حينَ يغيبُ الرجالُ تضعفُ الكيانات
ليس أخطرَ على أيِّ كيانٍ من غيابِ الرُّوح التي تحمله، فالمؤسسات قد تبقى بأسمائها، والأنظمة قد تستمرُّ بأوراقها، والهياكل قد تبدو قائمةً في ظاهرها، لكنَّ الحقيقة أنَّ الكيانَ يفقدُ قوته حين يغيبُ الرجالُ الذين يمنحونهُ المعنى والحياة.
فالكيانات لا تنهارُ دائمًا بسبب قلة الإمكانات، ولا تسقطُ فقط بسبب الأزمات الخارجية، بل كثيرًا ما يبدأ الضعفُ من الداخل؛ حين يتحولُ الانتماءُ إلى مصلحة، والمسؤوليةُ إلى منصب، والعملُ الجماعي إلى سباقٍ لإثبات الذات.
إنَّ الرجلَ الذي يحملُ كيانًا لا يُعرَفُ بكثرةِ ظهوره، ولا بعلوِّ صوته، ولا بما يحظى به من تقدير، وإنما يُعرفُ بقدرته على أن يبقى ثابتًا حين تتغيرُ الظروف، ومخلصًا حين تغيبُ العيون، وعاملًا حين لا ينتظرُ التصفيق.
فالرسالاتُ الكبرى لا تحتاجُ إلى أصحابِ مصالح، بل إلى أصحابِ مبادئ؛ لأنَّ المصلحةَ قد تجمعُ الناسَ في وقت الرخاء، أما القيمُ فهي التي تحفظُهم في أوقات الاختبار.
وقد ضرب القرآن الكريم أروعَ الأمثلة في قيمة الرجال الذين يحملون الأمانة، فقال سبحانه:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
(الأحزاب: 23).
فصفة الرجال هنا لم تكن بالقوة الظاهرة، وإنما بالصدق والثبات والوفاء بالعهد.
إنَّ الكيانَ الذي يفقدُ روحَ التعاون يصبحُ مجموعةَ أفراد، والكيانَ الذي تغيبُ عنه الثقة يتحولُ إلى ساحةِ صراعات، والكيانَ الذي لا يحترمُ أصحابَ العطاء يفقدُ أعمدتهُ بصمت.
ولذلك فإنَّ من أخطر ما يواجهُ أيَّ جماعةٍ أن يصبحَ أصحابُ الجهدِ الحقيقي في الظل، بينما يتقدمُ أصحابُ الضجيجِ إلى الواجهة؛ لأنَّ الظلمَ حين يصيبُ المخلصين لا يجرحُ أفرادًا فقط، بل يضعفُ ثقةَ الجميع في قيمة العمل.
وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“ليس العاقلُ من يعرفُ الخيرَ من الشر، وإنما العاقلُ من يعرفُ خيرَ الشرَّين.”
فالحكمةُ في إدارة الكيانات ليست في تجنبِ كلِّ خلاف، فهذا أمرٌ لا يمكن، وإنما في اختيارِ ما يحفظُ الجماعة، وتقديمِ المصلحةِ العامة على الرغباتِ الخاصة.
إنَّ الرجالَ الحقيقيين لا يبنونَ لأنفسهم تماثيلَ من المديح، بل يتركونَ آثارًا من العمل. لا يبحثونَ عن أن يُذكروا في كلِّ موضع، بل يكفيهم أن يكونَ وجودهم سببًا في استقامةِ الطريق.
فكم من أسماءٍ لم تُكتبْ في مقدمةِ الصفوف، لكنها صنعتْ فرقًا عظيمًا، وكم من أصواتٍ ملأتِ الساحاتِ ثم لم تتركْ خلفها إلا صدى عابرًا.
إنَّ أعظمَ ما يحفظُ الكيانات هو أن يشعرَ كلُّ فردٍ فيها أنَّه شريكٌ في الرسالة، لا تابعٌ فيها، وأنَّ نجاحَ الآخرين إضافةٌ إليه، لا تهديدٌ له.
فالحسدُ يهدمُ ما تبنيه الأيدي، وسوءُ الظنِّ يقطعُ ما تصلُهُ القلوب، أما حسنُ النيةِ والتعاونُ فيصنعانِ من الأفرادِ أمةً ومن الجهودِ حضارة.
وقد قال رسول الله ﷺ:
«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.»
(متفق عليه).
فهذا المبدأ العظيم ليس خاصًا بالعلاقات الفردية فقط، بل هو أساسٌ لكلِّ مجتمعٍ ناجح؛ لأنَّ الكيانَ الذي يتمنى فيه كلُّ إنسانٍ الخيرَ لأخيه، يصبحُ أقوى من أيِّ تحدٍّ يواجهه.
إنَّ بقاءَ المؤسسات لا يكونُ بكثرةِ القوانين، بل بثقافةٍ حيةٍ تجعلُ الإنسانَ يشعرُ أنَّ الأمانةَ التي يحملها ليست وظيفةً يؤديها، بل عهدٌ يُسألُ عنه.
ولهذا فإنَّ الرجلَ الذي يحملُ كيانًا بحق هو من يحفظُ أسراره، ويصونُ سمعته، ويعالجُ أخطاءه بالحكمة، ويقدمُ النصيحةَ بإخلاص، ويختلفُ بأدب، ويعملُ بروحِ الفريق.
فالاختلافُ لا يهدمُ الكيانات، وإنما يهدمُها التعصبُ للذات، ورفضُ المراجعة، وتحويلُ الرأي إلى معركة.
وفي النهاية، فإنَّ الكيانات العظيمة لا تُقاسُ بعددِ أعضائها، ولا بحجمِ شعاراتها، بل بوجودِ رجالٍ يحملونَ قيمتها في قلوبهم، ويجعلونَ من أخلاقهم جدارَ الحمايةِ الأول لها.
فإذا صلحَ الرجالُ صلحتِ الكيانات، وإذا صدقتِ النفوسُ قويتِ الرسالات، وإذا حضرَ الإخلاصُ بقيَ الأثرُ حتى بعد رحيلِ أصحابه.
نسألُ الله أن يرزقَنا رجالَ المواقف لا رجالَ المناسبات، وأهلَ البناء لا أهلَ الهدم، وأن يجعلنا مفاتيحَ للخير، حافظينَ للأمانات، عاملينَ لما فيهِ صلاحُ الجماعاتِ والكيانات
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .