الأربعاء، 8 يوليو 2026

إعصار الشوق بقلم الراقية عبير ال عبد الله

 إعصار الشوق

حبي لك إعصار...

كلما حسبت أنني أفلت منه، أدارني إلى جهتك، كأن الريح لا تعرف وطنا سواك.

يفيض الشوق في عروقي، لا نهرا يسير إلى مصب، بل ماء يكتشف كل لحظة ينبوعا جديدا.

يتسلل إلى نبضاتي، ويستوطن أنفاسي، حتى لا يبقى في روحي موضع لم تمسه أنت.

أغرق في ضياء عينيك، فتمضي الأشياء من حولي باهتة، كأن العالم استعار نوره منهما.

والانتظار... لا يعلمني الصبر، بل يزيد الشوق مهارة، كلما مر بي أعاد رسم ملامحك على جدار قلبي.

فكيف أهدئ روعي، وحبك ريح كلما أغلقت في وجهها بابا، دخلت من نافذة الحنين؟

وكيف أصل إليك، وأنا كلما اقتربت اكتشفت أن القلب ما زال يملك مسافة أخرى إليك؟

أخاف الفقد... لكن خوفي لا يبعدني، بل يدفعني إليك أكثر، كأنك النجاة الوحيدة من هذا الإعصار.

فهل يأتي الربيع، لا ليبدد الشوق، بل ليمنحه ظلا، فنقف معا بعد كل هذا التيه، ونعرف أن الريح التي بعثرتنا كانت تقودنا إلى اللقاء.

بقلمي عبير ال عبدالله 🇮🇶

مرآة الحنين بقلم الراقي محمد شعوفي

 مرآة الحنين:


 من غسق الأيام وتراكم السنين، نكتشف أن الذاكرة ليست مجرد مخزن لأحداث الماضي، بل هي مرآة الروح اللامعة التي نرى فيها حقيقتنا كلما حجبتها عنا غيوم الحاضر الصاخب وبهرجته الخادعة. 

إنه التساؤل الأزلي الذي يراود الوجدان: 

هل يرحل حقاً كل ما يغادرنا في المدى المنظور؟ 

إن بعض الأشياء تفارق الحيز المكاني لتستقر في أعمق نقطة من أغوار الروح، وهناك تحديداً تبدأ رحلتها الحقيقية ومعناها المتجدد. 

تتحول تلك الذكريات المنقحة إلى نور خافت ودافئ يرافق خطاي كلما أثقلت الكاهلَ ماديةُ الحياة المعاصرة، وتتحول إلى صوت داخلي رصين يذكرني بأن الكائن البشري لا يحيا بالحاضر وحده، بل بما اختزنته كينونته من محطات صنعت وعيه، وشكلت ملامحه الفكرية، ومنحته عمق الانتماء. 

كلما تكاثف الغبار الرمادي في دروب العصر الحديث، وجدتني أعود تلقائياً إلى نافذة باطنية سامية لا تغلقها الأيام. 

إنها نافذة لا تطل على الشوارع الأسمنتية الباردة ولا على المدن الصاخبة بآلاتها، بل تشرع أبوابها على مدارات الذات؛ حيث تتعانق الذاكرة الواعية مع الوجدان النقي، وتعود الوجوه التي غيبها المدى، والأمكنة التي رحلت عنها الأقدام، لكنها ما زالت تقيم في شغاف القلب بكامل تفاصيلها كأنها لم تغادره يوماً. 

هناك، وفي تلك العزلة المهيبة، يولد الحنين الحقيقي. 

وليس الحنين، كما كنت أظنه في مراحل العمر الأولى، مجرد شعور عابر يزور القلب في لحظة ضعف ثم يمضي سريعاً، بل هو نسيم خفي يوقظ ما ظننته نائماً تحت رماد السنين، ويعيد ترتيب بعثرتي الداخلية ويصون جوهري كلما غيرت الأيام ملامحي الخارجية. 

في تلك اللحظات الساكنة، أشعر كأن عجلة الزمن تتوقف قليلاً لتمنحني فرصة الإصغاء اللذيذ والرصين إلى نفسي. 

أفتح أبواب البوح على اتساعها، وأترك الحروف تمضي حرة في دروب التجربة، تجمع ما تناثر من أوراق الشوق، وتصوغه في كلمات تبحث عن جوهر المعنى الإنساني أكثر مما تبحث عن زينة البلاغة المصطنعة. 

وحين أعود بفكري إلى البدايات الأولى، أكتشف أنني لا أستحضر الأمكنة في حد ذاتها ككتل صماء، بل أستحضر الإنسان الذي كنتُه وأنا أسكنها. 

كيف يمكن للمرء أن ينفصل عن أصله دون أن يفقد توازنه؟ 

إنني ألمس بوضوح أنني لا أشتاق إلى البيت القديم بجدرانه الطينية أو الحجرية بقدر ما أشتاق إلى تلك النسخة البريئة والصافية من نفسي، التي كانت ترى العالم بعين مملوءة بالدهشة البكر، وتؤمن بيقين مطلق أن الفرح الحقيقي يسكن أبسط الأشياء وأقلها تكلفاً. 

أتذكر ذلك الطفل الصغير الذي كان يركض في أزقة الحي القديم، حيث كانت رائحة الخبز الطازج تمتزج بعبق الطبيعة الخضراء، وكان صوت الأب يملأ الفضاء حكمة ودفئاً، فتبدو الحياة في عيوننا أوسع من كل الهموم، وأقرب ما تكون إلى الطمأنينة المطلقة التي نتشهّاها اليوم. 

قد تكون تلك الأزقة قد تبدلت ملامحها وتلاشت معالمها اليوم، وربما اختفت بعض البيوت تحت وطأة التحديث الجاف، وغابت وجوه كثيرة كانت تمنح المكان روحه وهويته، لكن أثرها ما زال حياً نابضاً في أعماقي، يورق كلما لامست الذاكرة باب القلب. 

فالوجوه التي أحببناها بصدق وإنسانية لا تغيب تماماً خلف حجب الغياب النهائي. 

إنها تعود إلينا بين حين وآخر، لا كأطياف ماضية تدعو لليأس، بل كضوء مصباح قديم دافئ يبدد شيئاً من عتمة المساء، ويذكرنا بأن الأثر الإنساني الصادق لا ينتهي بانتهاء اللقاء المادي، وإنما يتحول إلى قيمة مقيمة في الروح، يرافقها كظل رحيم كلما احتاجت الذات إلى السكينة والاتزان. 

كلما تعمقت في تأمل هذا الشعور الوجودي، ازددت يقيناً بأن الحنين ليس مجرد التفاتة نكوصية إلى الوراء، ولا بكاء عاجزاً على أطلال زمن ولى، بل هو دعوة هادئة وصارمة في آن واحد للعودة إلى الذات، ومراجعة ما صنع ملامحها الأولى. 

لقد علمني الحنين أن الزمن لا يسير في خط مستقيم دائم الانفلات كما نظن، بل يدور في دوائر خفية، يعيدني بين الحين والآخر إلى منابعي الأولى، لأستمد منها قوة أواصل بها مسير الحاضر، وأستعيد بها اتزاني الوجودي كلما أوشكت أن أفقده في زحام الماديات الاستهلاكية. 

وفي حضرة هذا التأمل، اكتشفت أنني أشتاق إلى القيم الرفيعة التي كانت تسكن تلك الأمكنة، إلى البساطة العفوية التي كانت تظلل أيامها، وإلى العلاقات الإنسانية الصافية التي لم تكن تحتاج إلى شكليات معقدة أو كثير من الأقنعة لتثبت صدقها ونقاءها. 

هناك، في تلك الذاكرة الدافئة، ألمس جذوري وهي تمتد عميقاً في تربة الهوية، فأدرك أن الإنسان لا يستطيع أن يبني غداً راسخاً إن كان قد قطع حبل الوريد الذي يصله بأمسه، ولا يمكنه أن يفهم ذاته المعاصرة إن أنكر الطريق الطويل الذي أوصله إلى ما هو عليه الآن. 

ولعل أكثر ما يثير تأملي أن الحنين لا يخص فرداً بعينه، بل يتجاوز حدود التجربة الفردية الضيقة ليغدو ذاكرة جماعية حية، تحفظ هوية المجتمعات وأصالتها كما تحفظ ذاكرة الإنسان هويته الشخصية. 

كل أمة حية تحمل في وجدانها الجمعي نافذة تاريخية تطل منها على مسارها، تستعيد عبرها أحلامها التي اكتملت، وتلك التي ما تزال مؤجلة تنتظر من يبعث فيها الروح. 

وحين أتأمل تراثنا الإنساني والعربي الأصيل، أشعر أن الحنين يسري في أوصاله كالنواة الصلبة في الجسد الحي. ألمسه في معلقات الشعراء وقصائدهم الفذة، وفي مواويل الرعاة على المرتفعات، وفي حكايات الجدات الدافئة التي كانت تروى على ضوء قنديل المساء، وفي الحواضر التي ما زالت تعيش في الذاكرة ببهائها الحضاري وإن تغيرت تضاريسها المادية. 

فالحنين إلى الأندلس، وإلى بغداد في ألقها المعرفي الباذخ، وإلى القرى الوادعة التي غيرت الحداثة الجافة وجهها البسيط، ليس بكاء عاجزاً على الأطلال، بل هو توق وجودي إلى القيم التي صنعت تلك الحواضر، وإلى الإنسان الذي كان يؤمن بعمق أن الحضارة الحقيقية تبدأ من الأخلاق والوعي قبل العمران وتشييد البنيان. 

ومن هنا، أدركت أن الحنين ليس مظهراً من مظاهر الضعف أو الهروب من الواقع كما يظنه بعض السطحيين، بل هو قوة عاصمة تحفظ للروح توازنها، وتمنعها من الذوبان والتشظي في زحام الأيام المتسارعة. 

إنه الجسر الذي يصل ماضينا بحاضرنا، ويجعل مستقبلنا أكثر رسوخاً وعمقاً؛ لأنه يبنى على ذاكرة واعية تعرف جيداً من أين جاءت، وإلى أي القيم النبيلة تريد أن تمضي. 

وحين أنظر بتمعن إلى عالم اليوم، أزداد اقتناعاً بأن الحنين أصبح أكثر من مجرد شعور إنساني فطري؛ لقد غدا فعلاً واعياً من أفعال المقاومة الثقافية الهادئة في وجه العولمة الجارفة. 

في زمن تتسارع فيه الخطى بشكل جنوني، وتتزاحم فيه الصور الباهتة على الشاشات ثم تتلاشى في لحظات دون أثر، أخشى ما أخشاه أن تتحول ذاكرتنا البشرية إلى أرشيف رقمي بارد، تخزن فيه الأحداث كبيانات صماء دون أن تعيشها القلوب، وتحفظ فيه الصور دون أن تحتفظ بحرارتها الإنسانية ونبضها الحي. 

ولذلك، أجدني أتشبث بقوة بتلك النافذة الداخلية السامية، التي لا تقاس مساحتها بأبعاد الجدران، بل بقدرتها اللامتناهية على أن تبقيني وفياً لما شكل وجداني، وأن تذكرني دائماً بأن الإنسان لا يعيش بما تقع عليه عيناه فحسب، بل بما يشعر به بجوهره، وما يختزنه في داخله من معان وتجارب وقيم رفيعة. 

لقد تيقنت أن الحنين لا يدعوني مطلقاً إلى التقوقع أو الهروب من استحقاقات الحاضر، بل يدعوني إلى أن أعيش هذا الحاضر بعمق ووعي أكبر. 

إنه يملي عليّ أن أصون ذاكرتي من عاديات النسيان، وأن أحفظ ملامح الوجوه التي صنعت شيئاً من تفاصيل حياتي، وأن أروي للأجيال القادمة حكايات الأمس بحب، لا لأسكنهم في رداء الماضي، بل لأمنحهم جذوراً صلبة في الأرض يمتد منها غصن مستقبلهم نحو الفضاء الرحب. 

فالذاكرة التي لا تورث للأبناء تذبل وتموت، والهوية التي تنقطع عن منابعها الأولى تفقد فوراً قدرتها على مقاومة الرياح العاتية.

ولهذا كله، كلما فتحت نافذة الحنين، لم أجد فيها نوحاً ولا بكاء على ما سلف، بل وجدت نوراً كاشفاً يضيء عتمة ما هو آت. 

وجدت فيها يقيناً راسخاً بأن الوفاء للماضي لا يعني الارتهان له أو العيش في جلبابه، بل يعني أن أحمل منه أفضل ما فيه ليزهر في الحاضر، وأن أترك بكل وعي ما تجاوزه الزمن، دون أن أتخلى قيد أنملة عن القيم الجوهرية التي صنعت إنسانيتي. 

وفي ختام هذه الرحلة الوجدانية عبر مرايا الروح، لا أملك إلا أن أبتسم امتناناً ونقاء لكل ذكرى عبرت سماء حياتي، ولكل وجه ترك في روحي بصمة لا تمحى، ولكل مكان احتضن خطواتي المتعثرة الأولى، ثم مضى تاركاً في سويداء القلب قطرة من حنانه وأصالته. 

فما غاب عن عين الجسد قد يبقى حياً نابضاً في عين الوجدان، وما تبدلت ملامحه في الواقع المادي قد يظل كاملاً ومقدساً في الذاكرة؛ لأن القلب لا يحفظ الأشياء كما كانت في أبعادها المادية الصرفة، بل كما أحبها واحتواها بصدق. 

لقد أيقنت في النهاية أن الحنين ليس التفاتاً عابثاً إلى الوراء، بل هو ذروة الوفاء لما صنعنا، وهو الجسر الآمن الذي نعبر به نحو الغد المشرق دون أن نفقد أسماء الذين ساروا معنا يوماً، ولا رائحة البيوت الدافئة التي آوت أحلامنا الطفولية، ولا القيم الكبرى التي أنارت بداياتنا. وحين يحين موعد الرحيل الأخير عن هذه الدنيا، لا أرجو في منتهى طوافي كثرة الأيام وتتابع السنين، بل عمق ما عشته فيها من مشاعر وقيم؛ وأن أحمل ذاكرة عامرة بالمحبة البيضاء، وروحاً حرة لم تخجل يوماً من الوفاء، وقلباً نقياً ظل مفتوحاً ومرحباً بكل جميل وفاضل مررت به في ترحالي. 

إن بعض النوافذ في هذه الحياة لا تفتح على العالم الخارجي الصاخب، بل تفتح على ملكوت الذات الخفي. 

ونافذة الحنين هي أبهى تلك النوافذ وأجملها؛ لأنها كلما انفتحت، أعادت إلى الروح صفاءها الأول، وإلى القلب طمأنينته المفقودة، وإلى الحياة معناها الحقيقي، وجعلت من ماضينا نوراً إنسانياً هادياً نهتدي به في دروبنا، لا قيداً ثقيلاً يكبل خطانا نحو المستقبل. 

بقلم: 

د. محمد شعوفي 

08 يوليو 2026م

أنا عندي حنين بقلم الراقي انتصار يوسف

 أَنَا عِنْدِي حَنِينٌ

اِنْتِصَارُ مُصْطَفَى يُوسُف – سُورِيَّا

أَحِنُّ

إِلَى تِلْكَ السُّوَيْعَاتِ

الَّتِي أَمْضَيْنَاهَا سَوِيًّا،

إِلَى هَمْسِكَ بِكُلِّ حَنِيَّةٍ،

إِلَى الْأَمَاكِنِ الَّتِي ضَمَّتْنَا،

وَأَيْقَظَتْ مَا كَانَ قَدْ مَاتَ فِينَا

مِنْ أَحَاسِيسَ وَمَشَاعِرَ.

أَحِنُّ إِلَيْكَ بِكُلِّ مَا فِيكَ

مِنْ شَغَفٍ وَلَهْفَةٍ وَحَنِينٍ،

لِأَرْصِفَةِ أُمْنِيَّاتٍ جَمَعَتْنَا،

وَتَاهَتْ بِنَا الذِّكْرَيَاتُ.

وَتَمَايَلَتْ أَحْلَامُ الشُّرُفَاتِ،

لِتَضُمَّ مَا بَقِيَ مِنَّا،

وَتُلَمْلِمَ هَدَايَانَا وَالْآهَاتِ.

أَحِنُّ إِلَى تِلْكَ الْأَرِيكَةِ

الَّتِي جَمَعَتْنَا، وَهَمَسَتْ لَنَا،

وَبَاحَتْ بِكُلِّ جَمِيلٍ.

إِلَى أَلْحَانٍ عَزَفَتْهَا قُلُوبُنَا،

وَهِيَ تَنْبِضُ مُعْلِنَةً حُبَّنَا،

وَأَشْعَلَتِ الشَّوْقَ الْكَامِنَ فِينَا.

فَاشْتَعَلَتْ جَمَرَاتُ الشَّوْقِ

تَحْتَ الرَّمَادِ، وَأَعْلَنَتْ تَفَانِينَا،

وَتَعَانَقَتْ نَظَرَاتِي نَظَرَاتُهُ،

وَتَاهَتْ فِي مَسَافَاتٍ بَعِيدَةٍ.

فَحَنَانُهُ كَالْمَطَرِ يَرْوِينَا،

وَهَمْسُهُ عِطْرٌ يَحْتَوِينَا،

وَيَجْمَعُ شَتَاتَ أَفْكَارِي،

وَيُلَمْلِمُ بَقَايَا أَشْيَائِي،

فَيَحْتَوِينِي بِكُلِّ حَنِينِي.

أَحِنُّ إِلَيْكَ، يَا سَاكِنَ قَلْبِي،

رَغْمَ بُعْدِي وَبُعْدِكَ عَنِّي،

فَحُبُّنَا ضَمَّتْهُ مَآقِينَا.

أَنَا عِنْدِي حَنِينٌ،

إِلَى كُلِّ لَمْسَةٍ،

إِلَى كُلِّ هَمْسَةٍ،

تُحْيِي كُلَّ مَا فِينَا.

غياب الطنين بقلم الراقي كاظم احمد

 غياب الطنين


تململ القلب من حضنٍ ياما كان ملعبَه

گجنين يلهو فيه بلا حبل سُّرّة تُقيّده

تساءل: ما آل إليه بحرُ حبِّه يا ترى؟

روح الطفل ما برحت تمرحُ سالية

موجٌ تَعاقبَ السطحَ زارعا الرعب

كدرٌ و زبدٌ و مدٌّ و جزرٌ غَالبه

غابتِ السَّلاحف والنوارس مسرحه 

وأكياسُ القمامة تسبح قناديلَ مُظلمةً

سُحبُ الصيفِ حجاباتٌ داكنةٌ تُظلله

تُمطر قيظا يا الله!! ما أكرهه

 هذا الذي كان الملاذ و المتربعا

أراني أراه يقضي مضجعه

أعود البراري عَلّني أسترد العافية

رغم جود الشتاء بدتْ ظمأى

و شفاه ثغور الزهر متشققة

تتوق طلَّ الصباح گعاشقة

وحده كلّما طَلَعَ بدر الدّجى

فتح أبوابَ السماء مهللا

صبرا صبرا على البلاء آدم

ما بعد العسر إلّا اليسر؛ تتنعم 


كاظم احمد احمد-سورية

أضيق نقطة في ساعة الرمل بقلم الراقية فريدة كمال

 أضيق نقطة في ساعة الرمل

ساعة الرمل لا تتساقط بالوتيرة نفسها. عند أضيق نقطة فيها، يتوقف الزمن عن أن يكون زمنًا؛ يصبح صفرًا، حاضرًا لكل شيء إلا نفسه. وما بعدها عالم آخر.

عشت تلك النقطة. لم أخترها، ولم أستعد لها، لكننا التقينا في موعد لم أكتبه.

فقدت القدرة على التنفس تدريجيًا في الواقع، وفجأة في الوعي. ثوانٍ حملت كل المفارقات، ووقفت بي على عتبة لا تُطرق؛ إنها تباغتك. كالبذرة التي انتهى زمن صبرها تحت التراب، لا خيار لها إلا أن تشق طريقها إلى الضوء، أو تبقى حيث هي.

لم تسألني إن كنت مستعدة؛ فجوهر العتبات أن تكشف استعدادنا، لا أن تنتظره.

ولكل طبقةٍ من التجربة تفسيرها؛ غير أن تجربةً بهذا العمق لا يحتويها تفسيرٌ واحد.

ثم بدأ مشهدٌ آخر، لم أكن فيه شاهدةً ولا راوية.

كانت يدٌ خفية تنسج المشهد، وتمنح لكل فرد دوره حين يحين أوانه.

كنت أعتني بنفسي، وآخذ بالأسباب ما استطعت، حتى جاء وقتٌ غاب فيه وعيي، فتولّى زوجي إسعافي. لم يكن يعلم الصورة كاملة؛ زاد سرعة السيارة، واختار الطريق المعاكس لخلوه، ولسانه لا يفتر عن ذكر الله. كانت بالنسبة له قرارات عابرة، وحسابات بسيطة، لكنها في تلك اللحظة حملت من المعنى أكثر مما كان يدري.

من يدي إلى يد زوجي، إلى أيدٍ أكثر تجردًا، لا تعرفني. غرباء جمعتهم مهنة، وألزمهم ضمير؛ لا تربطهم بي ذكرى، ولا عهد، وإنما تلك اللحظة وما تقتضيه من إنسانية خالصة.

من أحبني أوصلني، ومن لم يعرفني أعادني.

وفي المسافة بينهما، كان لطف الله يملأ كل فراغ.

أقوى الأحداث ليست تلك التي تمنح معنى واحدًا أو تمسُّ شخصًا واحدًا، بل تلك التي تظل تتسع، وتتوالد منها المعاني دون أن تنفد؛ كضوءٍ ينتشر في كل اتجاه، يبحث عمّن يلتقطه.

حين فتحت عيني، كان أول ما نطق به لساني: سبحان الله. لم أخطط لها، ولم أفكر فيها — خرجت كأن نطق بها كل من في المشهد، وكأنها الكلمة الوحيدة التي تسع ما رأيت.

قلت: ذهبت إلى عالم آخر.

قال أحدهم: وأنتِ الآن أين؟

أردت أن أجيب. كنت حريصة على طمأنتهم... على إثبات أنني هنا — لنفسي أولاً ولهم؛ لكن الكلمة لم تأتِ — ليس لأن وعيي غاب، بل لأن الإجابة لم تكن واضحة بعد.

كيف أقول "عدتُ" وأنا لا أعرف تماماً من أين؟

ما عشته لم يكن غيابًا، بل حضورًا لم أجد له اسمًا؛ كان عتبةً اجتزتها إلى هنا، وما اجتزته ما يزال حاضرًا معي.

وهنا، الآن، أتنفس بعمق لم أعرفه 

من قبل.

فريدة كمال

سفر الباب بقلم الراقي عاشور مرواني

 سِفْرُ الباب


من أسفار الرؤيا


لم يكن البابُ يومًا خشبًا يفصلُ بين مكانين...


بل كان لحظةً تفصلُ بين إنسانين.


الذي يقفُ قبل الباب، ليس هو الذي يعبره.


فكلُّ بابٍ في الحياة يحملُ سرًّا قديمًا:


أنه لا يُفتحُ بالمفتاح فقط...


بل بالقرار.


هناك أبوابٌ لا تحتاجُ إلى يدٍ تدفعها،


بل إلى قلبٍ يتخلّى عن خوفه.


وأصعبُ الأبواب ليست تلك المغلقة أمامنا،


بل تلك التي نعرفُ أنها مفتوحة،


ونبقى واقفين عند عتبتها.


فالإنسان لا يخشى المجهول وحده...


إنه يخشى أن يكتشف أن العالم الذي تركه خلف الباب


كان أصغر من الحقيقة التي تنتظره.


العتبةُ مكانٌ غريب...


ليست داخلًا،


وليست خارجًا.


إنها اللحظة التي يموت فيها القديم


قبل أن يولد الجديد.


ولهذا كانت العتباتُ دائمًا ثقيلة،


لأنها تحمل أرواحَ الأشياء التي انتهت،


وأحلامَ الأشياء التي لم تبدأ بعد.


كلُّ إنسانٍ يحمل في داخله أبوابًا كثيرة:


بابًا لماضٍ لم يُغلق تمامًا،


وبابًا لخوفٍ لم يُواجه،


وبابًا لحقيقةٍ يخشى أن يراها،


وبابًا لنسخةٍ منه


تنتظر أن تولد.


لكنَّ الباب لا يسأل:


هل أنت مستعد؟


إنه يفتح فقط...


ثم يترك لك مسؤولية العبور.


ففي النهاية،


ليست الأبواب هي التي تغيّرنا...


بل الخطوة التي نضعها بعدها.


قد يقضي الإنسان عمره يبحث عن باب الخلاص،


ثم يكتشف أن الباب


كان يفتح إلى الداخل.


إلى نفسه.


هناك...


حيث ترك الأشياء التي لم يملك شجاعة مواجهتها،


والأسئلة التي أجّلها،


والكلمات التي لم يقلها.


والغريب...


أن بعض الأبواب حين نعبرها،


لا نجد خلفها عالمًا جديدًا...


بل نجد أنفسنا


للمرة الأولى.


كأن الرحلة كلها


لم تكن انتقالًا من مكان إلى مكان،


بل اقترابًا بطيئًا


من الحقيقة.


لذلك لا يكون أعظم العبور


أن تصل إلى الجهة الأخرى...


بل أن تصبح شخصًا آخر


وأنت تعبر.


فالباب ليس نهاية الطريق،


ولا بدايته.


إنه اللحظة التي يسأل فيها الوجودُ الإنسان:


هل تريد أن تبقى كما أنت؟


أم تريد أن ترى


ما كنت تخشاه؟


ومن يجيب...


يبدأ سفره الحقيقي.


عاشور مرواني

أخوة الإنسانية بقلم الراقي هاني الجوراني

 قصيدة: أخوةُ الإنسانية

تَباينتِ الآراءُ لكن بينَنا

قَلْبٌ يُنادي بالسلامِ ويَجمعُ

ما كانَ خَلفُ الناسِ بابَ عداوةٍ

بلْ حكمةٌ فيها العقولُ تُنوِّعُ

قالَ الإلهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

فَالخُلقُ أسمى والقلوبُ تَشرعُ

نَحيا معاً رغمَ اختلافِ مذاهبٍ

فالحبُّ أوسعُ والفضائلُ أرفعُ

كم فكرةٍ وُلدَتْ من اختلافِنا

وبها طريقُ المجدِ كانَ يُلمعُ

لا تَسألِ الإنسانَ عن لونِ الهوى

واسألْ عنِ الأخلاقِ كيفَ تُرفعُ

فالجارُ جارُ والرفيقُ أخو الهدى

ما دامَ في دربِ المكارمِ يَسطعُ

كم أشرقتْ أرضُ الحضارةِ عندما

مدَت يداً للآخرينَ تُشجعُ

لا تجعلِ الآراءَ سيفَ خصومةٍ

فالحرفُ إنْ جُرَدتَهُ لا يُوجِعُ

نختلفُ اليومَ الجميلَ بأدبِنا

ونظلُّ أهلَ محبةٍ لا نَجزَعُ

فالوطنُ الغالي يُشادُ بقلوبِنا

لا بالجدارِ ولا الحديدِ يُرفَعُ

فاجعلْ خلافَك لوحةً مزهرةً

فيها التنوعُ بالوفاءِ يُبدِعُ

نمضي جميعاً في الحياةِ كأننا

نهرُ من الألوانِ لا يتقطعُ

إنّا خُلقنا للسلامِ رسالةً

وبنورِ إنسانيتِنا نَتألقُ

تبقى المودةُ بينَنا عنوانَنا

وبها غدُ الأجيالِ سوفَ يُرفعُ

     هاني الجوراني

اهجرني بقلم الراقية مريم بارة

 اهجرني...


اهجرني... إن كان بقاؤك لا يزيدني إلا تيهًا، فهجرك أرحم من حضورِ جسدٍ فارغٍ لا روح فيه.


اهجرني...

فلن يقتلني الفراق، ولن يهزمني الغياب، لكنني سأموت انتظارًا لمن لا يأتي، ولا يحنّ.

وسأفنى وأنا أطرق بابًا أوصدته في وجهي منذ زمن.


اهجرني...

فلعل غيابك يعيدني إليّ.

لقد أنسيتني أنني كنت وطنًا أنتمي إلى ذاتي، وأحتوي قلوبًا أنهكها الزمن.

أما اليوم، فقد بتُّ أقف على أعتاب بابك، أنتظر أن يحتويني وطن!


اهجرني...

فلا الوحدة تخيفني، ولا الغربة نقيض روحي.

لكن خوفي الحقيقي أن أضيع في سرابِ من لا يراني، وأن أستنزف عمري في محاولة إقناع قلبٍ رحل عني، قبل أن تغادر قدماه.

بقلم : مريم بارة

راية المجد بقلم الراقية ندى الجزائري

 رايةُ المجد

ليست الراياتُ كلُّها قماشًا...

بعضُها ذاكرةٌ ترفرف، وبعضُها أسماءٌ لم تعد إلى بيوتها إلا محمولةً على أكتاف الوطن.

وفي الجزائر... حين ترتفع الراية، لا يعلو لونٌ على لون، بل تعلو حكايةُ شعبٍ علَّم الريحَ كيف تنحني للعزّة، وعلَّم التاريخ أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع.

هذه الأرض لا تحفظ أسماء الشهداء في السجلات، بل تكتبها في جذور الزيتون، وفي صخور الأوراس، وفي زرقة المتوسط، وفي وجوه الأطفال الذين يولدون وهم يعرفون أن للوطن قلبًا لا يشيخ.

