ا
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾
كان محمد طفلا يتيما، فقد والديه في حادث مفاجئ، فانتقل إلى العيش في بيت عمه.
كبر هناك وهو يشعر بالفارق بينه وبين أبناء عمه، ليس بالضرب ولا بالإهانة، بل بتفاصيل صغيرة كانت تؤلمه أكثر من القسوة. كان يسمع الأسئلة التي لا تُوجَّه إليه: "هل تعشّى الأولاد؟" "هل اشترينا لهم؟"
أما هو، فكان يُشار إليه غالبا بقولهم: "ابن المرحوم"، وكأن اليُتم صار صفةً تسبقه أينما ذهب.
مرّت السنوات، وكبر محمد، وكبرت معه أحاسيسه. لم يعد يتألم فقط، بل صار يفهم. فهم النظرات، وفهم الصمت، وفهم معنى أن تعيش في بيتٍ لا تشعر فيه أنك واحدٌ منهم.
عمل محمد بجدّ، وكدَّ سنواتٍ طويلة، وكان يحمل في قلبه حلما لم يفارقه. لم يكن يريد أن يكره أحدا، ولا أن يلوم الماضي، بل كان يريد أن يصنع فرقًا.
وبعد سنواتٍ من التعب، اشترى دارًا. لم تكن فاخرة، لكنها كانت دافئة ومهيأة لاستقبال الأطفال. أثّثها بالأسرّة، ووضع فيها الألعاب، وجهّز كل ما تحتاج إليه لتكون بيتا حقيقيا، لا مجرد مكان للإيواء.
وحين انتهى، خرج يبحث عن الأيتام. لم يبحث عنهم ليمنّ عليهم، بل ليمنحهم ما كان يتمناه طفلا: أن يُنادى الإنسان باسمه، وأن يُسأل إن كان قد تناول طعامه، وأن يشعر أن له مكانًا لا يُقصى فيه ولا يُنسى.
وهكذا فهم محمد معنى قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾؛ فلم يحفظها بلسانه فحسب، بل عاشها بقلبه، وترجمها عملا ورحمة في حياة من ذاقوا مرارة اليُتم كما ذاقها هو يوما.
بقلمي عبير ال عبد الله🇮🇶
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .