في انتظار دمعةٍ أخرى
عباس عبدالرزاق
كلَّ يومٍ
أخرجُ مع الحزن في نزهةٍ طويلة،
كأننا صديقان قديمان
أرهقتهما الطرق ذاتها
ولم يجدا غير بعضهما رفيقاً.
أعرفُ الدموعَ جيداً،
حفظتُ ملوحتها كما يحفظ البحّار أسماءَ الموانئ،
وعرفتُ كيف تسقط
لا من العين فقط،
بل من الأعمار أيضاً.
كم من دمعةٍ عبرتني
وهي تحمل وجوهَ الذين غابوا،
وأصواتَ الأحلام التي لم تكتمل،
ورسائلَ الأيام التي وصلت متأخرة.
لكنني اليوم
لا أجلس مع الحزن،
بل أجلس عند باب الانتظار.
أنتظر دمعةً أخرى…
دمعةً لا تأتي من انكسارٍ قديم،
ولا من خيبةٍ جديدة،
بل من فرحٍ طال غيابه
حتى صار أسطورة.
أفكر أحياناً:
هل تختلف دموع الفرح عن أخواتها؟
أم أن الماء واحد،
لكن القلب هو الذي يغيّر معناه؟
فالدمعة لا تعرف سبب ولادتها،
هي مجرد قطرةٍ تهرب من ازدحام الروح،
ثم نمنحها نحن أسماءها:
هذه للحزن،
وهذه للشوق،
وهذه للندم،
وتلك للفرح.
وأنا،
بعد هذا العمر،
لم أعد أبحث عن دمعةٍ أقلَّ ملوحة،
بل عن دمعةٍ تمنح لهذه الملوحة معنى آخر.
أريد دمعةً
تسقط على وجهي
كما يسقط الضوء على نافذةٍ ظلت مغلقة سنوات.
دمعةً تقول لي:
إن كل هذا التعب لم يكن عبثاً،
وأن الطرق التي جرحت قدميك
كانت تقود إلى مكانٍ ما.
فيا دموع الفرح،
إن كنتِ موجودةً حقاً،
فلماذا تأخرتِ كل هذا الوقت؟
لقد شاخ الانتظار على عتبتي،
وكبرتُ وأنا أفسّر للحزن
أنكِ قادمة.
ومع ذلك،
ما زلت أترك في القلب مقعداً شاغراً لكِ،
وأؤمن أن أكثر الدموع جمالاً
ليست تلك التي نذرفها حين نخسر العالم،
بل تلك التي تهطل أخيراً
حين نكتشف
أن الحياة،
رغم كل شيء،
لم تنسَ موعدها معنا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .