الاثنين، 29 يونيو 2026

حين يكون الرجل أمانا بقلم الراقي عبد الحكيم الجزائري

 حين يكون الرجل أمانًا... وتكون المرأة أمانة

كان العمر يقف بينهما، شيخًا من نور، تتكئ الحكمة على عصاه، وتختبئ التجارب بين تجاعيد وجهه. وكان الصمت يجلس قريبًا منه، يبتسم في هدوء، كأنه يعرف من أسرار القلوب ما لم تعرفه الكلمات.

الرجل:

قولي لي... ماذا تركت لكِ السنون غير بعض الذكريات؟

المرأة ـ وقد عبرت في عينيها مواسم من الشوق ـ:

تركت لي يقينًا أن العمر لا يُقاس بعدد السنين، بل بعدد الأرواح التي لامست أرواحنا. وأن الرجل إذا كان أمانًا، صار الزمن في حضوره لحظةً من دفء، وإذا كان خوفًا، صار الانتظار قرنًا من الوحدة.

العمر ـ مبتسمًا ـ قال:

رأيتُ آلاف العشاق... منهم من أحبَّ الوجوه، فلما غيّرها الزمن رحل، ومنهم من أحبَّ الأرواح، فكلما مرَّت السنون ازداد عشقًا. فلا تغتروا بالبدايات؛ فهي تُجيد ارتداء الحرير، أما النهايات فهي وحدها التي ترتدي الحقيقة.

الرجل:

وأنا... ماذا أكون في قلبك؟

المرأة:

أنت... إذا صدقت، صرتَ وطنًا لا تُغادره روحي، وإذا وفيت، أصبحتَ صلاةً يطمئن بها قلبي. لستَ رجلًا لأنك أقوى من الريح، بل لأنك أحنُّ من المطر حين يسقط على أرضٍ عطشى.

الرجل:

وأنتِ... ماذا تكونين في قلبي؟

المرأة ـ وقد انخفض صوتها حتى صار همسًا ـ:

أنا أمانةُ الله بين يديك... فلا تحملني كما يحمل الناس أشياءهم، بل كما يحمل المصلي دعاءه، يخشى أن يسقط منه حرفٌ فيضيع المعنى. فالمرأة ليست وردةً تُقطف، بل ربيعٌ كامل، إن أحببته أزهرت الفصول كلها.

الصمت ـ وقد رفع رأسه لأول مرة ـ قال:

ما أكثر الذين يتحدثون عن الحب... وما أقل الذين يعرفونه. فالحب الحقيقي لا يرفع صوته، لأن الأنهار العميقة لا تُحدث ضجيجًا.

الرجل:

ولماذا يُتعبنا الحب رغم جماله؟

العمر:

لأنكم تبحثون عن العيون الجميلة، وتنسون القلوب الجميلة. تبحثون عن الوجوه التي تُدهشكم، ولا تبحثون عن الأرواح التي تُطمئنكم. والجمال ضيف، أما الأخلاق فهي صاحبة الدار.

المرأة:

علّمني العمر أن الرجل لا يُقاس بعرض كتفيه، بل بقدرته على احتواء دمعة امرأة دون أن يجرح كبرياءها. وأن المرأة لا تُقاس بجمال ملامحها، بل بالسكينة التي تتركها في قلب من تحب.

الصمت ـ وقد بدا كحكيمٍ أنهكته الحياة ـ قال:

تذكروا... أكثر العلاقات ضجيجًا هي أقلها عمقًا، وأكثرها هدوءًا هي أطولها عمرًا. فالشجرة لا تُثبت جذورها بالكلام، بل بالصبر، وكذلك الحب.

الرجل:

وهل يبقى الحب... إذا شاب الشعر، وهدأت اللهفة؟

العمر ـ وقد لمع بريق الحكمة في عينيه ـ قال:

هناك ينتهي الإعجاب... ويبدأ الحب. فالعشق قد يصنعه الجمال، أما البقاء فيصنعه الوفاء. وحين تصبح يدٌ واحدة أغلى من ألف يد، وقلبٌ واحد أغلى من الدنيا، فاعلموا أن الحب قد بلغ رشده.

ساد الصمت...

لكنه لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان صلاةً تؤديها الأرواح دون صوت. حتى النسيم توقف قليلًا، وكأن الطبيعة كلها تُصغي إلى حكمةٍ تُولد.

ثم همس العمر وهو يهمُّ بالرحيل:

"لا تبحثوا عمّن يخفق له قلبكم في البداية... بل عمّن يظل يختاركم بعد أن تهدأ العواصف، وتذبل الورود، ويصبح الودُّ أجمل من الشغف."

وأغمض الصمت عينيه، وقال آخر كلماته:

"الكلمات تُولد على الشفاه... لكنها تموت سريعًا. أما الأفعال فتولد في القلب، وتعيش في الذاكرة. فالحب ليس أن تقول: أحبك... بل أن تجعل من وجودك أمانًا، ومن وفائك عهدًا، ومن قلبك وطنًا. هناك فقط... يكون الرجل أمانًا، وتكون المرأة أمانة."

بقلم الأستاذ: ع/الحكيم الجزائري ✍️

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .