«محاكمة القلم»
طاهر عرابي
دريسدن -29.06.2026
⸻
جرّبتُ أن أهبط إلى التفاهة،
فأحاكم قلمًا وديعًا.
تبخّر نصفُ حبره،
ورسم غيمة.
كان ملقى على الطاولة،
فهجمتُ عليه كثعلبٍ فقد أنيابه
حين قضم صخرةً كان الزمان ينحتها،
فخيّل إليه أنها دجاجةٌ من صمتٍ قديم.
وانهارت أسنانه،
وتدلّت اللوعة من فمه
كأنها تبحث عن طريقٍ آخر للشقاء.
وأنا أتحسّس فمي،
أزيل الرمل عن شفتيّ،
كأنني خرجتُ من معركةٍ
لم أقاتل فيها حجرًا،
ولا ربحتُ فيها سوى وجعٍ
لا يعرف لمن ينتمي.
توقّفتُ…
ألوّح بما تبقّى لديّ من غيظ،
كم مرّة طلبتُ من الحروف
أن تلمع كأجنحه اليراعات،
فعادت إليّ
بأصابع ملوّثةٍ بالعتمة.
وخفتُ أن أظلمه،
كأنّه المتّهم الوحيد
في جريمة اللغة.
وكأنّ حزني على سوء فهم التشابهات
بين الدجاج والحجارة
هو ما جعل الثعلب ينسى طعم الفريسة،
ويكتفي بالنظر إلى العنب.
وكتب القلم وحده:
التفاهة لا تُبرّر فعلتها،
بل تترك للرياح شقاءها
وهي تعبر الزمن.
أنا بريءٌ من الخطّ… ومن الكلام،
ومن الزمان الذي ينحت الحجارة
ليصنع منها لغةً لا تُجيد الاعتراف.
لا تُبدّل أسماء الأشياء ثم تسألها عمّا تكون؛
فالريح لا تنحت دجاجًا من صخر،
ولا تُعلّم الثعالب كيف تبيض.
من أنتَ،
إن امتطيتَ صهوةَ التفاهة
وبقيتَ واقفًا في مكانك؟
ومن تواسي، إذا أدركتَ غباءك؟
لا تستعير من الحبر جريانه، ثم تزعم أنّك أمسكتَ بمعناه.
أنتَ من نفخ في رأسي ظلَّ الحكمة،
ثم طلبتَ منّي أن أكون شاهدًا عليك.
فقلتُ له:
اللسان لا يكتب،
والعقل لا يبعث أصواتًا تُسمع…
فمن الذي يزرعني في الورق إذن؟
اقتربتُ منه،
كأنّني أجرّه إلى قفص الحقيقة.
وقلتُ:
عدْ إلى رشدك… واعترف.
لكنّه ظلّ يرتجف،
بين أن يكون أداةً تُدان،
أو شاهدًا يُدينني أنا.
فأدانني،
وأدار وجه حبره طربًا.
عندها لبستُ ثوب الثعلب،
وعاتبتُ الدجاجةَ الحجريّة.
فاعترفتْ…
أنّها لا تكتب لكي تُنذر،
بل لكي تترك للحجارة
حريةَ الصمت.
دريسدن- طاهر عرابي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .