الثلاثاء، 30 يونيو 2026

رفقاء النور والعتمة بقلم الراقي القصاد صالح حباسي

 رفقاء العتمة والنور


بــــقلم الصقاد القاص: صالح حباسي 


بين عتمة النفس ونور الهداية، ثمة أرواح طاهرة تزورنا لتؤنس وحشتنا، وتدعم خطانا. قد يشكك البعض في ماهيتها، ويجزم آخرون بأنها محض خيال ووهم، لكن حضورها في وجدان من يلمسها حقيقة لا تقبل الجدال. ولعل في الذكر الحكيم متسعاً لفهم هذا الغيب؛ فالجن المسلم حقيقة قرآنية، وتلاقي الأرواح في البرزخ أو المنام تشير إليه الآيات حين تتحدث عن أنفسٍ يُمسكها الموت وأخرى تُرسل إلى أجل مسمى. بل حتى العلم يفتح باباً للتأويل، حين يرى في هذه الكائنات تجسيداً لصوت العقل الباطن والضمير الحي، الذي يرتدي حُلة خارجية ليحاور الذات بما ادخرته من حكمة ونقاء.


منذ سنين خلت، حين كنت طفلاً غريراً لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، تجلت لي امرأة بددت من قلبي رعباً كاد يودي بعقلي. لم تكن تلك الليلة مجرد حادثة عبرت، بل كانت بوابة عبرتُ منها إلى عالم يسكنه من أسميهم "أهل الخير". كائنات نورانية لا أملك لها تصنيفاً قاطعاً؛ أ هم أرواح بشرية طاهرة رُفع عنها حجاب الزمن؟ أم جن مسلم اختار أن يواسي غربتي؟ أم هو عقلي الباطن وصوت ضميري يرتدي ثياباً من نور ليرشدني؟ لا يهم المسمى، فالأثر واحد.. سلام يغمر قلبي كلما ضاقت بي السبل.


تطور الأمر معي ليصبح كشريط سينمائي أراه رأي العين في أحلامي، أو في غمرة أحلام اليقظة. أرى مشهداً كاملاً بتفاصيله وحواراته، أستيقظ، وبعد أيام قليلة أو ربما ساعات، أجد نفسي أعيش نفس المشهد حرفياً، وكأن الزمن ينطوي ليريني الغد قبل أن أصله.


في مجالسهم التي يعمها البهاء، يشاركونني مشاعري؛ إن عشت فرحاً وجدتهم يفرحون معي وكأنهم يربتون على كتفي، وإن أحاطت بي المخاوف، كانوا طوق النجاة. ورغم تغير ملامحهم وأشكالهم من رؤيا إلى أخرى، إلا أن هناك دستوراً واحداً، وجملة سرية ثابتة يتركونها في أذني كالهامس: "لا تنسَ.. الصدقات وكثرة الدعاء يغيران الأقدار".


ذات ليلة، تملكني الفضول، وفي غمرة أنوارهم سألتهم: "حدثوني عن البرزخ.. كيف هي الحياة هناك؟"


خيّم صمت مهيب، وتبادلوا نظرات يلفها الغموض، ثم تملصوا من الإجابة بذكاء يحمل حكمة بالغة، وقال أحدهم بصوت كأنه آتٍ من وراء الغمام: "اعمل لها.. فإن أهل الخير فقط من يتزاورون هناك". كانت الرسالة واضحة: الغيب ليس للتسلية أو المعرفة الترفيهية، بل هو حافز للعمل الصالح.


واليوم، وأنا أسمع همسهم في أذني في منامي ويقظتي، أدركت أن "ناس الخير" لا يحتاجون إلى تصنيف في كتب العلم أو فتاوى السيرة. إنهم الأمل الذي يبعثه الله للإنسان عندما تظلم الدنيا في عينيه، ليذكروا النفس دائماً بأن هناك رعاية خفية تحفّنا، وأن النور موجود دائماً.. فقط لمن يؤمن به.


 رفقاءُ العَتمةِ والنّور


بِلَيْلِ النُّفُوسِ أَضَاءَ السُّرُورْ ** وَمَحْوُ المَدَى طَارِدٌ لِلشُّعُورْ


وَيَمْشِي خَفِيفاً بِتِلْكَ الدُّرُوبْ ** كَوَعْدِ السَّكِينَةِ عِنْدَ النُّفُورْ


فَقَالُوا خَيَالٌ.. فَقُلْتُ الهُدَى ** وَأَثَرٌ يُضِيءُ بِوَقْتِ الفُتُورْ


إِذَا ضَاقَ صَدْرِي أَتَى بَاسِماً ** لِيَمْحُوَ خَوْفِي وَيَحْمِي العُبُورْ


أُرَنّو لِمَنْ؟ لَيْسَ يُجْدِي اسْمُهُ ** أَأَرْوَاحُ طُهْرٍ أَمِ الجِنُّ نُورْ؟


أَمِ الصَّوْتُ.. صَوْتُ الضَّمِيرِ النَّقِيِّ ** يُرِي النَّفْسَ حَقّاً شَدِيدَ الظُّهُورْ؟


وَفِي الحُلْمِ يَأْتِي المَشَاهِدُ نَصّاً ** فَأَحْيَا بِهَا.. وَاللَّيَالِي تَدُورْ


وَيَمْضِي الزَّمَانُ فَأَلْقَى الذِي ** رَأَيْتُ عَيَاناً بِلَا مِنْ قُصُورْ


وَهَمْسُهُمُ صَارَ نَبْعَ اليَقِينِ: ** "دُعَاءُكَ وَالصَّدَقَاتُ الجُسُورْ"


"وَصَيِّرْ عَطَايَاكَ زَادَ الرَّحِيلِ ** لِرَبٍّ غَفُورٍ بِيَوْمِ النُّشُورْ"


وَلَمَّا سَأَلْتُ عَنِ البَرْزَخِ اْكْـ ** تَفَوْا بِسُكُوتٍ كَمِثْلِ البُحُورْ


وَقَالُوا: "اعْمَلَنْ.. إِنَّهَا لِلزِّيَا ** رَةِ.. دَارٌ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ الوَقُورْ"


فَأَيْقَنْتُ حَقّاً بِأَنَّ الطَّرِيقَ ** لِمَنْ صَفَّ عَقْلاً وَأَحْيَاهُ نُورْ


فَلَا تَسْأَلِ اسْماً.. فَحَسْبُكَ أَنَّهْ ** رَعَايَا الإِلَهِ لِكَسْرِ الشُّعُورْ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .