الثلاثاء، 30 يونيو 2026

لأن الأسماء لا تعرف أسماءها بقلم الراقي بهاء الشريف

 لأن الأشياء لا تعرف أسماءها


لا أذكر متى بدأ الأمر.


أذكر فقط أنني كنت أحدق في شجرة، حين انفتح في داخلي سؤال لم يسبق أن خطر لي:


هل تعرف هذه الشجرة أنها شجرة؟


كان سؤالًا بسيطًا إلى درجة أنني كدت أبتسم منه.


ثم حدث ما لم أتوقعه.


لم أجد جوابًا.


ولم يكن غياب الجواب هو ما أقلقني…


بل حضوره المستحيل.


كيف يمكن لشجرة أن تعرف اسمًا لم تختره؟


وكيف صدقت، كل هذه السنين، أن الاسم جزءٌ من حقيقة الشيء؟


منذ تلك اللحظة، بدأت أرتاب في اللغة، لا لأنها كاذبة، بل لأنها مطمئنة أكثر مما ينبغي.


كل شيء حولي كان يؤدي وجوده في صمت.


الحجر لا ينطق باسمه.


النهر لا يعرّف نفسه.


الريح لا تقول إنها ريح.


والسماء لا ترفع لافتةً تقول إنها سماء.


ومع ذلك…


لا يخطئ أيٌّ منها في أن يكون ما هو عليه.


أما نحن…


فما إن نطلق اسمًا على شيء، حتى نشعر أننا امتلكناه.


وما إن نضعه في تعريف، حتى نتوقف عن اكتشافه.


ربما لهذا لم يعد العالم يكبر في أعيننا كما كان.


ليس لأن العالم تغيّر…


بل لأن أسماءه سبقت دهشتنا إليه.


تذكرت طفلًا رأيته مرة يلاحق فراشة.


لم يسأل أمه: ما اسمها؟


كان مشغولًا بما هو أعظم من الاسم…


كان يحاول أن يفهم كيف يستطيع اللون أن يطير.


حينها أدركت أن الطفل لا يرى أقل منا…


بل يرى قبلنا.


ثم كبرنا.


وتعلمنا أن لكل شيء اسمًا.


لكن أحدًا لم يعلمنا أن الاسم…


ليس الشيء.


وربما كنا نحفظ اللغة…


ونظن أننا نحفظ العالم.


ومنذ ذلك اليوم، كلما قيل لي:


“اعرف الأشياء بأسمائها…”


دار في داخلي سؤال آخر، أكثر هدوءًا، وأكثر عنادًا:


وإذا كانت الأشياء لا تعرف أسماءها…


فمن الذي كنا نتعلم أسماءه طوال هذا العمر؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .