حين استفاقت "تل"...
لم تكن تل في ذلك الصباح سوى قريةٍ تشبه قلب أمٍّ أنهكته السنون... تتنفس هدوءًا... وتفرش على سفوحها بساطًا من زيتونٍ عتيق... يعرف وجوه أصحابه كما تعرف الأم ملامح أبنائها.
كان الفجر قد غسل الطرقات بنداه... وبدأت الشمس تمد خيوطها الذهبية على الحقول... ولم يكن أحدٌ يظن أن الصباح سيحمل معه ما لم تحمله الليالي.
لكن...
ما إن مضت الساعات الأولى...
حتى تبدّل المشهد...
ارتفعت الأصوات...
وتسارعت الخطوات...
وأصبح الهدوء الذي اعتادته القرية سؤالًا يبحث عن جواب.
خرج أهل الأرض...
لم يخرجوا طلبًا لخصومة... ولا رغبةً في صراع... وإنما خرجوا لأن الأرض لا تنادي إلا أبناءها... ولأن الزيتون الذي غرسه الآباء لا يعرف إلا الأيدي التي رعته... فكان موقفهم موقف من يتمسك بحقه... ويأبى أن يرى ذاكرته تُنتزع من بين يديه.
ثم...
في لحظةٍ خاطفة...
اختلط الصمت بالضجيج...
وتداخلت الدعوات مع الصرخات...
وأعقب ذلك إطلاق نارٍ حوّل صباح القرية إلى مشهدٍ ثقيلٍ بالألم... وسقط من أبناء الوطن من ارتقوا وهم متمسكون بأرضهم، لتغدو دماؤهم شاهدًا على قسوة اللحظة، وعظمة الثبات.
ومنذ تلك اللحظة...
لم تعد تل مجرد اسمٍ على خارطة...
بل أصبحت حكايةً تُروى...
حكاية قريةٍ أرادت أن تبقى كما كانت... آمنةً مطمئنة... فإذا بها تواجه امتحانًا قاسيًا، لم تختره، لكنها وقفت أمامه بما تملك من صبرٍ وإيمانٍ بحقها.
يا تل...
سيظل زيتونك يهمس بأن للأرض أهلًا لا ينسونها...
وستبقى حجارتك تحفظ وقع أقدام من ساروا عليها بكرامة...
أما الذين رحلوا...
فلم يرحلوا من ذاكرة الوطن...
بل صاروا نبضًا في قلبه...
وشاهدًا على أن الأرض ليست ترابًا يُمتلك...
بل عهدٌ يُصان...
وكرامةٌ لا تُفرّط بها النفوس الحرة.
رحم الله من فقدوا حياتهم في تلك الأحداث، وشفى الجرحى، وألهم ذويهم الصبر، وجعل لهذه الأرض أيامًا
يسودها الأمن والعدل والسلام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .