي لا أجرؤ على إلقائها في محرابِ الله علنًا. 

فدفنتُك بقلبي حيًّا، 

و قلتُ للشوقِ: كن سجَّانًا أمينًا. 


لكنني وقفتُ بين الله و بينك لحظةً، 

فرجحت كفَّةُ السماء.

قلتُ لله: رحماك ربي، 

خذني منه دون أن تغضب علينا،

أخرجْهُ مني برفقٍ بأمان، ولا تكسر قلبينا. 


رحلتُ و أنا أعرفُ أني أقطعُ وريدي بيدي، 

و أسمِّي ذلك وفاءً. 

أيُّ نُبلٍ هذا الذي يجعلني أبكي على من أُحب،

و أبتسمُ للقدرِ الذي سرقَه منِّي؟


لا تظنَّ يومًا أني نسيتُ،

النسيانُ لا يليقُ بمن ذاقَ الحبَّ واختار الله.

أنا فقط تعلمتُ أن أقولَ لوجعي:

صبرًا... ثم امضِ إلى حيث لا يصلُ أحدٌ سوى من تركوا لله،

فعوَّضهم اللهُ بهم. 


و إن سألوك عني،قل لهم:

كانت تحبني حبًّا لو قُسِم على القاسين لأزهرت قلوبُهم المتحجرة،

و تركتني حبًّا أعظم؛

لأنها خافت أن تكونَ حجابي عن الجنة.


فوداعًا....

ليس وداعَ عابرٍ، بل وداعَ من يسلمُ حبيبَه لله، 

و يقول: إن كان خيرًا لي فسيردني إليه الله، 

و إن لم يكن فحسبي أني ما عصيتُ الله فيه. 


بقلمي: لعيشي مريم

فتاة القمر الأسمر

الأربعاء، 15 يوليو 2026

المراد أنا بقلم الراقي عيساني بوبكر

 عنوان النص :المرادُ أنا


أَلَيْسَ فِيكَ دَمٌ


لَا يَعْرِفُ السَّكَنَا.


مُسَافِرٌ


يَعْبُرُ الشِّرْيَانَ،


وَالْوَطَنَا؟


أَمْ فِيكَ حُلْمٌ


تَمَاهَى


جَلَّ مَطْلَبُهُ،


فَاسْتَنْزَفَ الرُّوحَ،


وَالْأَجْفَانَ،


وَالْبَدَنَا؟


قالوا:

هجرتَ بحورَ الشعرِ


فاضطربتْ،


واستوحشتْ


لُجَجُ الألفاظِ


والمعنى.


قُلْتُ:


اسْتَرَحْتُ


فَأَعْيَا الْقَلْبَ


مُتَّكَئِي،


و غَادَرَتْ قَدَمِي،


وَاسْتَقْبَحَتْ


رَكْنَا.


حَرْفِي


يُطَارِدُ أَوْرَاقِي


فَيُرْهِقُهَا،


نَزْفُ الْقَصَائِدِ


نَارٌ


أَوْقَدَتْ


مَتْنَا.


جَفَّفَت


جَدْوَلَ حِبْرِي


مِنْ مَنَابِعِهِ،


وَمَا ارْتَوَى


خَاطِرِي،


فَاسْتَمْطَرَ


الْمُزْنَا.


سَلَكْتُ


أَرْصِفَةً


أَفْضَتْ بِقَافِيَتِي


إِلَى


حُدُودِ الثُّرَيَّا،


وَالْمُرَادُ


أَنَا.


بقلم الشاعر عيساني بوبكر 

البلد الجزائر

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

آه يا زمن بقلم الراقية انتصار يوسف

 آه يا زمن…

كم أخذتَ من أعمارنا ونحن نظنّ أنك تُهدي لنا الأيام،

وكم خبّأتَ في طيّاتك حكاياتٍ لم تكتمل، وأحلامًا تكسّرت على أبواب الانتظار.

آه يا زمن…

لماذا تمرّ مسرعًا حين نكون سعداء،

وتثقل خطواتك حين نكون في حاجةٍ إلى لحظةٍ من الفرح؟

سرقتَ منّا وجوهًا كنّا نحبها،

وأبعدتَ عن قلوبنا أصواتًا كانت تسكننا،

وتركتَ فينا صمتًا طويلًا لا يقطعه إلا الحنين.

لكن… رغم قسوتك،

تعلمنا منك أن القلب وإن انكسر،

يستطيع أن ينبض من جديد،

وأن الذكريات، مهما أوجعت،

تبقى أجمل ما نملك منك.

آه يا زمن…

لسنا نعاتبك،

نحن فقط نحاول أن نفهمك…

ونتعلّم كيف نحب الحياة رغما عنك.

بقلمي انتصار يوسف سوريا

أناقة الأفول بقلم الراقي محمد شعوفي

 أناقة الأفول:


 لماذا نربط النهايات دائماً بالانكسار، ونجعل من الرحيل مرادفاً للخيانة؟

هل كُتب على الإنسان أن يعيش وهم الأبدية في مشاعر تولد لكي تتبدل؟ 

إن أصعب ما يواجه القلب البشري ليس غياب الحب، بل تلك اللحظة الصامتة التي يدرك فيها أن شعلة اللقاء قد بدأت بالانطفاء. 

ومن هنا تولد هذه الكلمات؛ 

لا لتأبين علاقةٍ انطفأت، ولا لرثاء مشاعرٍ خبت. 

وإنما سعياً إلى فهمٍ أعمق لطبيعة القلب الإنساني، وإعلاءً لقيمة الصدق حين تتبدّل الأحاسيس، وللرحيل الكريم حين يصبح البقاء صورةً من صور الادعاء. 

في رحلة الحياة، نلتقي بأرواحٍ تشبهنا، وننسج معها أحلامًا وأماني، ونظن أحيانًا أن ما يجمعنا بها سيبقى إلى الأبد. غير أن الحياة تعلّمنا، برفقٍ تارة وبقسوةٍ تارة أخرى، أن كل شيء في هذا الوجود يخضع لقانون التحوّل والتغيّر، وأن المشاعر، مهما بلغت من السمو، ليست استثناءً من هذا الناموس الكوني. 

ففي أعماق النفس البشرية، حيث تتدفق المشاعر كأنهارٍ لا تعرف السكون، أقف اليوم على ضفاف التأمل. 

أتأمل تلك اللحظات الخفية التي يبدأ فيها الوهج بالتواري، كغروب شمسٍ لا يعلن رحيله بضجيج، بل ينسلّ في هدوءٍ خلف الأفق، تاركًا في السماء بقايا ضوءٍ يروي أن النهار كان هنا ذات يوم. 

إنني أدرك يقينًا أن المشاعر ليست قرارًا نصنعه متى شئنا، ولا عقدًا نُبرمه بإرادتنا وحدها. 

إنها زهرةٌ رقيقة تنبت في تربة التوافق، وتترعرع برعايةٍ متبادلة، وتسقيها الثقة والاهتمام. 

فإذا جفّت تلك المنابع، بدأ ذبولها بصمت. 

إنها تنبض حين تجد الصدى، وتخبو حين يطول الانتظار دون استجابة، حتى يغدو الصمت أبلغ من كل الكلمات. 

أستعيد في ذاكرتي تلك البدايات النقية التي كانت تشرق كأول خيطٍ من الفجر، حين يحمل القلب للآخر أنقى ما يملك من حبٍ وتقدير، ويعبّر عنه بعفويةٍ تشبه صفاء الماء. 

لكن الأيام، وهي تمضي في صمتها العميق، قد تحمل معها رياحًا لا تشتهيها القلوب. 

فإذا غاب الاهتمام المتبادل، وخبا ذلك الحرص الذي يروي الأرواح، بدأت المشاعر تتسرّب بهدوءٍ من بين الأصابع، كما تتسرّب حبات الرمل من قبضة اليد دون أن نشعر. 

إنها لا تموت فجأة، بل تنطفئ شيئًا فشيئًا، كشعلةٍ استنفدت زيتها حتى آخر قطرة، حتى يبلغ القلب محطةً لا رجعة بعدها، حيث لا يبقى اشتياق، ولا انتظار، ولا حتى فضولٌ للقاء. 

وهنا، عند هذه العتبة الصامتة، يبدأ الاختبار الحقيقي للنضج الإنساني. 

فلا أرى في الإصرار على ما انتهى بطولة، ولا في التمسك بما فقد روحه وفاءً؛ بل أختار، بوعيٍ كامل، ألا أُكره قلبي على شعورٍ لم يعد يسكنه، وألا أُحمّل الآخر وهمًا لا أملك تحقيقه. 

فذلك ليس إلا إرهاقًا للروح، وإيذاءً للطرفين، وتشويهًا لذكرى كانت تستحق أن تبقى جميلة. 

فلكل طريقٍ نهاية، ولكل علاقةٍ دورة حياة، وبعض الأبواب لا تُغلق لأن أصحابها أخطأوا، بل لأنها أدّت رسالتها واكتمل معناها. 

وأؤمن إيمانًا راسخًا بأن لكل روحٍ حقها في أن تعيش سلامها الداخلي، وأن ترسم مسارها بحريةٍ ومسؤولية. 

فلا يصح أن أبقى في علاقةٍ خلت من أهلها، لمجرد الخوف من مواجهة الحقيقة؛ فإجبار القلب على ما لا يريد ليس وفاءً، وإنما خداعٌ مؤلم للنفس وللآخر معًا. 

أما الوضوح، مهما بدا موجعًا، فهو البلسم الذي يحرّر الجميع من سرابٍ لا مستقبل له. 

وأرى، بعين البصيرة، أن أسمى مظاهر الاحترام هو ذلك الصدق الشفيف الذي لا يجرح كالسيف، بل يداوي كيدٍ حانية. 

فلا أمنح أحدًا وعدًا لا أملك الوفاء به، ولا أُبقي باب الأمل مواربًا بينما القلب قد غادر المكان، لأن ذلك خيانةٌ صامتة للحقيقة قبل الآخر. 

ففي هذا الصدق المتجرّد يكمن الجمال الخالد، لأنه يحفظ كرامة الطرفين، ويصون الذكريات من تشوّه الادعاء، ويجعل ما كان جميلًا يبقى جميلًا حتى بعد الرحيل. 

ولعل أعظم الوفاء للعلاقة ألا نُحمّلها ما لم تعد قادرةً على احتماله، وألا نطلب من القلب أن يؤدي دورًا لم يعد يؤمن به. 

فبعض النهايات ليست إعلانًا لانكسار المحبة، وإنما اعترافٌ بأن لكل شعورٍ عمرًا، ولكل لقاءٍ رسالته، وأن الحكمة ليست في مقاومة النهاية، بل في استقبالها بصدقٍ يحفظ الكرامة ويصون الذكرى. 

وإذ أتأمل جوهر العلاقات الإنسانية، أزداد يقينًا بأن الحب الناضج ليس تعلقًا يستنزف الإنسان، ولا ذوبانًا يلغي الذات، بل هو وعيٌ يمنح الحياة معناها، ويجعل المحبة فعلًا من أفعال الحرية لا القيد، ومن أفعال العطاء لا الامتلاك. وحين تخبو المشاعر، لا يعني ذلك بالضرورة فشلًا أو نقصًا، بل قد يكون بدايةً لمرحلةٍ أكثر صفاءً ونضجًا. 

فانطفاء الشعلة لا يمحو دفءَ نورها الذي أنار الطريق يومًا، ولا يلغي جمال اللحظات التي عشناها؛ بل يدعونا إلى أن نحتفظ بما كان جميلًا، وأن نتعلم مما مضى، وأن نغادر دون أن نُفسد الذكرى بمحاولات يائسة لإحياء ما انتهى. 

ما أجمل أن نفترق ونحن نحمل لبعضنا امتنانًا صادقًا، لا مرارةً ولا خصومة. 

فليست قيمة العلاقات بطول عمرها، وإنما بصدقها وهي تولد، ونبلها وهي تنتهي. فالعلاقات التي تحفظ الكرامة بعد الرحيل تظل، وإن انتهت، من أجمل ما مرّ في حياة الإنسان. 

وأدعو كل نفسٍ نبيلة إلى أن تحتضن هذا الدرس الإنساني العميق؛ فانطفاء المشاعر ليس مأساة، وإنما هو المرآة التي تعلّمنا أن كل بداية تحمل في داخلها احتمال النهاية، وأن النهاية، إذا زُيّنت بالصدق والاحترام، قد تكون بوابة العبور نحو نضج أعمق وسلام داخلي أشمل. 

فلنلتقِ بقلوبٍ صادقة، ولنرحل بقلوبٍ كريمة، ولنترك خلفنا أثرًا من الوفاء للحقيقة، لا ندبةً من الوهم. 

وربما كان السلام الحقيقي، في نهاية الأمر، ليس في تجنب الوداع، بل في صياغته كلوحةٍ تليق بما كان. 

فهل يُقاس وفاء القلوب بطول بقائها معًا، أم بجمال الطريقة التي تعرف بها متى ترحل؟ بقلم:

د. محمد شعوفي

14 يوليو 2026م

ما تبقى مني بقلم الراقي بهاء الشريف

 ما تبقّى منّي


لم يسرقني أحد…


كنتُ، في كلِّ مرةٍ،

أفتح نافذةً من روحي

وأدعو الريح للدخول.


ثم أتعجّب

كيف امتلأ البيتُ بالفراغ.



أمضيتُ عمرًا

أُصلح صورتي

في عيون الآخرين،


بينما كانت ملامحي،

في مكانٍ ما،

تنتظر أن ألتفت إليها.



لم تكن روحي صاخبة.


كانت تعرف

أن الحقيقة

لا ترفع صوتها.


ولهذا…

كلما ازدحم النهارُ بالأصوات،

انسحبت إلى ركنٍ هادئ،

تنتظر

أن أتذكّرها.



وكنتُ…


كلما ناداني أحد،

أسرعتُ إليه.


إلّا ذلك النداء

الذي كان يجيء

من أعماقي.


كنتُ أؤجّله دائمًا،

كأنني أملك

عمرًا آخر

لأعود.



حتى جاء يومٌ

لم يتغيّر فيه شيء.


الشوارع هي الشوارع.


والوجوه هي الوجوه.


والسماء

لم تُرسل علامةً جديدة.


الذي تغيّر…


أنني توقفتُ

عن الهرب.



عندها…


سمعتُ الصمت

لأول مرة.


ولم يكن الصمت

غيابَ الكلام.


كان امتلاءً

بصوتٍ

نسيته طويلًا.



سألني…


دون عتاب:


أما آنَ لك

أن تعيش

بوجهٍ واحد؟


فسقطت،

في لحظةٍ واحدة،

كلُّ الوجوه

التي أتقنتُ ارتداءها.


ولم يبقَ…


إلّا وجهي.



ومنذ ذلك المساء،


لم أصبح

إنسانًا آخر.


بل كففتُ

عن إضاعة

الإنسان

الذي كنتُه.



وحين مرَّ الحب…


لم يجد قلبًا

يطلب النجاة.


وجد قلبًا

يعرف الطريق

إلى نفسه.


فجلس…


لا ليُكملني،


بل ليشاركَني

اكتمالي.



أعرف الآن…


أن أكثر ما يُتعب الإنسان

ليس طول الطريق…


بل أن يمشيه

وهو يبتعد،

في كل خطوة،

عن نفسه.


وأعرف أيضًا…


أن العودة

لا تبدأ

حين نجد الطريق…


بل حين نكفُّ

عن الهرب

بقلمي

بهاء الشريف

٢٠٢٦/٧/١٤

مجلس حراس الضاد بقلم الراقي حسين عبدالله الراشد

 مجلس حراس الضاد


مشهد أدبي متخيل في حضرة العربية وعلمائها


ليست اللغة أصواتا تعبر الهواء، ولا حروفا تستقر على الورق...


اللغة عمر أمة، وذاكرة حضارة، وصوت التاريخ حين يتحدث، وهي الوطن الوحيد الذي يحمله الإنسان معه أينما ارتحل.


هي الجسر الذي يعبر عليه الماضي ليصافح الحاضر، والنبض الذي يصل الأجيال بعضها ببعض. فإذا ضاعت اللغة، ضاعت الحكايات، وغدا الماضي غريبا عن أبنائه.


قد تبنى المدن بالحجارة، وتشيد القصور بالرخام، وترسم الحدود بالسيوف...


أما الأمم، فلا تبقى إلا بلغاتها.


ولهذا لم تكن العربية يوما ميراثا نتسلمه من آبائنا، بل أمانة يحملها كل جيل، ثم يسلمها لمن بعده أكثر رسوخا، وأغنى علما، وأجمل بيانا.


بها حفظت الأمة دينها، ودونت علومها، وروت تاريخها، وأنشدت شعرها، وصاغت حضارتها، وفتحت للعقل آفاقا، وللبيان أبوابا، وللإنسان هوية لا يبدلها الزمن.


وكلما هم الزمن أن يمس حرفا من حروفها، قام لها رجل؛ هذا يحرس نحوها، وذاك يغوص في أسرارها، وثالث يجمع كنوزها، ورابع يكسوها ثوب البيان، حتى خيل للتاريخ أن العربية لا تنجب علماء...


بل تنجب أمناء.


وفي زمن كثرت فيه الأصوات، وقل الإصغاء، وقفت العربية تتأمل أبناءها. لم تخش على بقائها، فهي لغة القرآن، ولكنها اشتاقت إلى رجال اختلفوا في مسائلها، ولم يختلفوا عليها، وتنافسوا في خدمتها، لا في المجد بها.


ولذلك... حين اشتاقت العربية إلى أوفيائها، لم تفتح كتابا... بل فتحت التاريخ.


فانفرجت صفحاته، وتنحت القرون، وامتد من أعماق الزمن طريق تضيئه حروف لم يطفئها الغياب.


ودخل الحراس...


تقدم أبو الأسود الدؤلي، ثم الخليل بن أحمد، ثم سيبويه، والجاحظ، وابن جني، وابن منظور، وابن مالك.


ابتسمت العربية وقالت:


مرحبا بحراس الضاد... لقد طال الشوق إلى مجلس يجتمع فيه العلم بلا منافسة، والفضل بلا ادعاء، وتكون العربية فيه الغاية، لا الطريق إلى الغاية.


جلسوا جميعا، ولم يكن في المجلس من يرى نفسه فوق صاحبه...


لأن اللغة التي جمعتهم... كانت أكبر منهم جميعا.


عندها نهضت العربية، ونظرت إليهم بعين الأم التي ترى أبناءها بعد طول غياب، ثم قالت:


أيها الأمناء... لقد حفظ التاريخ أسماءكم، ورددتها الأجيال جيلا بعد جيل، ولكن بقي سؤال لم يكتبه مؤرخ، ولم تجب عنه كتبكم...


ما الذي كنتم تخافون عليه أكثر... أنفسكم، أم أنا؟


نظر بعضهم إلى بعض...


فقال أبو الأسود الدؤلي:


ما خفت على نفسي يوما... فالرجال يرحلون، أما الأمة فإذا انكسر لسانها، انكسرت هيبتها. لذلك خفت عليك، لا علي.


وقال الخليل بن أحمد:


كلما فتحت بابا من أبوابك، أدركت أنني لم أصل إلا إلى عتبته، وأن العربية بحر لا يحيط به عقل واحد، ولا يكفيه عمر واحد. وما كتبناه لم يكن إلا محاولة للاقتراب من جمالك.


وقال سيبويه:


تعلمت أن العالم لا يقاس بما كتب، بل بما يتركه من أثر. وما أردت أن يبقى اسمي، بل أردت أن تبقى العربية معلمة للأجيال، فإذا بقيت هي، فلا يهم أين يذكر اسمي.


وتبسم الجاحظ، وقال:


ما خشيت عليك من قلة المتكلمين، بل من كثرة الكلام إذا فارق الفكر، ومن البيان إذا خلا من المعنى؛ فالكلمة إذا فقدت روحها، فقدت سلطانها على القلوب، وصارت صوتا لا يهدي، وحرفا لا يبني.


وقال ابن جني:


كلما كشفت سرا من أسرارك، أيقنت أن العربية ليست لغة تحفظ فحسب، بل عالم لا ينتهي اكتشافه. وما أخشاه عليها أن يظن أبناؤها أنهم بلغوا نهايتها، وهي ما تزال تدعوهم إلى بدايتها.


وضم ابن منظور كتابه إلى صدره، وقال:


جمعت كلماتك كما يجمع الأب أبناءه بعد طول فراق، لأن ضياع الكلمة ليس ضياع لفظ... بل ضياع ذاكرة أمة، وضياع تاريخ لا يعود إذا رحل.


ثم قال ابن مالك:


أردت أن أجعل العلم أقرب إلى القلوب، لأن العربية لا تحتاج إلى من يهابها، بل إلى من يعشقها، فإذا أحبوها حملوها إلى المستقبل كما حملناها نحن من قبل، وبقيت حية في الصدور قبل السطور.


فانحنت الرؤوس...


وخيم على المجلس صمت مهيب...


ثم ابتسمت العربية، وقالت:


الآن أدركت لماذا بقيت أسماؤكم حية...


لأن أحدا منكم لم يسع ليكون أكبر من العربية...


بل سعى أن يجعل العربية أكبر من الجميع.


ثم نهض الحراس...


وتصافحوا كما يتصافح الإخوة الذين جمعتهم أمانة واحدة، لا زمان واحد.


وأغلقت صفحات التاريخ...


وعاد كل واحد منهم إلى عصره...


وبقيت العربية وحدها.


اقتربت من المقاعد التي كانت تضج قبل لحظات بأحاديث العلم، ومررت بكفها عليها برفق، ثم قالت:


ما أثقل هذا الصمت...


وسكتت لحظة...


ثم ابتسمت وقالت:


لكنه الصمت الذي يسبق ميلاد حارس جديد.


ثم أغلقت كتبهم برفق، وهمست:


رحل الحراس... وبقيت المفاتيح.


مفاتيح أبواب لم تفتح كلها بعد...


ومفاتيح عقول ما زالت تنتظر من يوقظها.


ثم رفعت بصرها إلى أبنائها، وقالت:


فلا تغلقوا بابا فتحوه لكم...


ولا تهدموا جدارا رفعوه بأعمارهم...


ولا تجعلوا ما بنوه في سنين، يضيع في غفلة لحظة.


فإن الأمم لا تسقط حين يضعف لسانها فحسب، بل حين تنسى أن لغتها كانت يوما سر نهضتها، وأن كل حرف فيها يحمل أثرا من عالم، وكل قاعدة فيها تحمل بصمة عقل، وكل كلمة فيها تحفظ وجها من وجوه تاريخها.


ثم خيم السكون...


غير أن صوت حافظ إبراهيم ظل يتردد في أرجاء المجلس:


> أنا البحر في أحشائه الدر كامن

فهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟


ثم همست العربية:


فاللغة لا يخلدها من يتغنى بها...


بل يخلدها من يعيش لها، ويحملها أمانة، ويورثها علما، ويجعلها نبضا في قلب كل جيل.


د. حسين عبدالله الراشد


جميع الحقوق الأدبية محفوظة ©

الاثنين، 13 يوليو 2026

وتتساقط الأقنعة بقلم الراقية د.عزة سند

 وتتساقط الأقنعة

بقلم د٠ عزه حمدى سند 

ليس كل ما نراه حقيقة، فبعض الوجوه تجيد ارتداء الأقنعة، وبعض الكلمات تُتقن صناعة الانطباعات، حتى نظن أننا عرفنا أصحابها، بينما الحقيقة ما زالت تنتظر امتحان المواقف.

قد يلبس الإنسان قناع الطيبة، أو التدين، أو حسن الخلق، أو الوفاء، ويظل محافظًا على صورته ما دامت الظروف تسير في صالحه. لكن الحياة لا تبقى على حال، وما إن تهب رياح الاختبار، حتى تبدأ الأقنعة في التساقط واحدًا تلو الآخر.

فالمواقف لا تصنع الأخلاق، بل تكشفها. وهي لا تغير معادن الناس، وإنما تُظهر ما كان مستترًا في أعماقهم. لذلك قيل: إن الشدائد تُعرِّف الرجال، لأن الحقيقة لا تحتاج إلى زينة، ولا إلى تمثيل.

وليس المقصود أن نشك في كل من حولنا، أو أن ننظر إلى الناس بعين الريبة، فبين البشر من يحمل قلبًا صادقًا، وسريرةً نقية، ويظل كما هو في الرخاء والشدة، في القرب والبعد، وفي الاتفاق والاختلاف.

إن أخطر الأقنعة هي تلك التي تُتخذ وسيلةً لخداع الآخرين أو تحقيق المصالح. أما صاحب الخلق الحقيقي، فلا يحتاج إلى قناع، لأن أفعاله تسبق أقواله، وثباته في المواقف يغنيه عن ادعاء الفضيلة.

ولعل أعظم اختبار للإنسان ليس فيما يقوله عن نفسه، بل فيما يفعله عندما تتعارض مصالحه مع مبادئه. هناك فقط تتجلى الحقيقة، ويعرف كل إنسان معدن نفسه قبل أن يعرفه الناس.

فلنحرص أن تكون أخلاقنا ثابتة لا تتبدل بتبدل الظروف، وأن يكون ظاهرنا امتدادًا لباطننا، فلا نحتاج إلى أقنعة نخفي بها حقيقتنا، لأن أجمل ما في الإنسان أن يعيش صادقًا مع الله، ثم مع نفسه، ثم مع الناس.

فالأقنعة قد تنجح في إخفاء الحقيقة زمنًا، لكنها لا تصمد أمام المواقف. أما الصدق، فإنه لا يخشى الاختبار، لأن النور لا يحتاج إلى من يبرهن على وجوده.

د. عزة حمدي سند