الخميس، 23 يوليو 2026

مقام الروح لا يستعار بقلم الراقي هاني الجوراني

 مقامُ الروحِ لا يُستعار


هناكَ على عتباتِ العمرِ حيثُ تَسكتُ ضوضاءُ الطريقِ وتجلسُ الروحُ وحيدةً تراجعُ خرائطَها القديمةَ... تدركُ أنَّ بعضَ الرحيلِ ليس هروباً من الأمكنة، بل عودةٌ إلى النفسِ قبل أن تضيعَ ملامحُها في الزحام.


فكم من نافذةٍ أغلقتْها الريحُ كانتْ أرحبَ من جدرانٍ كثيرة، وكم من بابٍ طرقناهُ طويلًا لم يكنْ ينتظرُ خطانا، بل كانَ يختبرُ صبرَ أقدامِنا المتعبة.


أنا لا أبحثُ عن مقعدٍ في مجالسِ التصفيقِ العابر، ولا أمدُّ يدي لظلٍّ لا يعرفُ حرارةَ يدي، فالقيمةُ ليست وساماً على صدرٍ يمنحُه الآخرون، بل نورٌ صغيرٌ يسكنُ القلبَ حينَ يعرفُ الإنسانُ قدرَه.


سأرحلُ حينَ يصبحُ حضوري ثقلًا على مَن لا يُبصرُ جماله، وسأمضي حينَ تضيقُ الأماكنُ بجناحينِ خُلِقا للتحليق، فالطائرُ لا يخونُ السماءَ حينَ يتركُ قفصاً ذهبيًاً ، بل يحفظُ تغريدتهُ الأخيرة.


سأحملُ معي بعضَ الذكرياتِ كأوراقِ شجرةٍ في خريفٍ هادئ، سأتركُ خلفي الطرقاتِ التي لم تعرفْ وقعَ خطاي، وأزرعُ في أرضٍ جديدةٍ ورداً لا يخافُ من الفصول.


سأكونُ أنا... كما خلقتني الأيامُ قلبًا تعلّمَ من الجراحِ حكمةَ الصبر، وروحًا كلما انكسرتْ جمعتْ شظاياها وصنعتْ منها أجنحة.


فلا تطلبْ من النهرِ أن يعودَ إلى منبعه، ولا تطلبْ من الفجرِ أن يستأذنَ الليلَ كي يأتي، فكلُّ شيءٍ في هذا الكونِ يمضي نحوَ حقيقته.


إنَّ أعظمَ انتصارٍ للإنسانِ أن يقفَ أمامَ مرآتهِ ذاتَ مساءٍ ويقولَ بثقةٍ وطمأنينة:


أنا لستُ ما يراهُ الآخرونَ بي، أنا ما صنعتهُ روحي حينَ اختارتْ أن تبقى حرة.

         بقلم: هاني الجوراني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .