«حكاية لا تُروى»
طاهر عرابي
دريسدن – 10.09.2024 | نُقّحت في 30.06.2026
⸻
أن نحيا بلا وجهة،
وندّعي الحكمة ونحن نهرب من عثرات البلاهة.
نمشي خلف سرابٍ نسجته الروح من وهم،
لا ميزان للعقل،
ولا بوصلة لانتماءٍ كي لا تبدّده الريح.
كلُّ ما نملكه ادّعاءٌ،
سكن الجوف وتمترس خلف الخوف.
غرباء نترنّح في فراغٍ يتّسع كلما مشينا،
والهدف يتلوّن كألوان الحرباء…
لا ثبات، لا يقين.
نطير فوق القباب،
ونسقط اليقين فوق أصابع طفل.
نقول: «مساكين نحن»،
ونمضي بثيابٍ تشبه الجدران،
نذرف الحريق بأملٍ معلّق،
ونرجو من اللهب أن يصمت،
لا ليغفر،
بل ليترك رماده معلّقًا… فتكتوي
سحبٌ بريئة
جاءت لتُمطر، فانحرفت.
أفنحن اليباب في هيئة المجانين؟
ونعيش مغادرين،
لا لون يقتحم العيون،
ونرى القوة في لون الرماد،
ونكهة الرحيل غبارٌ يتسكّع
خوفًا من مساءلة الهواء.
حينها ندرك أن المسألة
لا تغفر لمن نكره،
فنقول له:
لا خير يبدأ في الرحيل…
ولا يكتمل في العودة إن طال الفراق.
رحلةٌ تسكن القلب،
توقظ العين،
وترسم دائرةً
قطرها الشقاء الطافي فوق المحيط،
ومركزها نهاية الزمان…
ويتبدّل صوت الأعداء،
ويغدو اليقينُ سماءً متهاويةً
على نغم الصابرين.
اكتسبتُ هذه المرّة هيئةً تشبه كُراتِ الرمل على الشاطئ،
متماسكةً إلى حين هجوم الموج،
تكوّرها سرطاناتُ البحر برشاقةِ الموقنين بالعودة،
كُراتٌ لا تنساها ذاكرةُ الموج.
لا تبالي…
سيعود البحر ليغمرها ترفًا جنونيًا،
تحياه… ولا تذكره.
نجتمع في مقهى الأزمنة،
القهوة باردةٌ أكثر مما ينبغي،
وأم كلثوم تعيد ما لا يُعاد،
ونهمس: «أغدًا ألقاك؟»
فهل نواصل الطريق،
أم نعود بلا أثر؟
ربما نخشى لقاءً
تكون فيه المرايا
صوتَ الراحلين.
أن تكون وحيدًا في حضرة الجموع،
كنهرٍ يشقّ شقوق الصخر،
يشرب من فرح الانتماء صمتًا،
ويرى في العزلة
ألوان الحياة البهيجة.
غادر النهرُ النبعَ،
وانطلق يتحسّس خيبته
بين سدٍّ ومنحدر،
همّه أن يصنع بحيرةً
أو يذوب في بحرٍ لن يذكره.
يناديك أصدقاؤك…
أنتَ من ضفةٍ بلا نهر،
فتشعر أنك موجود.
تردّ بيديك وتبتسم،
ويظنّون أنك خرجت من الزحام تحمل هدفًا…
لكنّك كنت فقط
تنصتُ لنفسك.
تلتفتُ وتصرخ لتختبر الوجود: «والنهر؟»
نهرُهم ما زال يشقّ طريقه بفرح،
وأنتَ موهومٌ بترف الرؤية.
وما تبقّى…
سينصهر في إرادةٍ حرّة،
كصعودِ القمم، وهبوطِ الفرح.
فلا شيء أثقل على القلب من الفرقة،
ولا شيء يجمعه أكثر من حبٍّ صادق.
فكن محبوبًا في العواصف والانزلاقات،
ولا تزرع في السماء
ما نسيت أن تغرسه في الأرض.
ولا تقل وداعًا…
فأنت لست محطة سفرٍ في دائرة،
بل أنت الرحيل،
وأنت العودة،
وأنت الزمن…
في ساعةٍ لم يحملها معصمك،
بل حملتك أنت،
لتعيش مغفورًا لك،
لكونك راحلًا،
حتى وإن تنقّلت بين أقطاب الأرض.
لا وقت يكفيك لتفهم: من أنت؟
لكن أجمل الوقت ابتسامةٌ سينالها وجهك أولًا.
ولا تنسَ لمن تُهديها.
الذين رضوا بالرحيل،
أغنياء بحواسّ متألقة،
يحملون ما لا تراه العين،
لكنّه يُحَسّ في صميم القلب.
لا تودّعهم،
ولا تعارضهم،
خذ من حملهم بعضًا،
فأنت في الدرب مثلهم،
تزداد ثراءً بما يتركه الزمن من ذكرى.
لك رحيلٌ لا يبدأ كما تشاء،
فكن سيّد نفسك،
وامضِ مطمئنًا بلا قلق،
والتفت كلما سمعت خطواتك خلفك،
فأنت تمضي بشهادة البقاء.
لماذا لا نكتفي بكلمةٍ
توقف الشكوى؟
وأنت…
بحرٌ صامتٌ يحتضن العاصفة.
فهل تخشى السيل؟
كلُّ شيءٍ قادمٌ لا محالة.
فلماذا الاغتراب في هذا القهر؟
لم نسمع موسيقى لألسنة الدخان،
ولا سكينة في الغيوم المثقلة،
ومع ذلك…
اتفقنا على لون الجدران،
وعلى مواعيد القهوة بعد الظهر،
وعلى ستائر الشبابيك
التي علّقتها كأغنيةٍ رمادية،
خجلةً من الذكريات.
وفي آخر الليل،
يطول السكون،
تحدّق العيون في العتمة،
نحارب الغايات البسيطة،
نصرّ على العناد…
حتى في وجه الرحمة،
حتى ونحن متعبون.
تمرّ الساعات…
نفترق، ثم نلتقي في بقعةٍ ما من الزمن،
نسميها «بقعة الوفاق»،
كأننا اخترقنا الزمن…
دون أن نعلم أيَّ مصيرٍ ينتظرنا،
إن كان الشكُّ وجهَ التعب.
أما أنا،
فوضعتُ أحمالي على خيالِ جدار،
وقلتُ له:
«احمل ما تبقّى من هذا الغبار،
وكأنك لم ترني.»
يا حياة…
ستضيعين كسلحفاةٍ
حملت بيتها،
ولم ترَ يومًا سقفَ البيت،
ولا حكّت صدرها بنشوة انتصار.
نحمل قوقعتنا،
نتقدّم إلى الأمام،
ولا شيء يغري في الخلف،
ولا أثرَ للنهار.
دريسدن – طاهر عرابي