رايةُ المجد ليست فوق السارية فقط... إنها في يدِ أمٍّ ودّعت ابنها ولم تُودِّع إيمانه، وفي جبينِ مجاهدٍ ابتسم للرصاص، وفي كل جزائريٍّ يحمل وطنه كما يحمل نبضه.

لهذا... كلما رفرفت رايةُ الجزائر، أدركنا أن المجد ليس ماضيًا نحتفل به، بل عهدًا يتجدد مع كل صباح، ووطنًا كلما ظنّ العالم أنه تعب... نهض أكثر خضرةً، وأكثر كبرياء.


أم مروان /ندى الجزائري/

المقعد الأخير بقلم الراقي شاكر الصالحي

  المقعد الأخير

كان دائما يصل متأخرا قليلا. ليس متأخرا بالمعنى الذي يلفت الانتباه فلا أحد يعاتبه ولا أحد يسأله أين كان.

فقط يصل في اللحظة التي يجد فيها أن الصدارة قد مُلئت وأن المقاعد الأولى قد سبق إليها غيره.

 في قاعة الانتظار.

 في الاجتماع.

 في مناكب الحياة أحيانا.

في البداية كان الأمر يبدو عاديا. هناك دائما من يأتي قبل الجميع وهناك من يأتي بعدهم. ترتيب بسيط للأشياء. لكن مع الوقت اكتشف أن الأماكن لا تنتظر المتأخرين.

 المقعد الأول له أصحابه. والفرصة الأولى لها أصحابها. والصوت الأول غالبا يحدد شكل الحديث كله.

أما الذين يصلون بعد البداية، فيتعلمون مهارة مختلفة، يتعلمون كيف يروضون أنفسهم على مكان لم يختاروه.

جلس في المقعد الأخير في الحافلة. كان يحب هذا المكان قديما. منه يرى الطريق كله. لا أحد خلفه. لا أحد يطلب منه التحرك. لكنه مع السنوات بدأ يلاحظ شيئا آخر.

 المقاعد الأخيرة تحمل قصصا كثيرة فهي مستودع للحكايا . هناك يجلس من لم يجد مكانا أمامه. هناك يختلط الصامت بالمتعب والمتأخر بمن تعود أن ينتظر.

 ليس كل من يجلس في الخلف اختار الخلف. بعض الأماكن تُعطى للإنسان دون أن يختارها...

في المدرسة كان بعض التلاميذ يجلسون في الصفوف الأولى لأنهم كانوا الأفضل. وبعضهم لأنهم كانوا الأكثر قربا من المعلم. وفي الحياة تتغير المقاعد فقط ويبقى المنطق حاضرا بأشكال أخرى. من يبدأ مبكرا يرى الطريق من نافذته. ومن يأتي متأخرا يقضي وقتا أطول في فهم القواعد.

كان الرجل يعرف أن المشكلة ليست في المقعد الأخير نفسه. أحيانا يكون المكان الخلفي أكثر راحة. المشكلة في أن يتحول الاستثناء إلى عادة، وأن يعتاد الإنسان دائما أن يجد نفسه بعد أن اختار الآخرون مواقعهم. هناك لحظة خطيرة لا يشعر بها أحد، حين يتوقف الإنسان عن محاولة الوصول إلى الأمام لأنه تعلّم أن الأمام مزدحم دائما. وهنا يصبح التكيف سلاحا وسجنا في الوقت نفسه .

تعوّد أن يجد مكانا صغيرا. تعوّد أن ينتظر. تعوّد أن يقول: "المهم موجود." لكن شيئا في داخله ظل يعرف أن الوجود وحده لا يكفي.

في آخر الطريق، نزل من الحافلة. لم يكن أول من نزل ولم يكن آخر من نزل.

مشى في الشارع كأي شخص آخر ولم يعرف أحد أن الرجل الذي كان يجلس في المقعد الأخير طوال الرحلة كان يحمل سؤالا أكبر من الطريق:

"كم مرة نقبل مكاننا لأننا لم نجد مكانا آخر، ثم ننسى بعد سنوات أننا كنا نبحث عن مكان آخر أصلا؟"

شاكر ا

لصالحي 

تونس 

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

جغرافيا العطر بقلم الراقية ندي عبدالله

 " جغرافيا العطر"


منذُ أن غادرتَ...


تآكلتْ بوصلةُ الجهات.


لم أعد أعرفُ الطريقَ إلى نفسي.


وحدهُ العطرُ


كان يلمُّ أجزائي


كلما بعثرتني الأيام،


كأنَّه الندبةُ الوحيدةُ


التي ما زالتْ تفوح.


لكنني...


أخافُ أن يخونني العطرُ،


فإذا استيقظتُ ولم أجدْ أثرَكَ


عند نافذةِ الصباح، ولا في رئةِ الزهر،


فبأيِّ يقينٍ سأُصدِّقُ أنكَ مررتَ من هنا؟


أقفُ أمامَ مرآتي في ترقُّبٍ


أفتِّشُ في وجهي


عن امرأةٍ كانت تعرفُ نفسها.


ثم أسألُ أمي، بصوتٍ أرهقَهُ الترقُّب:


ألستُ جميلةً حقًّا؟


فتربّتُ على قلقي...


وتتشظّى المرآةُ في داخلي.


كلُّ رائحةٍ تشبهُك


توقظُ في أصابعي لهفةَ العناق.


تمتدُّ يدي لتضمَّ أصابعَك...


ثم تعودُ يتيمة.


كلَّ ليلةٍ


أتركُ الزهور


على سريرِ الأيام.

ـــــــــــــــــــــــــــــ ندي عبدالله

دعوة بقلم الراقية نجاة رجاح

 *دعوة*


أتقبل دعوتي

للتَّسَكُّع بين

دروب هذه المدينهْ..؟

نركض تحت أمطارها

نرقص على أهاجيزها

نتوضأ بلُجَيْنِ 

النواصي السمراء

ونصلي في رحابها القديمهْ..!

وإن تعبنا،

نتفيَّأُ خيمة العزاء

ثم نواصل..

نجوب الشوارع المكتظة

بصراخ الكادحين

نمشي الهوينى

مرفوعي الهامات

ندوس على الجوع

وكأننا ماتضوَّعناه يوما..!

نُوَشِّي ثغورنا بالبسمات

وكأننا ماعبسنا يوما..!

نِكايةً في الوجع

نتلو الوصايا

ونبتهل..

مُتْرَعين بأبجديات الأمل

ولا ننسى زرع الياسمين 

في شقوق الجراح..

حتى لانكون أرقاما

تطلع على الشاشات

في خبر عاجل..!

أُرْبُتْ على كتفي

كي أشعر بالأمان

بالدفء..

ليصير الهلال قمرًا

والشمس أشدَّ حرارهْ..!

نقتلع اليأس 

من عيون الفقراء

فيُزهر الليلكُ

من آثار أقدامهم..

ونرسم وطنًا

لأسراب الحمام..

منتشلين أشلاء الغربة

من قهر المآسي..!

الكل مصاب بالحزن

بانتظار الحلم..!

وقرب أشجار اللوز

نلتقط القصائد 

الملقاة على

قارعة الحنين..!!


#بقلمي: نجاة رجاح/المغرب9

ملحمة الشعب والطغيان بقلم الراقية هدى موسى

 مَلْحَمَةُ الشَّعْبِ وَالطُّغْيَان


حَاشِيَةٌ زَيَّنَتْهَا الذَّهَبُ

وَالْخَيْرُ كُلُّهُ قَدْ ذَهَبْ

وَرَعَايَا فِي ضَنْكٍ مُقِيمٍ

لَهُمْ طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٍ

نُعَانِي الْغَلَاءَ وَفَرْطَ الْبَلَاءِ

وَنَهْتِفُ دَوْمًا بِقَدْرِ الشَّقَاءِ

شَبابٌّ تَجَرَّعَ كُلَّ انْكِسَارٍ

يُسَاقُ نَهَارًا بِدَرْبِ الضَّلَالِ

وَقَصْرًا يُصَادِرُ كُلَّ الْعُقُولِ

وَيَغْرِسُ فِينَا بُذُورَ الْغَبَاءِ

فَأَدَبٌ.. وَعِلْمٌ ... فَنٌّ .. رَفِيعٌ

عُقُولٌ بِنُورِ السَّمَاءِ تُصِيبُ

يُقَامُ عَلَيْهَا الْحُدُودُ افْتِرَاءً

وَشَعْبٌ يَضِجُّ صُرَاخًا وَصَمْتًا

وَيَحْلَمُ يَوْمًا بِغَسْلِ الشَّقَاءِ

وَيَلْقَى الطُّغَاةُ جَزَاءَ الْبَغَاءِ

فِي كُلِّ يَوْمٍ لِلْمَعَاشِ مَعَارِكُ

نَجْرِي وَنَلْهَثُ خَلْفَ الطَّرَائِدِ

وَلِرَغِيفِ خُبْزٍ تَمُرُّ الْكَتَائِبُ

بجَمْرِ بهَذَا الْغَلَاءِ نَسِيرُ

وَنَنْهَلُ بُؤْسًا وَقَهْرًا يَسِيرُ

نَمُوتُ زِحَامًا بِكُلِّ طَرِيقٍ

دِيَارٌ تُبَاعُ وَأَرْضٌ تُدَاسُ

يَعِيشُ الطُّغَاةُ بِقَصْرٍ مَنِيعٍ

وَنَحْنُ نَمُوتُ بِجُوعٍ مَرِيعٍ

إِذَا الشَّعْبُ جَاعَ فَإِنَّ الْقُيُودَ

تُفَلُّ بِرِيحٍ تُذِيلُ الْجِبَالَ

جِيَاعٌ تَنَفَّسَ حَرُّ الْبُطُونِ

وَتَخْسِفُ أَرْضًا بِكُلِّ مُجُونٍ

هدى موسى